۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة التحريم، آية ٣

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١ قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢ وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤ عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يَأَيهَا النّبىّ لِمَ تحَرِّمُ مَا أَحَلّ اللّهُ لَك تَبْتَغِى مَرْضات أَزْوَجِك وَ اللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَض اللّهُ لَكمْ تحِلّةَ أَيْمَنِكُمْ وَ اللّهُ مَوْلَاشْ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الحَْكِيمُ (2) وَ إِذْ أَسرّ النّبىّ إِلى بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِيثاً فَلَمّا نَبّأَت بِهِ وَ أَظهَرَهُ اللّهُ عَلَيْهِ عَرّف بَعْضهُ وَ أَعْرَض عَن بَعْضٍ فَلَمّا نَبّأَهَا بِهِ قَالَت مَنْ أَنبَأَك هَذَا قَالَ نَبّأَنىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِن تَتُوبَا إِلى اللّهِ فَقَدْ صغَت قُلُوبُكُمَا وَ إِن تَظهَرَا عَلَيْهِ فَإِنّ اللّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَ جِبرِيلُ وَ صلِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلَئكةُ بَعْدَ ذَلِك ظهِيرٌ (4) عَسى رَبّهُ إِن طلّقَكُنّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَجاً خَيراً مِّنكُنّ مُسلِمَتٍ مّؤْمِنَتٍ قَنِتَتٍ تَئبَتٍ عَبِدَتٍ سئحَتٍ ثَيِّبَتٍ وَ أَبْكاراً (5)

القراءة

قرأ الكسائي وحده عرف بالتخفيف و الباقون «عرف» بالتشديد و اختار التخفيف أبو بكر بن عياش و هو من الحروف العشر التي قال إني أدخلتها في قراءة عاصم من قراءة علي بن أبي طالب (عليه السلام) حتى استخلصت قراءته يعني قراءة علي (عليه السلام) و هي قراءة الحسن و أبي عبد الرحمن السلمي و كان أبو عبد الرحمن إذا قرأ إنسان بالتشديد حصبه و قرأ أهل الكوفة «تظاهرا عليه» خفيفة الظاء و الباقون تظاهرا بالتشديد.

الحجة

قال أبو علي التخفيف في عرف أنه جازى عليه لا يكون إلا كذلك و لا يجوز أن يكون بمعنى العلم لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أظهره الله على ما كان أسره إليه علم ذلك و لم يجز أن يعلم من ذلك بعضه مع إظهار الله إياه عليه و لكن يعلم جميعه و هذا كما تقول لمن يسيء أو يحسن أنا أعرف لأهل الإساءة أي لا يخفى علي ذلك و لا مقابلته مما يكون وفقا له فالمعنى جازى على بعض ذلك و أعرض عن بعض و مثله و ما تفعلوا من خير يعلمه الله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره أي يرى جزاءه و قوله يرى من رؤية العين و كان مما جازى عليه: تطليقه حفصة تطليقة واحدة و أما «عرف» بالتشديد فمعناه عرف بعضه و أعرض عن بعض فلم يعرفه إياه على وجه التكرم و الإغضاء و أما تظاهرا فالأصل فيه و أن تتظاهرا بتائين فخفف في القراءة الأولى بالحذف و في القراءة الآخرة بالإدغام.

اللغة

الحرام القبيح الممنوع منه بالنهي و نقيضه الحلال و هو الحسن المطلق بالإذن فيه و التحريم تبيين أن الشيء حرام لا يجوز و التحريم إيجاب المنع و الابتغاء الطلب و منه البغي طلب الاستعلاء بغير الحق و التحلة و التحليل بمعنى و هما مصدران لقولهم حللت له كذا و تحلة اليمين فعل ما يسقط التبعة فيه و اليمين واحد الأيمان و هو الحلف و كأنه مأخوذ من القوة لأنه يقوي كلامه بالحلف و قيل إنه مأخوذ من الجارحة لأن عادتهم كانت عند الحلف ضرب الأيدي على الأيدي و الإسرار إلقاء المعنى إلى نفس المحدث على وجه الإخفاء عن غيره و التظاهر التعاون و الظهير المعين و أصله من الظهر و السائح الجاري و العرب تصف

بذلك الماء الجاري الدائم الجرية ثم تصف به الرجل الذي يضرب في الأرض و يقطع البلاد فتقول سائح و الثيب الراجعة من عند الزوج بعد الافتضاض من ثاب يثوب إذا رجع و البكر هي التي على أول حالها قبل الافتضاض.

الإعراب

قيل في جمع القلوب في قوله «صغت قلوبكما» وجوه ( أحدها ) أن التثنية جمع في المعنى فوضع الجمع موضع التثنية كما قال «و كنا لحكمهم شاهدين» و إنما هو داود و سليمان ( و الثاني ) أن أكثر ما في الإنسان اثنان اثنان نحو اليدين و الرجلين و العينين و إذا جمع اثنان إلى اثنين صار جمعا فيقال أيديهما و أعينهما ثم حمل ما كان في الإنسان واحدا على ذلك لئلا يختلف حكم لفظ أعضاء الإنسان ( و الثالث ) أن المضاف إليه مثنى فكرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين فصرفوا الأول منهما إلى لفظ الجمع لأن لفظ الجمع أخف لأنه أشبه بالواحد فإنه يعرب بإعراب الواحد و يستأنف كما يستأنف الواحد و ليست التثنية كذلك لأنها لا تكون إلا على حد واحد و لا يختلف و من العرب من يثني فيقول قلباهما قال الراجز فجمع بين اللغتين

ظهراهما مثل ظهور الترسين و قال الفرزدق:

{بما في فؤادينا من البث و الهوى --- فيبرىء منهاض الفؤاد المشغف}

و من العرب من يفرد و يروى أن بعضهم قرأ فبدت لهما سوأتهما و الوجه في الإفراد أن الإضافة إلى التثنية تغني عن تثنية المضاف و في جبريل أربع لغات جبريل على وزن قنديل و جبرئيل على وزن عندليب و جبرئل على وزن جحمرش و جبريل بفتح الجيم و كسر الراء من غير همز و هو خارج عن أوزان العرب لأنه ليس في العربية مثل قنديل و قد قرىء بذلك كله و قد ذكرنا اختلاف القراءة فيه في سورة البقرة و من العرب من يقول جبرال بتشديد اللام و منهم من يبدل من اللام نونا و قوله «هو مولاه» يجوز في هو وجهان ( أحدهما ) أن يكون فصلا دخل ليفصل بين النعت و الخبر و الكوفيون يسمونه عمادا ( و الثاني ) أن يكون مبتدأ و مولاه الخبر و الجملة خبر إن و من جعل مولاه بمعنى السيد و الخالق كان الوقف على قوله «مولاه» و جبريل مبتدأ «و صالح المؤمنين» عطف عليه و الملائكة عطف أيضا و ظهير خبره و جاز ذلك لأن

فعيلا يقع على الواحد و الجمع كفعول قال سبحانه خلصوا نجيا فظهير كنجي و قال فإنهم عدو لي و من جعل مولاه بمعنى ولي و ناصر جاز أن يكون الوقف على قوله «و جبريل» و على «صالح المؤمنين» و يبتدىء و الملائكة بعد ذلك فيكون ظهير عائدا إلى الملائكة.

النزول

اختلف أقوال المفسرين في سبب نزول الآيات فقيل إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا صلى الغداة يدخل على أزواجه امرأة امرأة و كان قد أهديت لحفصة بنت عمر بن الخطاب عكة من عسل فكانت إذا دخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حبسته و سقته منها و إن عائشة أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية حبشية عندها إذا دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على حفصة فادخلي عليها فانظري ما ذا تصنع فأخبرتها الخبر و شأن العسل فغارت عائشة و أرسلت إلى صواحبها فأخبرتهن و قالت إذا دخل عليكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكره و يشق عليه أن يوجد منه ريح غير طيبة لأنه يأتيه الملك قال فدخل رسول الله على سودة قالت فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم إني فرقت من عائشة فقلت يا رسول الله ما هذه الريح التي أجدها منك أكلت المغافير فقال لا و لكن حفصة سقتني عسلا ثم دخل على امرأة امرأة و هن يقلن له ذلك فدخل على عائشة فأخذت بأنفها فقال لها ما شأنك قالت أجد ريح المعافير أكلتها يا رسول الله قال لا بل سقتني حفصة عسلا فقالت جرست إذا نحلها العرفط فقال و الله لا أطعمه أبدا فحرمه على نفسه و قيل إن التي كانت تسقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العسل أم سلمة عن عطاء بن أبي مسلم و قيل بل كانت زينب بنت جحش قال عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمكث عند زينب بنت جحش و يشرب عندها عسلا فتواطات أنا و حفصة أيتنا دخل عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلتقل إني أجد منك ريح المغافير أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك فقال لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش و لن أعود إليه فنزلت الآيات و قيل إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قسم الأيام بين نسائه فلما كان يوم حفصة قالت يا رسول الله إن لي إلى أبي حاجة فأذن لي أن أزوره فأذن لها فلما خرجت أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جاريته مارية القبطية و كان قد أهداها له المقوقس فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و وجهه يقطر عرقا فقالت حفصة إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي و على فراشي أما ما رأيت لي حرمة و حقا فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أ ليس هي جاريتي قد أحل الله ذلك لي اسكتي فهو حرام علي ألتمس بذلك رضاك

فلا تخبري بهذا امرأة منهن و هو عندك أمانة فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرعت حفصة الجدار الذي بينها و بين عائشة فقالت أ لا أبشرك أن رسول الله قد حرم عليه أمته مارية و قد أراحنا الله منها و أخبرت عائشة بما رأت و كانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواجه فنزلت «يا أيها النبي لم تحرم» فطلق حفصة و اعتزل سائر نسائه تسعة و عشرين يوما و قعد في مشربة أم إبراهيم مارية حتى نزلت آية التخيير عن قتادة و الشعبي و مسروق و قيل إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلا في يوم لعائشة مع جاريته أم إبراهيم مارية القبطية فوقفت حفصة على ذلك فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تعلمي عائشة ذلك و حرم مارية على نفسه فأعلمت حفصة عائشة الخبر و استكتمتها إياه فأطلع الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك و هو قوله «و إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا» يعني حفصة عن الزجاج قال و لما حرم مارية القبطية أخبر حفصة أنه يملك من بعده أبو بكر ثم عمر فعرفها بعض ما أفشت من الخبر و أعرض عن بعض أن أبا بكر و عمر يملكان بعدي و قريب من ذلك ما رواه العياشي بالإسناد عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي جعفر (عليه السلام) إلا أنه زاد في ذلك أن كل واحدة منهما حدثت أباها بذلك فعاتبهما رسول الله في أمر مارية و ما أفشتا عليه من ذلك و أعرض عن أن يعاتبهما في الأمر الآخر.

###

المعنى

«يا أيها النبي» ناداه سبحانه بهذا النداء تشريفا له و تعليما لعباده كيف يخاطبونه في أثناء محاوراتهم و يذكرونه في خلال كلامهم «لم تحرم ما أحل الله لك» من الملاذ «تبتغي مرضات أزواجك» أي تطلب به رضاء نسائك و هن أحق بطلب مرضاتك منك و ليس في هذا دلالة على وقوع ذنب منه صغيرا أو كبيرا لأن تحريم الرجل بعض نسائه أو بعض الملاذ لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح و لا داخلا في جملة الذنوب و لا يمتنع أن يكون خرج هذا القول مخرج التوجع له (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بالغ في إرضاء أزواجه و تحمل في ذلك المشقة و لو أن إنسانا أرضى بعض نسائه بتطليق بعضهن لجاز أن يقال له لم فعلت ذلك و تحملت فيه المشقة و إن كان لم يفعل قبيحا و لو قلنا إنه عوتب على ذلك لأن ترك التحريم كان أفضل من فعله لم يمتنع لأنه يحسن أن يقال لتارك النفل لم لم تفعله و لم عدلت عنه و لأن تطييب قلوب النساء مما لا تنكره العقول و قد حكي أن عبد الله بن رواحة و كان من النقباء كانت له جارية فاتهمته زوجته ليلة فقال قولا بالتعريض فقالت إن كنت لم تقربها فاقرأ القرآن قال فأنشدت

{شهدت فلم أكذب بأن محمدا --- رسول الذي فوق السماوات من عل} {و أن أبا يحيى و يحيى كلاهما --- له عمل في دينه متقبل} {و أن التي بالجزع من بطن نخلة --- و من دانها فل عن الخير معزل}

فقالت زدني فأنشدت:

{و فينا رسول الله نتلو كتابه --- كما لاح معروف مع الصبح ساطع} {أتى بالهدى بعد العمى فنفوسنا --- به موقنات أن ما قال واقع} {يبيت يجافي جنبه عن فراشه --- إذا رقدت بالكافرين المضاجع}

فقالت زدني فأنشدت:

{شهدت بأن وعد الله حق --- و أن النار مثوى الكافرينا} {و أن محمدا يدعو بحق --- و أن الله مولى المؤمنينا}

فقالت أما إذا قرأت القرآن فقد صدقتك فأخبرت به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال بعد أن تبسم خيركم خيركم لنسائه و اختلف العلماء فيمن قال لامرأته أنت علي حرام فقال مالك هو ثلاث تطليقات و قال أبو حنيفة إن نوى به الظهار فهو ظهار و إن نوى الإيلاء فهو إيلاء و إن نوى الطلاق فهو طلاق بائن و إن نوى ثلاثا كان ثلاثا و إن نوى اثنتين فواحدة بائنة و إن لم يكن له نية فهو يمين قال الشافعي إن نوى الطلاق كان طلاقا و الظهار كان ظهارا و إن لم يكن له نية فهو يمين و روي عن ابن مسعود و ابن عباس و عطاء أنه يمين و قال أصحابنا أنه لا يلزم به شيء و وجوده كعدمه و هو قول مسروق و إنما أوجب الله فيه الكفارة لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان حلف أن لا يقرب جاريته و لا يشرب الشراب المذكور فأوجب الله عليه أن يكفر عن يمينه و يعود إلى استباحة ما كان حرمه و بين أن التحريم لا يحصل إلا بأمر الله و نهيه و لا يصير الشيء حراما بتحريم من يحرمه على نفسه إلا إذا حلف على تركه «و الله غفور» لعباده «رحيم» بهم إذا رجعوا إلى ما هو الأولى و الأليق بالتقوى يرجع لهم إلى التولي «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم» أي قد قدر الله تعالى لكم ما تحللون به أيمانكم إذا فعلتموها و شرع لكم الحنث فيها لأن اليمين ينحل بالحنث فسمي ذلك تحلة و قيل معناه قد بين الله لكم كفارة أيمانكم في سورة المائدة عن مقاتل قال أمر الله نبيه أن يكفر يمينه و يراجع وليدته فأعتق رقبة و عاد إلى

مارية و قيل معناه فرض الله عليكم كفارة أيمانكم كما قال و إن أسأتم فلها أي فعليها فسمى الكفارة تحلة لأنها تجب عند انحلال اليمين و في هذا دلالة على أنه قد حلف و لم يقتصر على قوله هي علي حرام لأن هذا القول ليس بيمين «و الله» هو «موليكم» أي وليكم يحفظكم و ينصركم و هو أولى بكم و أولى بأن تبتغوا رضاه «و هو العليم» بمصالحكم «الحكيم» في أوامره و نواهيه لكم و قيل هو العليم بما قالت حفصة لعائشة الحكيم في تدبيره «و إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه» و هي حفصة «حديثا» أي كلاما أمرها بإخفائه فالإسرار نقيض الإعلان «فلما نبأت» أي أخبرت غيرها بما خبرها «به» فأفشت سره «و أظهره الله عليه» أي و أطلع الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما جرى من إفشاء سره «عرف بعضه و أعرض عن بعض» أي عرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حفصة بعض ما ذكرت و أخبرها ببعض ما ذكرت و أعرض عن بعض ما ذكرت و عن بعض ما جرى من الأمر فلم يخبرها و كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد علم جميع ذلك لأن الإعراض إنما يكون بعد المعرفة لكنه أخذ بمكارم الأخلاق و التغافل من خلق الكرام قال الحسن ما استقصى كريم قط و أما عرف بالتخفيف فمعناه غضب عليها و جازاها بأن طلقها تطليقة ثم راجعها بأمر الله و قيل جازاها بأن هم بطلاقها «فلما نبأها به» أي فلما أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حفصة بما أظهره الله عليه «قالت» حفصة «من أنبأك هذا» أي من أخبرك بهذا «قال» رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «نبأني العليم» بجميع الأمور «الخبير» بسرائر الصدور ثم خاطب سبحانه عائشة و حفصة فقال «إن تتوبا إلى الله» من التعاون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإيذاء و التظاهر عليه فقد حق عليكما التوبة و وجب عليكم الرجوع إلى الحق «فقد صغت» أي مالت «قلوبكما» إلى الإثم عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه ضاقت قلوبكما عن سبيل الاستقامة و عدلت عن الثواب إلى ما يوجب الإثم و قيل تقديره إن تتوبا إلى الله يقبل توبتكما و قيل إنه شرط في معنى الأمر أي توبا إلى الله فقد صغت قلوبكما «و إن تظاهرا عليه» أي و إن تتعاونا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإيذاء عن ابن عباس قال قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عائشة و حفصة أورده البخاري في الصحيح «فإن الله هو مولاه» الذي يتولى حفظه و حياطته و نصرته «و جبريل» أيضا معين له و ناصر يحفظه «و صالح المؤمنين» يعني خيار المؤمنين عن الضحاك و قيل يعني الأنبياء عن قتادة و قال الزجاج صالح هنا ينوب عن الجميع كما تقول يفعل هذا الخير من الناس تريد كل خير قال أبو مسلم هو صالحوا المؤمنين على الجمع و سقطت الواو في المصحف لسقوطها في اللفظ و وردت الرواية من طريق الخاص و العام أن المراد بصالح المؤمنين أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و هو قول مجاهد و في كتاب شواهد التنزيل بالإسناد عن

سدير الصيرفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لقد عرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) أصحابه مرتين أما مرة فحيث قال من كنت مولاه فعلي مولاه و أما الثانية فحيث نزلت هذه الآية «فإن الله هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين» الآية أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد علي (عليه السلام) فقال أيها الناس هذا صالح المؤمنين و قالت أسماء بنت عميس سمعت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول «و صالح المؤمنين» علي بن أبي طالب (عليه السلام) «و الملائكة بعد ذلك» أي بعد الله و جبريل و صالح المؤمنين عن مقاتل «ظهير» أي أعوان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هذا من الواحد الذي يؤدي معنى الجمع كقوله «و حسن أولئك رفيقا» «عسى ربه» أي واجب من الله ربه «إن طلقكن» يا معشر أزواج النبي «أن يبدله أزواجا خيرا منكن» أي أصلح له منكن ثم نعت تلك الأزواج اللائي كان يبدله بهن لو طلق نساءه فقال «مسلمات» أي مستسلمات لما أمر الله به «مؤمنات» أي مصدقات لله و رسوله مستحقات للثواب و التعظيم و قيل مصدقات في أفعالهن و أقوالهن «قانتات» أي مطيعات لله تعالى و لأزواجهن و قيل خاضعات متذللات لأمر الله تعالى و قيل ساكتات عن الخنا و الفضول عن قتادة «تائبات» عن الذنوب و قيل راجعات إلى أمر الرسول تاركات لمحاب أنفسهن و قيل نادمات على تقصير وقع منهن «عابدات» لله تعالى بما تعبدهن به من الفرائض و السنن على الإخلاص و قيل متذللات للرسول بالطاعة «سائحات» أي ماضيات في طاعة الله تعالى و قيل صائمات عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل مهاجرات عن ابن زيد و أبيه زيد بن أسلم و الجبائي و إنما قيل للصائم سائح لأنه يستمر في الإمساك عن الطعام كما يستمر السائح في الأرض «ثيبات» و هن الراجعات من عند الأزواج بعد افتضاضهن «و أبكارا» أي عذارى لم يكن لهن أزواج.