۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القلم، آية ١٦

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١ مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢ وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ ٣ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤ فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ ٥ بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ٦ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧ فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٨ وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩ وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠ هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ ١١ مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣ أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ ١٤ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥ سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ ١٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ ن وَ الْقَلَمِ وَ مَا يَسطرُونَ (1) مَا أَنت بِنِعْمَةِ رَبِّك بِمَجْنُونٍ (2) وَ إِنّ لَك لأَجْراً غَيرَ مَمْنُونٍ (3) وَ إِنّك لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَستُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ (5) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنّ رَبّك هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضلّ عَن سبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلا تُطِع الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَ لا تُطِعْ كلّ حَلافٍ مّهِينٍ (10) هَمّازٍ مّشاءِ بِنَمِيمٍ (11) مّنّاعٍ لِّلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلِّ بَعْدَ ذَلِك زَنِيمٍ (13) أَن كانَ ذَا مَالٍ وَ بَنِينَ (14) إِذَا تُتْلى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا قَالَ أَسطِيرُ الأَوّلِينَ (15) سنَسِمُهُ عَلى الخُْرْطومِ (16)

القراءة

مضى ذكر اختلاف القراء في إظهار النون و إخفائها من نون في سورة ياسين فلا وجه لإعادته و قرأ أبو جعفر و ابن عامر و يعقوب و سهل آن كان بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام و قرأ أبو بكر عن عاصم و حمزة أ إن كان بهمزتين و قرأ الباقون «أن كان» بفتح الهمزة من غير استفهام.

الحجة

قال أبو علي «أن كان ذا مال» لا يخلو من أن يكون العامل فيه تتلى من قوله «إذا تتلى عليه آياتنا» أو قال من قوله «قال أساطير الأولين» أو شيء ثالث فلا يجوز أن يعمل واحد منهما فيه أ لا ترى أن تتلى قد أضيفت إذا إليه و المضاف إليه لا يعمل فيما قبله لا تقول القتال زيدا حين يأتي و لا يجوز أن يعمل فيه قال أيضا لأن قال جواب إذا و حكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له و لا يتقدم عليه فكما لا يعمل فيه الفعل الأول فكذلك لا يعمل فيه الثاني فإذا لم يعمل فيه واحد من هذين الفعلين و ليس في الكلام غيرهما علمت أنه محمول على شيء آخر مما دل باقي الكلام عليه و الذي يدل عليه هذا الكلام من المعنى هو يجحد أو يكفر أو يستكبر عن قبول الحق و نحو ذلك و إنما جاز أن يعمل فيه المعنى و إن كان متقدما عليه لشبهه بالظرف و الظرف قد تعمل فيه المعاني و إن تقدم عليه و يدلك على مشابهته الظرف تقدير اللام معه و إن من النحويين من يقول أنه في موضع جر كما أنه لو كانت اللام معه ظاهرة كان كذلك و من قرأ بهمزة ممدودة فإنه يزيد همزة بعدها همزة مخففة.

اللغة

السطر الكتابة و هو وضع الحروف على خط مستقيم و استطر اكتتب و المسطر آلة التسطير و الممنون المقطوع يقال منه السير يمنه منا إذا قطعه و المنين الضعيف و الخلق المرور في الفعل على عادة فالخلق الكريم الصبر على الحق و تدبير الأمور على مقتضى العقل و في ذلك الأناة و الرفق و الحلم و المداراة و المفتون المبتلى بتخبيل الرأي كالمجنون يقال فتن فلان بفلانة و أصل الفتنة الابتلاء و الاختبار و المهين الضعيف الذليل و المهانة الذلة

و القلة و الهماز الوقاع في الناس بما ليس له أن يعيبهم به و الأصل فيه الدفع بشدة اعتماد و منه الهمزة حرف من الحروف المعجمة فهي نبرة تخرج من الصدر بشدة اعتماد و النميم التضريب بين الناس بنقل الكلام الذي يغيظ بعضهم على بعض و النميم و النميمة بمعنى و منه النمام المشموم لأنه بحدة ريحه كالمخبر عن نفسه و العتل الجافي الغليظ و أصله الدفع عتله يعتله إذا زعزعه بغلظة و جفاء و الزنيم الدعي الملصق بالقوم و ليس منهم و أصله الزنمة و هي الهنية المتدلية تحت حلق الجدي و يقال للتيس له زنمتان قال الشاعر:

{زنيم ليس يعرف من أبوه --- بغي الأم ذو حسب لئيم}

و قال حسان:

{و أنت زنيم نيط في آل هاشم --- كما نيط خلف الراكب القدح الفرد}

و يقال وسمه يسمه وسما و سمة و الخرطوم ما نتا من الأنف و هو الذي يقع به الشم و منه قيل خرطوم الفيل و خرطمه إذا قطع أنفه.

الإعراب

«بأيكم المفتون» فيه وجوه ( أحدها ) أن المفتون مصدر بمعنى الفتنة كما يقال ليس له معقول و ما له محصول قال الراعي:

{حتى إذا لم يتركوا لعظامه --- لحما و لا لفؤاده معقولا}

( و ثانيها ) أن يكون المفتون اسم المفعول و الباء مزيدة و التقدير أيكم المفتون و يكون مبتدأ و خبرا و تكون الجملة معلقة بقوله «يبصرون» ( و ثالثها ) أن الباء بمعنى في و المعنى في أيكم المفتون أي في أي الفريقين في فرقة الإسلام أو في فرقة الكفر المجنون و هذا قول الفراء و قال الراجز في زيادة الباء:

{نحن بني جعدة أصحاب الفلج --- نضرب بالسيف و نرجو بالفرج}

أي و نرجو الفرج.

المعنى

«ن» اختلفوا في معناه فقيل هو اسم من أسماء السورة مثل حم و ص و ما أشبه ذلك و قد ذكرنا ذلك مع غيره من الأقوال في مفتتح سورة البقرة و قيل هو الحوت الذي عليه الأرضون عن ابن عباس و مجاهد و مقاتل و السدي و قيل هو حرف من حروف الرحمن في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل هو الدواة عن الحسن و قتادة و الضحاك و قيل نون لوح من نور و روي مرفوعا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل هو نهر في الجنة قال الله له كن مدادا فجمد و كان أبيض من اللبن و أحلى من الشهد ثم قال للقلم اكتب فكتب القلم ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) و قيل المراد به الحوت في البحر و هو من آيات الله إذ خلقها في الماء فإذا فارق الماء مات كما أن حيوان البر إذا خالط الماء مات «و القلم» الذي يكتب به أقسم الله به لمنافع الخلق فيه إذ هو أحد لساني الإنسان يؤدي عنه ما في جنانه و يبلغ البعيد عنه ما يبلغ القريب بلسانه و به تحفظ أحكام الدين و به تستقيم أمور العالمين و قد قيل إن البيان بيانان بيان اللسان و بيان البنان و بيان اللسان تدرسه الأعوام و بيان الأقلام باق على مر الأيام و قيل إن قوام أمور الدين و الدنيا بشيئين القلم و السيف و السيف تحت القلم و قد نظمه بعض الشعراء و أحسن فيما قال:

{إن يخدم القلم السيف الذي خضعت --- له الرقاب و دانت حذره الأمم} {فالموت و الموت شيء لا يغالبه --- ما زال يتبع ما يجري به القلم} {كذا قضى الله للأقلام مذ بريت --- إن السيوف لها مذ أرهفت خدم}

«و ما يسطرون» أي و ما يكتبه الملائكة مما يوحى إليهم و ما يكتبونه من أعمال بني آدم فكان القسم بالقلم و ما يسطر بالقلم و قيل إن ما مصدرية و تقديره و القلم و سطرهم فيكون القسم بالكتابة و على القول الأول يكون القسم بالمكتوب «ما أنت بنعمة ربك بمجنون» هو جواب القسم و معناه لست يا محمد بمجنون بنعمة ربك كما تقول ما أنت بنعمة ربك بجاهل و جاز تقديم معمولها به الباء لأنها زائدة مؤكدة و تقديره انتفى عنك الجنون بنعمة ربك و قيل هو كما يقال ما أنت بمجنون بحمد الله و قيل معناه بما أنعم عليك ربك من كمال العقل و النبوة و الحكمة لست بمجنون أي لا يكون مجنونا من أنعمنا عليه بهذه النعم و قيل معناه ما أنت بمجنون و النعمة لربك كما يقال سبحانك اللهم و بحمدك أي و الحمد لك و هذا تقرير لنفي الجنون عنه و قالوا إن هذا جواب لقول المشركين يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك

###

لمجنون «و إن لك» يا محمد «لأجرا» أي ثوابا من الله على قيامك بالنبوة و تحملك أعباء الرسالة «غير ممنون» أي غير مقطوع و هو ثواب الجنة يعني لا تبال بكلامهم مع ما لك عند الله من الثواب الدائم و الأجر العظيم و قيل غير ممنون أي لا يمن به عليك عن أبي مسلم و المعنى غير مكدر بالمن الذي يقطع عن لزوم الشكر فقد قيل المنة تكدر الصنيعة و قال ابن عباس ليس من نبي إلا و له مثل أجر من آمن به و دخل في دينه ثم وصف سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «و إنك» يا محمد «لعلى خلق عظيم» أي على دين عظيم و هو دين الإسلام عن ابن عباس و مجاهد و الحسن و قيل معناه إنك متخلق بأخلاق الإسلام و على طبع كريم و حقيقة الخلق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب و إنما سمي خلقا لأنه يصير كالخلقة فيه فأما ما طبع عليه من الآداب فإنه الخيم فالخلق هو الطبع المكتسب و الخيم هو الطبع الغريزي و قيل الخلق العظيم الصبر على الحق و سعة البذل و تدبير الأمور على مقتضى العقل بالصلاح و الرفق و المداراة و تحمل المكاره في الدعاء إلى الله سبحانه و التجاوز و العفو و بذل الجهد في نصرة المؤمنين و ترك الحسد و الحرص و نحو ذلك عن الجبائي و قالت عائشة كان خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما تضمنه العشر الأول من سورة المؤمنين و من مدحه الله سبحانه بأنه على خلق عظيم فليس وراء مدحه مدح و قيل سمي خلقه عظيما لأنه عاشر الخلق بخلقه و زايلهم بقلبه فكان ظاهره مع الخلق و باطنه مع الحق و قيل لأنه امتثل تأديب الله سبحانه إياه بقوله خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين و قيل سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه و يعضده ما روي عنه قال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق و قال أدبني ربي فأحسن تأديبي و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل و صائم النهار و عن أبي الدرداء قال قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن و عن الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عليكم بحسن الخلق فإن حسن الخلق في الجنة لا محالة و إياكم و سوء الخلق فإن سوء الخلق في النار لا محالة و عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا الذين يألفون و يؤلفون و أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون للبراء العثرات «فستبصر و يبصرون» أي فسترى يا محمد و يرون يعني الذين رموه بالجنون «بأيكم المفتون» أي أيكم المجنون الذي فتن بالجنون أ أنت أم هم و قيل بأيكم الفتنة و هو الجنون يريد أنهم يعلمون عند العذاب أن الجنون كان بهم حين كذبوك و تركوا دينك لا بك و قيل معناه فستعلم و يعلمون في أي الفريقين المجنون الذي فتنة

الشيطان ثم أخبر سبحانه أنه عالم بالفريقين فقال «إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله» الذي هو سبيل الحق و عدل عنه و جار عن السلوك فيه «و هو أعلم بالمهتدين» إليه العالمين بموجبه فيجازي كلا بما يستحقه و يستوجبه أخبرنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القائني رحمه الله قال حدثنا الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال حدثنا أبو عبد الله الشيرازي قال حدثنا أبو بكر الجرجاني قال حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثني عمرو بن محمد بن تركي قال حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن شعيب عن عمرو ابن شمر عن دلهم بن صالح عن الضحاك بن مزاحم قال: لما رأت قريش تقديم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) و إعظامه له نالوا من علي و قالوا قد افتتن به محمد فأنزل الله تعالى «ن و القلم و ما يسطرون» قسم أقسم الله به «ما أنت» يا محمد «بنعمة ربك بمجنون» «و إنك لعلى خلق عظيم» يعني القرآن إلى قوله «بمن ضل عن سبيله» و هم النفر الذين قالوا ما قالوا و هو أعلم بالمهتدين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) ثم قال سبحانه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «فلا تطع المكذبين» بتوحيد الله عز و جل الجاحدين لنبوتك و لا تجبهم إلى ما يلتمسون منك و لا توافقهم فيما يريدون «ودوا لو تدهن فيدهنون» أي ود هؤلاء الكفار أن تلين لهم في دينك فيلينون في دينهم شبه التليين في الدين بتليين الدهن عن ابن عباس و قيل معناه ودوا لو تكفر فيكفرون عن الضحاك و عطاء و ابن عباس في رواية أخرى و قيل معناه ودوا لو تركن إلى عبادة الأصنام فيمالؤونك و الإدهان الجريان في ظاهر الحال على المقاربة مع إضمار العداوة و هو مثل النفاق و قيل ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك عن الحسن ثم قال «و لا تطع» يا محمد «كل حلاف» أي كثير الحلف بالباطل لقلة مبالاته بالكذب «مهين» فعيل من المهانة و هي القلة في الرأي و التمييز و قيل ذليل عند الله تعالى و عند الناس و قيل كذاب لأن من عرف بالكذب كان ذليلا حقيرا عن ابن عباس و قيل يعني الوليد بن المغيرة قال عرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المال ليرجع عن دينه و قيل يعني الأخنس ابن شريق عن عطاء و قيل يعني الأسود بن عبد يغوث عن مجاهد «هماز» أي وقاع في الناس مغتاب عن ابن عباس «مشاء بنميم» أي قتات يسعى بالنميمة و يفسد بين الناس و يضرب بعضهم على بعض «مناع للخير» أي بخيل بالمال و قيل مناع عشيرته عن الإسلام بأن يقول من دخل دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا عن ابن عباس «معتد» أي مجاوز عن الحق غشوم ظلوم عن قتادة «أثيم» أي آثم فاجر فاعل ما يأثم به و قيل معتد في فعله أثيم في معتقده و قيل معتد في ظلم غيره أثيم في ظلم نفسه «عتل بعد ذلك» أي هو عتل مع كونه مناعا للخير معتديا أثيما و هو الفاحش السيىء الخلق روي ذلك في خبر مرفوع و قيل هو القوي في كفره عن عكرمة و قيل الجافي الشديد الخصومة بالباطل

عن الكلبي و قيل الأكول المنوع عن الخليل و قيل هو الذي يعتل الناس فيجرهم إلى حبس أو عذاب و منه قول الشاعر:

{فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه --- ببطن الشري مثلب الفنيق المسدم}

«زنيم» أي دعي ملصق إلى قوم ليس منهم في النسب قال الشاعر:

{زنيم تداعاه الرجال تداعيا --- كما زيد في عرض الأديم الأكارع}

و قيل هو الذي له علامة في الشر و هو معروف بذلك فإذا ذكر بالشر سبق القلب إليه كما أن العنز يعرف بين الأغنام بالزنمة في عنقه عن الشعبي و قيل هو الهجين المعروف بالشر عن سعيد بن جبير و قيل هو الذي لا أصل له عن علي (عليه السلام) و قيل هو المعروف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها عن عكرمة و روي أنه سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن العتل الزنيم فقال هو الشديد الخلق الشحيح الأكول الشروب الواجد للطعام و الشراب الظلوم للناس الرحيب الجوف و عن شداد ابن أوس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدخل الجنة جواظ و لا جعظري و لا عتل زنيم قلت فما الجواظ قال كل جماع مناع قلت فما الجعظري قال الفظ الغليظ قلت فما العتل الزنيم قال كل رحيب الجوف سيء الخلق أكول شروب غشوم ظلوم زنيم قال ابن قتيبة لا نعلم أن الله وصف أحدا و بلغ من ذكر عيوبه ما بلغ من ذكر عيوب الوليد بن المغيرة لأنه وصف بالحلف و المهانة و العيب للناس و المشي بالنمائم و البخل و الظلم و الإثم و الجفاء و الدعوة فالحق به عارا لا يفارقه في الدنيا و الآخرة «أن كان ذا مال و بنين» أي لا تطعه لأن كان ذا مال و بنين يعني لماله و بنيه عن الزجاج و الفراء و من قرأ بالاستفهام فلا بد أن يكون صلة ما بعده لأن الاستفهام لا يتقدم عليه ما كان في حيزه فيكون المعنى أ لأن كان ذا مال و بنين يجحد آياتنا أي جعل مجازاة النعم التي خولها من البنين و المال الكفر بآياتنا و هو قوله «إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين» أي أحاديث الأوائل التي سطرت و كتبت لا أصل لها ثم أوعده سبحانه فقال «سنسمه على الخرطوم» أي سنسمه يوم القيامة بسمة تشوه خلقته فيعرف من

رآه أنه من أهل النار و إنما خص الأنف لأن الإنسان يعرف بوجهه و الأنف وسط الوجه و هذا على عادة العرب فإنهم يقولون شمخ فلان بأنفه و أرغم الله أنفه و حمي فلان أنفه و قيل معناه سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم و جائز أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخص من التشويه بما يتبين به من غيره كما كانت عداوته للرسول عداوة يتبين بها من غيره عن الزجاج و قال الفراء الخرطوم قد خص بالسمة لأنه في مذهب الوجه فإن بعض الوجه يؤدي عن الكل و قيل إن المعنى سنخطمه بالسيف في القتال حتى يبقى أثره ففعل ذلك يوم بدر عن ابن عباس و قيل سنعلمه بشين يبقى على الأبد عن قتادة و قال القتيبي العرب تقول قد وسمه ميسم سوء يريدون ألصق به عارا لا يفارقه لأن السمة لا تنمحق و لا يعفو أثرها و قد ألحق الله بمن ذكر عارا لا يفارقه بما وسمه به من العيوب التي هي كالوسم في الوجه و قيل إن الخرطوم الخمر فالمعنى سنسمه على شرب الخمر قال الشاعر:

{أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه --- و من يشرب الخرطوم يصبح مسكرا}