۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الملك، آية ٨

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦ إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨ قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩ وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠ فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لِلّذِينَ كَفَرُوا بِرَبهِمْ عَذَاب جَهَنّمَ وَ بِئْس الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سمِعُوا لهََا شهِيقاً وَ هِىَ تَفُورُ (7) تَكادُ تَمَيزُ مِنَ الْغَيْظِ كلّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سأَلهَُمْ خَزَنَتهَا أَ لَمْ يَأْتِكمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذّبْنَا وَ قُلْنَا مَا نَزّلَ اللّهُ مِن شىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلا فى ضلَلٍ كَبِيرٍ (9) وَ قَالُوا لَوْ كُنّا نَسمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنّا فى أَصحَبِ السعِيرِ (10) فَاعْترَفُوا بِذَنبهِمْ فَسحْقاً لأَصحَبِ السعِيرِ (11)

القراءة

قرأ أبو جعفر و الكسائي فسحقا بضمتين و الباقون بالتخفيف.

الحجة

سحق و سحق مثل عنق و عنق و طنب و طنب و نحو ذلك و كلاهما حسن.

اللغة

الشهيق صوت تقطيع النفس كالنزع و إذا اشتد لهيب النار سمع منها ذلك الصوت كأنها تطلب الوقود قال رؤبة:

{حشرج في الجوف سحيلا أو شهق --- حتى يقال ناهق و ما نهق}

و قيل إن الشهيق في الصدر و الزفير في الحلق و الفور ارتفاع الشيء بالغليان يقال فارت القدر تفور و منه الفوارة لارتفاعها بالماء ارتفاع الغليان و منه فار الدم من الجرح و فار الماء من الأرض و السحق البعد يقال أسحقهم الله إسحاقا و سحقا أي ألزمهم الله سحقا عن الخير فجاء المصدر على غير لفظه كما قال و الله أنبتكم من الأرض نباتا و تقديره فأسحقهم إسحاقا و أما سحقته سحقا فمعناه باعدته بالتفريق عن حال اجتماعه حتى صار كالغبار.

المعنى

لما تقدم وعيد الشياطين الذين دعوا إلى الكفر و الضلال أتبعه سبحانه بذكر الكفار الضلال فقال «و للذين كفروا بربهم عذاب جهنم و بئس المصير» أي بئس المال و المرجع و إنما وصف ببئس و هو من صفات الذم و العقاب حسن لما في ذلك من الضرر الذي يجب على كل عاقل أن يتقيه بغاية الجهد و لا يجوز قياسا على ذلك أن يوصف به فاعل العقاب لأنه لا يقال بئس الرجل إلا على وجه الذم و وجه الحكمة في فعل العقاب ما فيه من الزجر المتقدم للمكلف و لا يمكن أن يكون مزجورا إلا به و لولاه لكان مغرى بالقبيح «إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا» أي إذا طرح الكفار في النار سمعوا للنار صوتا فظيعا مثل صوت القدر عند فورانها و غليانها فيعظم بسماع ذلك عذابهم لما يرد على قلوبهم من قوله «و هي تفور» أي تغلي بهم كغلي المرجل «تكاد تميز» أي تتقطع و تتفرق «من الغيظ» أي شدة الغضب سمى سبحانه شدة التهاب النار غيظا على الكفار لأن المغتاظ هو المتقطع مما يجد من الألم الباعث على الإيقاع بغيره فحال جهنم كحال المتغيظ «كلما ألقي فيها» أي كلما طرح في النار «فوج» من الكفار «سألهم خزنتها أ لم يأتكم نذير» أي تقول لهم الملائكة الموكلون بالنار على وجه التبكيت لهم في صيغة الاستفهام أ لم يجئكم مخوف من جهة الله سبحانه يخوفكم عذاب هذه النار «قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا و قلنا ما نزل الله من شيء» أي فيقولون في جوابهم بلى قد جاءنا مخوف فلم نصدقه و كذبناه و لم نقبل منه بل قلنا له ما نزل الله شيئا مما تدعونا إليه و تحذرنا منه فتقول لهم الملائكة «إن أنتم إلا في ضلال كبير» أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم و قيل معناه قلنا للرسل ما أنتم إلا في ضلال أي ذهاب عن الصواب كبير في قولكم أنزل الله علينا كتابا «و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل» من النذر ما جاءونا به و دعونا إليه و عملنا بذلك «ما كنا في

أصحاب السعير» و قال الزجاج لو كنا نسمع سمع من يعي و يفكر و نعقل عقل من يميز و ينظر ما كنا من أهل النار و في الحديث عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن الرجل ليكون من أهل الجهاد و من أهل الصلاة و الصيام و ممن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و ما يجزي يوم القيامة إلا على قدر عقله و عن أنس بن مالك قال أثنى قوم على رجل عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف عقل الرجل قالوا يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة و أصناف الخير و تسألنا عن عقله فقال إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر و إنما يرتفع العباد غدا في الدرجات و ينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم ثم قال سبحانه «فاعترفوا بذنبهم» في ذلك الوقت الذي لا ينفعهم فيه الإقرار و الاعتراف و الإقرار مشتق من قر الشيء يقر قرارا إذا ثبت و الاعتراف مأخوذ من المعرفة و الذنب مصدر لا يثنى و لا يجمع و متى جمع فلاختلاف جنسه «فسحقا لأصحاب السعير» هذا دعاء عليهم أي أسحقهم الله و أبعدهم من النجاة سحقا و إذا قيل ما وجه اعترافهم بالذنب مع ما عليهم من الفضيحة به فالجواب أنهم قد علموا حصولهم على الفضيحة اعترفوا أم لم يعترفوا فليس يدعوهم إلى أحد الأمرين إلا مثل ما يدعوهم إلى الآخر في أنه لا فرج فيه فاستوى الأمران عليهم الاعتراف و ترك الاعتراف و الجزع و ترك الجزع.