۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القيامة، آية ٨

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ ١ وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢ أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣ بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤ بَلۡ يُرِيدُ ٱلۡإِنسَٰنُ لِيَفۡجُرَ أَمَامَهُۥ ٥ يَسۡـَٔلُ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلۡقِيَٰمَةِ ٦ فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ ٧ وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ ٨ وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ ٩ يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠ كـَلَّا لَا وَزَرَ ١١ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢ يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣ بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ (1) وَ لا أُقْسِمُ بِالنّفْسِ اللّوّامَةِ (2) أَ يحْسب الانسنُ أَلّن نجْمَعَ عِظامَهُ (3) بَلى قَدِرِينَ عَلى أَن نّسوِّى بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الانسنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيَمَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصرُ (7) وَ خَسف الْقَمَرُ (8) وَ جُمِعَ الشمْس وَ الْقَمَرُ (9) يَقُولُ الانسنُ يَوْمَئذٍ أَيْنَ المَْفَرّ (10) َكلا لا وَزَرَ (11) إِلى رَبِّك يَوْمَئذٍ المُْستَقَرّ (12) يُنَبّؤُا الانسنُ يَوْمَئذِ بِمَا قَدّمَ وَ أَخّرَ (13) بَلِ الانسنُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَ لَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)

القراءة

قرأ القواس لأقسم و الباقون «لا أقسم» و لم يختلفوا في الثاني أنه «و لا أقسم» و قرأ أهل المدينة برق البصر بفتح الراء و الباقون «برق» بالكسر و في الشواذ قراءة ابن عباس و عكرمة و أيوب السختياني و الحسن المفر بفتح الميم و كسر الفاء و قراءة الزهري المفر بكسر الميم و فتح الفاء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ «لا أقسم بيوم القيامة» كانت لا على قوله صلة كالتي في قوله لئلا يعلم أهل الكتاب فإن قلت لا و ما و الحروف التي هن زوائد إنما تكون بين كلامين كقوله مما خطيئاتهم و فبما رحمة من الله و فبما نقضهم و لا تكاد تزاد أولا فقد قالوا إن مجاري القرآن مجاري الكلام الواحد و السورة الواحدة قال و الذي يدل على ذلك أنه قد يذكر الشيء في سورة و يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون جاء جوابه في سورة أخرى ما أنت بنعمة ربك بمجنون فلا فصل على هذا بين قوله لئلا يعلم و بين قوله «لا أقسم» فأما من قرأ لأقسم فإن اللام تجوز أن تكون اللام التي تصحبها إحدى النونين في أكثر الأمر و قد حكى ذلك سيبويه و أجازه و كما لم يلحق النون مع الفعل الآتي في لأقسم كذلك لم يحلق اللام مع النون في نحو قول الشاعر:

{و قتل مرة أثأرن فإنه --- فرع و إن أخاكم لم يثأر}

يريد لأثأرن فحذف اللام و يجوز أن يكون اللام لحقت فعل الحال و إذا كان المثال للحال لم يتبعها النون لأن هذه النون التي تلحق الفعل في أكثر الأمر إنما هي للفصل بين فعل الحال و الفعل الآتي و قد يمكن أن يكون لا ردا لكلام و زعموا أن الحسن قرأ «لا أقسم بيوم القيامة و لا أقسم بالنفس اللوامة» و قال أقسم بالأولى و لم يقسم بالثانية و حكي نحو ذلك عن ابن أبي إسحاق أيضا و ذكر أبو علي في غير كتاب الحجة أن اللام زيادة لأن القسم لا يدخل

على القسم و قال ابن جني ينبغي أن تكون هذه اللام لام الابتداء أي لأنا أقسم بيوم القيامة و حذف المبتدأ للعلم به و قال أبو الحسن برق البصر أكثر في كلام العرب و المفتوحة لغة قال الزجاج من قرأ «برق» فمعناه فزع و تحير و من قرأ برق فهو من بريق العينين و قال أبو عبيدة برق البصر إذا شق و أنشد:

{لما أتاني ابن صبيح راغبا --- أعطيته عيساء منها فبرق}

و المفر الفرار و المفر بكسر الفاء الموضع الذي يفر إليه و المفر بكسر الميم و فتح الفاء الإنسان الجيد الفرار و قال امرؤ القيس:

{مكر مفر مقبل مدبر معا --- كجلمود صخر حطه السيل من عل}

الإعراب

«بلى قادرين» نصب على الحال و التقدير بلى بجمعها قادرين فالعامل في الحال محذوف لدلالة ما تقدم عليه كما في قوله فإن خفتم فرجالا أي فصلوا رجالا و مفعول يريد محذوف تقديره بل يريد الإنسان الحياة ليفجر و يسأل جملة في موضع الحال و «لا وزر» خبره محذوف و تقديره لا وزر في الوجود و قوله «بل الإنسان على نفسه بصيرة» قيل في تفسيره أقوال ( أحدها ) أن المعنى بل الإنسان على نفسه عين بصيرة ( و الثاني ) حجة بصيرة أي بينة ( و الثالث ) أن الهاء للمبالغة كما يقال رجل علامة و نسابة و قال علي بن عيسى تقديره بل الإنسان على نفسه من نفسه بصيرة أي جوارحه شاهدة عليه يوم القيامة فأنت بصيرة لأنه حمل الإنسان على النفس و جواب لو محذوف تقديره و لو ألقى معاذيره و لم ينفعه ذلك و يجوز أن يكون جوابه فيما سبق.

المعنى

«لا أقسم بيوم القيامة» قيل إن لا صلة و معناه أقسم بيوم القيامة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قيل إن لا رد على الذين أنكروا البعث و النشور من المشركين فكأنه قال لا كما تظنون ثم ابتدأ القسم فقال أقسم بيوم القيامة أنكم مبعوثون ليكون فرقا بين اليمين التي تكون جحدا و بين اليمين المستأنفة و قيل معناه لا أقسم بيوم القيامة لظهورها بالدلائل العقلية و السمعية و قيل معناه لا أقسم بيوم القيامة فإنكم لا تقرون بها «و لا أقسم بالنفس

اللوامة» فإنكم لا تقرون بأن النفس تلوم صاحبها يوم القيامة و لكن استخبركم فأخبروني هل أقدر على أن أجمع العظام المتفرقة و هذان الوجهان عن أبي مسلم و قيل معناه أقسم بيوم القيامة و لا أقسم بالنفس اللوامة أقسم بالأول و لم يقسم بالثاني عن الحسن قال علي بن عيسى و هذا ضعيف لأنه يخرج عن تشاكل الكلام و الأولى أن يكونا قسمين و هو قول الأكثرين و جواب القسم محذوف تقديره ما الأمر على ما تتوهمون و إنكم تبعثون أو لتبعثن و من قرأ لأقسم فإنه يجعلها جواب القسم و حذف النون لأنه أراد الحال و قد ذكرنا ما قيل فيه و النفس اللوامة الكثيرة اللوم و ليس من نفس برة و لا فاجرة إلا و هي تلوم نفسها يوم القيامة إن كانت عملت خيرا قالت هلا ازددت و إن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل عن ابن عباس في رواية عطاء و قال مجاهد تلوم على ما مضى تقول لم فعلت و لم لم أفعل و قيل النفس اللوامة الكافرة الفاجرة عن قتادة و مجاهد و معناه ذات اللوم الكثير لما سلف منها و قيل هي النفس المؤمنة تلوم نفسها في الدنيا و تحاسبها فتقول ما ذا فعلت و لم قصرت فتكون مفكرة في العواقب أبدا و الفاجر لا يفكر في أمر الآخرة و لا يحاسب نفسه عن الحسن «أ يحسب الإنسان» صورته صورة الاستفهام و معناه الإنكار على منكري البعث و معناه أ يحسب الكافر بالبعث و النشور يعني جنس الكفار «أن لن نجمع عظامه» أي أنه لن نعيده إلى ما كان أولا خلقا جديدا بعد أن صار رفاتا فكني عن البعث بجمع العظام ثم قال سبحانه «بلى» نجمعها «قادرين على أن نسوي بنانه» على ما كانت و إن قلت عظامها و صغرت فنردها كما كانت و نؤلف بينها حتى يستوي البنان و من قدر على جمع صغار العظام فهو على جمع كبارها أقدر عن الزجاج و الجبائي و أبي مسلم و قيل معناه نقدر على أن نجعل بنانه كالخلف و الحافر فيتناول المأكول بفيه و لكنا مننا عليه بالأنامل ليكمل بها المنفعة و يتهيأ له القبض و البسط و الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة و غيرها عن ابن عباس و قتادة «بل يريد الإنسان» أي يريد الكافر «ليفجر أمامه» هذا إخبار من الله تعالى أن الإنسان يمضي قدما في معاصي الله تعالى راكبا رأسه لا ينزع عنها و لا يتوب عن مجاهد و الحسن و عكرمة و السدي أي فهذا هو الذي يحمله على الإعراض عن مقدورات ربه فلذلك لا يقر بالبعث و ينكر النشور و قيل ليفجر أمامه أي ليفكر بما قدامه من البعث و يكذب به فالفجور و هو التكذيب و عن الزجاج قال و يجوز أن يريد أنه يسوف التوبة و يقدم الأعمال السيئة و قال ابن الأنباري يريد أن يفجر ما امتد عمره و ليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه و قيل معناه أنه يقول أعمل ثم أتوب عن عطية و المراد أنه يتعجل المعصية ثم يسوف التوبة يقول غدا و بعد غد «يسأل أيان يوم القيامة» معناه أن الذي يفجر أمامه يسأل متى تكون القيامة فإن معنى أيان متى إلا أن السؤال بمتى أكثر من السؤال بأيان

###

فلذلك حسن أن يفسر بها و إنما يسأل عن ذلك تكذيبا و اشتغالا بالدنيا من غير تفكر في العاقبة فإذا خوف بالقيامة قال متى يكون ذلك ثم قال سبحانه «فإذا برق البصر» أي شخص البصر عند معاينة ملك الموت فلا يطرف من شدة الفزع و قيل إذا فزع و تحير لما يرى من أهوال القيامة و أحوالها مما كان يكذب به في الدنيا و هذا كقوله لا يرتد إليهم طرفهم عن قتادة و أبي مسلم «و خسف القمر» أي ذهب نوره و ضوءه «و جمع الشمس و القمر» جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف ليتكامل ظلام الأرض على أهلها حتى يراها كل أحد بغير نور و ضياء عن مجاهد و هو اختيار الفراء و الزجاج و الجمع على ثلاثة أقسام جمع في المكان و جمع في الزمان و جمع الأعراض في المحل فأما جمع الشيئين في حكم أو صفة فمجاز لأن حقيقة الجمع جعل أحد الشيئين مع الآخر و قيل جمع بينهما في طلوعهما من المغرب كالبعيرين القرينين عن ابن مسعود «يقول الإنسان» المكذب بالقيامة «يومئذ أين المفر» أي أين الفرار و يجوز أن يكون معناه أين موضع الفرار عن الفراء و قال الزجاج المفر بالفتح الفرار و المفر بالكسر مكان الفرار قال الله سبحانه «كلا لا وزر» أي لا مهرب و لا ملجأ لهم يلجئون إليه و الوزر ما يتحصن به من جبل أو غيره و منه الوزير الذي يلجأ إليه في الأمور و قيل معناه لا حصن عن الضحاك «إلى ربك يومئذ المستقر» أي المنتهى عن قتادة أي ينتهي الخلق يومئذ إلى حكمه و أمره فلا حكم و لا أمر لأحد غيره و قيل المستقر المكان الذي يستقر فيه المؤمن و الكافر و ذلك إلى الله لا إلى العباد و قيل المستقر المصير و المرجع عن ابن مسعود و المستقر على وجهين مستقر إلى أمد و مستقر إلى الأبد «ينبؤ الإنسان يومئذ بما قدم و أخر» أي يخبر الإنسان يوم القيامة بأول عمله و آخره فيجازى به عن مجاهد و قيل معناه بما قدم من العمل في حياته و ما سنه فعمل به بعد موته من خير أو شر و قيل بما قدم من المعاصي و أخر من الطاعات عن ابن عباس و قيل بما أخذ و ترك عن ابن زيد و قيل بما قدم من طاعة الله و أخر من حق الله فضيعه عن قتادة و قيل بما قدم من ماله لنفسه و ما خلقه لورثته بعده عن زيد بن أسلم و حقيقة النبإ الخبر بما يعظم شأنه و إنما حسن في هذا الموضع لأن ما جرى مجرى المباح لا يعتد به في هذا الباب و إنما هو ما يستحق عليه الجزاء فأما ما وجوده كعدمه فلا اعتبار به «بل الإنسان على نفسه بصيرة» أي إن جوارحه تشهد عليه بما عمل فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه عليه عن ابن عباس و عكرمة و مقاتل و قال القتيبي أقام جوارحه مقام نفسه و لذلك أنث لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح و قال الأخفش هي كقولك فلان حجة و عبرة و دليله قوله تعالى كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا و قيل معناه أن الإنسان بصير بنفسه و عمله و روى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ما يصنع

أحدكم أن يظهر حسنا و يسر سيئا أ ليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك و الله سبحانه يقول «بل الإنسان على نفسه بصيرة» إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه تلا هذه الآية ثم قال ما يصنع الإنسان أن يتعذر إلى الناس خلاف ما يعلم الله منه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول من أسر سريرة رداه الله رداءها إن خيرا فخير و إن شرا فشر و عن زرارة قال سألت أبا عبد الله ما حد المرض الذي يفطر صاحبه قال «بل الإنسان على نفسه بصيرة» هو أعلم بما يطيق و في رواية أخرى هو أعلم بنفسه ذاك إليه «و لو ألقى معاذيره» أي و لو اعتذر و جادل عن نفسه لم ينفعه ذلك يقال معذرة و معاذر و معاذير و هي ذكر موانع تقطع عن الفعل المطلوب و قيل معناه و لو أرخى الستور و أغلق الأبواب عن الضحاك و السدي قال الزجاج معناه و لو أدلى بكل حجة عنده و جاء في التفسير المعاذير الستور واحدها معذار و قال المبرد هي لغة طائية و المعنى على هذا القول و إن أسبل الستور ليخفي ما يعمل فإن نفسه شاهدة عليه.