۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الطلاق، آية ٦

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ ٦ لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧ وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨ فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَسكِنُوهُنّ مِنْ حَيْث سكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَ لا تُضارّوهُنّ لِتُضيِّقُوا عَلَيهِنّ وَ إِن كُنّ أُولَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيهِنّ حَتى يَضعْنَ حَمْلَهُنّ فَإِنْ أَرْضعْنَ لَكمْ فَئَاتُوهُنّ أُجُورَهُنّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكم بمَعْرُوفٍ وَ إِن تَعَاسرْتمْ فَسترْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنفِقْ ذُو سعَةٍ مِّن سعَتِهِ وَ مَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمّا ءَاتَاهُ اللّهُ لا يُكلِّف اللّهُ نَفْساً إِلا مَا ءَاتَاهَا سيَجْعَلُ اللّهُ بَعْدَ عُسرٍ يُسراً (7) وَ كَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَت عَنْ أَمْرِ رَبهَا وَ رُسلِهِ فَحَاسبْنَهَا حِساباً شدِيداً وَ عَذّبْنَهَا عَذَاباً نّكْراً (8) فَذَاقَت وَبَالَ أَمْرِهَا وَ كانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُسراً (9) أَعَدّ اللّهُ لهَُمْ عَذَاباً شدِيداً فَاتّقُوا اللّهَ يَأُولى الأَلْبَبِ الّذِينَ ءَامَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكمْ ذِكْراً (10)

القراءة

قرأ روح عن يعقوب مختلفا عنه من وجدكم بكسر الواو و القراءة بضم الواو و قرأ ابن كثير و كائن بالمد و الهمز و الباقون «و كأين» بالهمز و التشديد.

الحجة

يقال وجدت في المال جدة و وجدا و وجدا و وجدا بتعاقب الحركات الثلاث على الواو و وجدت الضالة وجدانا و وجدت من الحزن وجدا و من الغضب موجدة و وجدانا و كأين أصله أي دخلت عليها الكاف الجارة كما دخلت على ذا في كذا فموضع كأين رفع

بالابتداء كما أن كذا كذلك و لا موضع للكاف كما أن الكاف في كذا كذلك قال أبو علي مثقل هذا في أنه دخل على المبتدأ حرف الجر فصار مع المجرور في موضع رفع قولهم بحسبك أن تفعل كذا يريدون حسبك فعل كذا فالجار مع المجرور في موضع رفع و أنشد أبو زيد:

{بحسبك في القوم أن يعلموا --- بأنك فيهم غني مضر}

و أكثر العرب تستعملها مع من و كذلك ما جاء في التنزيل و مما جاء منه في الشعر قوله:

{و كائن بالأباطح من صديق --- يراني إن أصبت هو المصابا}

و قول الآخر:

{و كائن إليكم قاد من رأس فتنة --- جنودا و أمثال الجبال كتائبه}

المعنى

ثم بين سبحانه حال المطلقة في النفقة و السكنى فقال «أسكنوهن» أي في بيوتكم «من حيث سكنتم» من المساكن «من وجدكم» أي من ملككم و ما تقدرون عليه عن السدي و أبي مسلم و قيل هو من الوجدان أي مما تجدونه من المساكن عن الحسن و الجبائي و قيل من سعتكم و طاقتكم من الوجد الذي هو المقدرة قال الفراء يعول على ما يجد فإن كان موسعا وسع عليها في المسكن و النفقة و إن كان فقيرا فعلى قدر ذلك و يجب السكنى و النفقة للمطلقة الرجعية بلا خلاف فأما المبتوتة ففيها خلاف فذهب أهل العراق إلى أن لها السكنى و النفقة معا و روي ذلك عن عمر بن الخطاب و ابن مسعود و ذهب الشافعي إلى أن لها السكنى بلا نفقة و ذهب الحسن و أبو ثور إلى أنه لا سكنى لها و لا نفقة و هو المروي عن أئمة الهدى (عليهم السلام) و ذهب إليه أصحابنا و يدل عليه ما رواه الشعبي قال دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة فسألتها عن قضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت طلقني زوجي البتة فخاصمته إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في السكنى و النفقة فلم يجعل لي سكنى و لا نفقة و أمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم و روى الزهري عن عبد الله أن فاطمة بنت قيس كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي و أنه خرج مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى اليمن حين أمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

على اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها فأمر عياش ابن أبي ربيعة و الحرث بن هشام أن ينفقا عليها فقالا و الله ما لك من نفقة فأتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت له قولهما فلم يجعل لها نفقة إلا أن تكون حاملا فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت إني أنتقل يا رسول الله قال عند ابن أم مكتوم و كان أعمى تضع ثيابها عنده و لا يراها فلم تزل هناك حتى مضت عدتها فأنكحها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أسامة بن زيد قال فأرسل إليها مروان بن الحكم قبيصة بن ذؤيب فسألها عن هذا الحديث ثم قال مروان لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة و سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان بيني و بينكم القرآن قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن إلى قوله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا قالت هذا لمن كانت له مراجعة و أي أمر يحدث بعد الثلاث ثم قال سبحانه «و لا تضاروهن لتضيقوا عليهن» أي لا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير في السكنى و النفقة و الكسوة طالبين بالإضرار التضييق عليهن ليخرجن و قيل المعنى أعطوهن من المسكن ما يكفيهن لجلوسهن و مبيتهن و طهارتهن و لا تضايقوهن حتى يتعذر عليهن السكنى عن أبي مسلم «و إن كن أولات حمل» أي كن حوامل «فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن»، لأن عدتهن إنما تنقضي بوضع حملهن أمر الله سبحانه بالإنفاق على المطلقة الحامل سواء كانت رجعية أو مبتوتة «فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن» أي فإن أرضعن الولد لأجلكم بعد البينونة فأعطوهن أجر الرضاع يعني أجرة المثل «و أتمروا بينكم بمعروف» هذا خطاب للرجل و المرأة و الائتمار قبول الأمر و ملاقاته بالتقبل أمر الله تعالى المرضعة و المرضع له بالتلقي لأمره عز و جل و لأمر صاحبه إذا كان حسنا و قيل معناه و ليأمر بعضكم بعضا بالجميل في إرضاع الوالد أي بتراضي الوالد و الوالدة بعد وقوع الفرقة في الأجرة على الأب و إرضاع الولد بحيث لا يضر بمال الوالد و لا بنفس الولد و لا يزاد على الأجر المتعارف و لا ينقص الولد عن الرضاع المعتاد قال الكسائي أصله التشاور و منه يأتمرون بك أي يتشاورون و الأقوى عندي أن يكون المعنى دبروا بالمعروف بينكم في أمر الولد و مراعاة أمه حتى لا يفوت الولد شفقتها و غير ذلك و يدل عليه قول امرىء القيس:

{أ حار بن عمرو كأني خمر --- و يعدو على المرء ما يأتمر}

يعني ما يدبره في نفسه لأن الرجل بما دبر أمرا ليس برشد فيعدو عليه و يهلكه «و إن تعاسرتم فسترضع له أخرى» و المعنى فإن اختلفتم في الرضاع و في الأجر فسترضع له امرأة

أخرى أجنبية أي فليسترضع الوالد غير والدة الصبي ثم قال سبحانه «لينفق ذو سعة من سعته» أمر سبحانه أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهم «و من قدر عليه» أي ضيق عليه «رزقه فلينفق مما آتاه الله» و المعنى و من كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على قدر ذلك و على حسب إمكانه و طاقته «لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها» أي إلا بقدر ما أعطاها من الطاقة و في هذا دلالة على أنه سبحانه لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه و ما لا يطيقه «سيجعل الله بعد عسر يسرا» أي بعد ضيق سعة و بعد فقر غنى و بعد صعوبة الأمر سهولة و في هذا تسلية للصحابة فإن الغالب على أكثرهم في ذلك الوقت الفقر ثم فتح الله تعالى عليهم البلاد فيما بعد «و كأين من قرية عتت عن أمر ربها و رسله» أي و كم من أهل قرية عتوا على الله و على أنبيائه يعني جاوزوا الحد في العصيان و المخالفة «فحاسبناها حسابا شديدا» بالمناقشة و الاستقصاء باستيفاء الحق و إيفائه قال مقاتل حاسبها الله تعالى بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب و هو قوله «و عذبناها عذابا نكرا» فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة و هو عذاب الاستئصال و قيل هو عذاب النار فإن اللفظ ماض بمعنى المستقبل و النكر المنكر الفظيع الذي لم ير مثله و قيل إن في الآية تقديما و تأخيرا تقديره فعذبناها في الدنيا بالجوع و القحط و السيف و سائر المصائب و البلايا و حاسبناها في الآخرة حسابا شديدا و قيل الحساب الشديد هو الذي ليس فيه عفو «فذاقت وبال أمرها» أي ثقل عاقبة كفرها «و كان عاقبة أمرها خسرا» أي خسرانا في الدنيا و الآخرة و هو قوله «أعد الله لهم عذابا شديدا» يعني عذاب النار و هذا يدل على أن المراد بالعذاب الأول عذاب الدنيا ثم قال «فاتقوا الله يا أولي الألباب» أي يا أصحاب العقول و لا تفعلوا مثل ما فعل أولئك فينزل بكم مثل ما نزل بهم ثم وصف أولي الألباب بقوله «الذين آمنوا» و خص المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك دون الكفار ثم ابتدأ سبحانه فقال «قد أنزل الله إليكم ذكرا» يعني القرآن و قيل يعني الرسول عن الحسن و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام).

النظم

الوجه في اتصال قوله «و كأين من قرية عتت عن أمر ربها» الآية بما قبله أنه سبحانه بين أن الخوف في مقابلة الرجاء و سبيل العاقل أن يحترز من المخوف و يقدم الاحتراز عن الخوف على الرجاء و الذي يقوي جانب الخوف أنه أهلك الأمم الماضية بسبب عصيانها و تمردها عن أمر ربها.