۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الطلاق، آية ٣

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣ وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤ ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يَأَيهَا النّبىّ إِذَا طلّقْتُمُ النِّساءَ فَطلِّقُوهُنّ لِعِدّتهِنّ وَ أَحْصوا الْعِدّةَ وَ اتّقُوا اللّهَ رَبّكمْ لا تخْرِجُوهُنّ مِن بُيُوتِهِنّ وَ لا يخْرُجْنَ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَحِشةٍ مّبَيِّنَةٍ وَ تِلْك حُدُودُ اللّهِ وَ مَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظلَمَ نَفْسهُ لا تَدْرِى لَعَلّ اللّهَ يحْدِث بَعْدَ ذَلِك أَمْراً (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَأَمْسِكُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكمْ وَ أَقِيمُوا الشهَدَةَ للّهِ ذَلِكمْ يُوعَظ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ مَن يَتّقِ اللّهَ يجْعَل لّهُ مخْرَجاً (2) وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْث لا يحْتَسِب وَ مَن يَتَوَكلْ عَلى اللّهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنّ اللّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّهُ لِكلِّ شىْءٍ قَدْراً (3) وَ الّئِى يَئسنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسائكمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدّتهُنّ ثَلَثَةُ أَشهُرٍ وَ الّئِى لَمْ يحِضنَ وَ أُولَت الأَحْمَالِ أَجَلُهُنّ أَن يَضعْنَ حَمْلَهُنّ وَ مَن يَتّقِ اللّهَ يجْعَل لّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسراً (4) ذَلِك أَمْرُ اللّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكمْ وَ مَن يَتّقِ اللّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سيِّئَاتِهِ وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)

القراءة

قرأ حفص عن عاصم «بالغ» بغير تنوين «أمره» بالجر على الإضافة و الباقون بالغ بالتنوين أمره بالنصب و في الشواذ قراءة داود بن أبي هند أن الله بالغ بالتنوين أمره بالرفع و روي عن ابن عباس و أبي بن كعب و جابر بن عبد الله و علي بن الحسين (عليهما السلام) و زيد بن علي و جعفر بن محمد و مجاهد فطلقوهن في قبل عدتهن.

الحجة

قال أبو علي قوله بالغ أمره على سيبلغ أمره فيما يريده فيكم فهذا هو الأصل

و هو حكاية حال و من أضاف حذف التنوين استخفافا و المعنى معنى ثبات التنوين مثل عارض ممطرنا و أما قوله في قبل عدتهن فإنه تفسير للقراءة المشهورة «فطلقوهن لعدتهن» أي عند عدتهن و مثله قوله «لا يجليها لوقتها» أي عند وقتها و من قرأ بالغ أمره فالمعنى أمره بالغ ما يريده الله به و قد بلغ أمر الله ما أراده فالمفعول على ما رأيت محذوف.

الإعراب

«و اللائي لم يحضن» مبتدأ خبره محذوف لدلالة الكلام عليه فإذا جاز حذف الجملة بأسرها جاز حذف بعضها و قد جاء أيضا في الصفة و إن قل نحو قوله «و أوتيت من كل شيء» تقديره من كل شيء تؤتاه.

المعنى

نادى سبحانه نبيه فقال «يا أيها النبي» ثم خاطب أمته فقال «إذا طلقتم النساء» لأنه السيد المقدم فإذا نودي و خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب عن الحسن و غيره و قيل إن تقديره يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء عن الجبائي فعلى هذا يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خارجا عن الحكم و على القول الأول حكمه حكم أمته في أمر الطلاق و على هذا انعقد الإجماع و المعنى إذا أردتم طلاق النساء مثل قوله سبحانه إذا قمتم إلى الصلاة و قوله فإذا قرأت القرآن «فطلقوهن لعدتهن» أي لزمان عدتهن و ذلك أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و مجاهد و ابن سيرين و قتادة و الضحاك و السدي فهذا هو الطلاق للعدة لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها و تحصل في العدة عقيب الطلاق فالمعنى فطلقوهن لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن و لا تطلقوهن لحيضهن الذي لا يعتددن به من قرئهن فعلى هذا يكون العدة الطهر على ما ذهب إليه أصحابنا و هو مذهب الشافعي و قيل إن المعنى قبل عدتهن أي في طهر لم يجامعها فيه العدة الحيض كما يقال توضأت للصلاة و لبست السلاح للحرب و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه و قيل إن اللام للسبب فكأنه قال فطلقوهن ليعتددن و لا شبهة أن هذا الحكم للمدخول بها لأن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها و قد ورد به التنزيل في سورة الأحزاب و هو قوله فما لكم عليهن من عدة تعتدونها و ظاهر الآية يقتضي أنه إذا طلقها في الحيض أو في طهر قد جامعها فيه فلا يقع الطلاق لأن الأمر يقتضي الإيجاب و به قال سعيد بن المسيب و ذهبت إليه الشيعة الإمامية و قال باقي الفقهاء يقع الطلاق و إن كان بدعة و خلاف المأمور به و كذلك أن جمع بين التطليقات الثلاث فإنها بدعة عند أبي حنيفة و أصحابه و إن كانت واقعة و عند المحققين من أصحابنا يقع واحدة عند حصول شرائط صحة الطلاق و الطلاق في الشرع عبارة عن تخلية المرأة بحل عقدة من عقد النكاح و ذلك أن يقول أنت طالق يخاطبها أو يقول هذه طالق و يشير

###

إليها أو يقول فلانة بنت فلان طالق و لا يقع الطلاق عندنا إلا بهذا اللفظ لا بشيء من كنايات الطلاق سواء أراد بها الطلاق أو لم يرد بها و في تفصيل ذلك اختلافات بين الفقهاء ليس هاهنا موضعه و قد يحصل الفراق بغير الطلاق كالارتداد و اللعان كالخلع عند كثير من أصحابنا و إن لم يسم ذلك طلاقا و يحصل أيضا بالفسخ للنكاح بأشياء مخصوصة و بالرد بالعيب و إن لم يكن ذلك طلاقا و روى البخاري و مسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته و هي حائض تطليقة واحدة فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر و تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء و روى البخاري عن سليمان بن حرب و روى مسلم عن عبد الرحمن بن بشر عن بهر و كلاهما عن شعبة عن أنس بن سيرين قال سمعت ابن عمر يقول طلق ابن عمر امرأته و هي حائض فذكر ذلك عمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال مرة فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها إن شاء و جاءت الرواية عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال تزوجوا و لا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش و عن ثوبان رفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة و عن أبي موسى الأشعري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين و الذواقات و عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال ما حلف بالطلاق و لا استحلف به إلا منافق هذه الأحاديث الأربعة منقولة عن تفسير الثعلبي ثم قال سبحانه «و أحصوا العدة» أي عدوا الأقراء التي تعتد بها و قيل معناه عدوا أوقاف الطلاق لتطلقوا للعدة و إنما أمر الله سبحانه بإحصاء العدة لأن لها فيها حقا و هي النفقة و السكنى و للزوج فيها حقا و هي المراجعة و منعها عن الأزواج لحقه و ثبوت نسب الولد فأمره تعالى بإحصائها ليعلم وقت المراجعة و وقت فوت المراجعة و تحريمها عليه و رفع النفقة و السكنى و لكيلا تطول العدة لاستحقاق زيادة النفقة أو تقصرها لطلب الزوج و العدة هي قعود المرأة عن الزوج حتى تنقضي المدة المرتبة في الشريعة و هي على ضروب فضرب يكون بالأقراء لمن تحيض و ضرب يكون بالأشهر للصغيرة التي لم تبلغ المحيض و مثلها تحيض و هي التي بلغت تسع سنين و إذا كان سنها أقل من ذلك فلا عدة عليها عند أكثر أصحابنا و قال بعضهم عدتها بالشهور و به قال الفقهاء و كذلك الكبيرة الآيسة من المحيض و مثلها تحيض عدتها بالشهور و حده أصحابنا بأن

يكون سنها أقل من خمسين سنة و من ستين سنة للقرشيات فإن كان سنها أكثر من ذلك فلا عدة عليها عند أكثر أصحابنا و المتوفى عنها زوجها عدتها بالشهور أيضا و الضرب الثالث من العدة يكون بوضع الحمل في الجميع إلا في المتوفى عنها زوجها فإن عدتها عند أصحابنا أبعد الأجلين و في ذلك اختلاف بين الفقهاء ثم إن عدة الطلاق للحرة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر و للأمة قرءان أو شهر و نصف و وضع الحمل لا يختلف قال سبحانه «و اتقوا الله ربكم» و لا تعصوه فيما أمركم به «و لا تخرجوهن من بيوتهن و لا يخرجن» هن أيضا يعني في زمان العدة لا يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي كان يسكنها فيه قبل الطلاق و على المرأة أيضا أن لا تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت «إلا أن يأتين بفاحشة مبينة» أي ظاهرة و من قرأ بفتح الياء فالمراد بفاحشة مظهرة أظهرتها و اختلف في الفاحشة فقيل إنها الزنا فتخرج لإقامة الحد عليها عن الحسن و مجاهد و الشعبي و ابن زيد و قيل هي البذاء على أهلها فيحل لهم إخراجها عن ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و روى علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا قال الفاحشة أن تؤذي أهل زوجها و تسبهم و قيل هي النشوز فإن طلقها على نشوز فلها أن تتحول من بيت زوجها عن قتادة و قيل هي خروجها قبل انقضاء العدة عن ابن عمر و في رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال إن كل معصية لله تعالى ظاهرة فهي فاحشة «و تلك حدود الله» يعني ما ذكره سبحانه من أحكام الطلاق و شروطه «و من يتعد حدود الله» بأن يطلق على غير ما أمر الله تعالى به «فقد ظلم نفسه» أي أثم فيما بينه و بين الله عز و جل و خرج عن الطاعة إلى المعصية و فعل ما يستحق به العقاب «لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» أي بغير رأي الزوج في محبة الطلاق و يوقع في قلبه المحبة لرجعتها فيما بين الطلقة الواحدة و الثانية و فيما بين الثالثة قال الضحاك و السدي و ابن زيد لعل الله يحدث الرجعة في العدة و قال الزجاج و إذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى له لقوله «لعل الله» يحدث بعد ذلك أمرا و في هذه الآية دلالة على أن الواجب في التطليق أن يوقع متفرقا و لا يجوز الجمع بين الثلاث لأن الله تعالى أكد قوله «فطلقوهن لعدتهن» بقوله «و أحصوا العدة» ثم زاد في التأكيد بقوله «و اتقوا الله ربكم» فيما حده الله لكم فلا تعتدوه ثم قرر سبحانه حق الزوج في المراجعة بقوله «لا تخرجوهن من بيوتهن» فإن الزوجة إذا لم ترم بيتها تمكن الزوج من مراجعتها ثم دل بقوله «و تلك حدود الله» على أن من تعدى حدود الله تعالى في الطلاق بطل حكمه و صار قوله «لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» تأكيدا لحدود الله في الطلاق و إعلاما بأن حق الرجعة لا ينقطع بجمع الطلاق فكأنه قال كونوا على رجاء الفائدة بالرجعة.

###

فقد يحدث الله الرغبة بعد الطلاق فإن قالوا قد أمر الله سبحانه في الآية بطلاق العدة فكيف تقدمون أنتم طلاق السنة على طلاق العدة فالجواب أن طلاق السنة أيضا طلاق العدة إلا أن أصحابنا رضي الله عنهم قد اصطلحوا على أن يسموا الطلاق الذي لا يزاد عليه بعد المراجعة طلاق السنة و الطلاق الذي يزاد عليه بشرط المراجعة طلاق العدة و مما يعضد ما ذكرته ما اشتهر من الأخبار في كتبهم و رواياتهم و نقل عن متقدميهم مثل زرارة بن أعين و بكير ابن أعين و محمد بن مسلم و غيرهم فمن ذلك ما رواه يونس عن بكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الطلاق أن يطلق الرجل المرأة على طهر من غير جماع و يشهد رجلين عدلين على تطليقه ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض ثلاثة قروء فهذا الطلاق الذي أمر الله به في القرآن و أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سنة و كل طلاق لغير مدة فليس بطلاق و عن جرير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طلاق السنة فقال على طهر من غير جماع بشاهدي عدل و لا يجوز الطلاق إلا بشاهدين و العدة و هو قوله «فطلقوهن لعدتهن و أحصوا العدة» الآية و روى الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال كل طلاق لا يكون على السنة أو طلاق على العدة فليس بشيء قال زرارة قلت لأبي جعفر فسر لي طلاق السنة و طلاق العدة فقال أما طلاق السنة فهو إن الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث و تطهر فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين عدلين على ذلك ثم يدعها حتى تمضي أقراؤها و قد بانت منه و كان خاطبا من الخطاب إن شاءت تزوجته و إن شاءت لم تتزوجه و عليه نفقتها و السكنى ما دامت في العدة و هما يتوارثان حتى تنقضي العدة و أما طلاق العدة فإذا أراد الرجل أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض و تخرج من حيضها ثم يطلقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين عدلين و يراجعها من يومه ذلك إن أحب أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه حتى تحيض فإذا حاضت و خرجت من حيضها طلقها تطليقة أخرى من غير جماع و يشهد على ذلك أيضا متى شاء قبل أن تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه حتى تحيض الحيضة الثالثة فإذا خرجت من حيضها طلقها الثالثة بغير جماع و يشهد على ذلك فإذا فعل ذلك فقد بانت منه و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره و الروايات في هذا كثيرة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) فعلى هذا فإنه يتركها في طلاق السنة حتى تعتد ثلاثة قروء فإذا مضى ثلاثة قروء فإنها تبين منه بواحدة و إذا تزوجها بعد ذلك بمهر جديد كانت عنده على تطليقتين باقيتين فإن طلقها أخرى طلاق السنة و تركها حتى تمضي أقراؤها فلا يراجعها فقد بانت منه باثنتين فإن تزوجها بعد ذلك و طلقها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره و لو شاء أن يراجعها بعد الطلقة الأولى و الثانية لكان ذلك إليه

فقد تبين أن هذا الطلاق هو طلاق للعدة أيضا إلا أن الفرق بينهما ما ذكرناه «فإذا بلغن أجلهن» معناه فإذا قاربن أجلهن الذي هو الخروج من العدة «فأمسكوهن بمعروف» أي راجعوهن بما يجب لهن من النفقة و الكسوة و المسكن و حسن الصحبة «أو فارقوهن بمعروف» بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة فتبين منكم و لا يجوز أن يكون المراد بقوله «فإذا بلغن أجلهن» إذا انقضى أجلهن لأن الزوج لا يملك الرجعة بعد انقضاء العدة بل هي تملك نفسها و تبين منه بواحدة و لها أن تتزوج من شاءت من الرجال «و أشهدوا ذوي عدل منكم» قال المفسرون أمروا أن يشهدوا عند الطلاق و عند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدة و لا الرجل الطلاق و قيل معناه و أشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم و هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) و هذا أليق بالظاهر لأنا إذا حملناه على الطلاق كان أمرا يقتضي الوجوب و هو من شرائط صحة الطلاق و من قال إن ذلك راجع إلى المراجعة حمله على الندب «و أقيموا الشهادة لله» هذا خطاب للشهود أي أقيموها لوجه الله و اقصدوا بأدائها التقرب إلى الله لا الطلب لرضا المشهود له و الإشفاق من المشهود عليه «ذلكم» الأمر بالحق يا معشر المكلفين «يوعظ به من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر» أي يؤمر به المؤمنون لينزجروا به عن الباطل و خص المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا به فالطاعة الواجبة فيها وعظ بأن رغب فيها باستحقاق الثواب و في تركها العقاب و المندوبة فيها وعظ باستحقاق المدح و الثواب على فعلها و المعاصي فيها وعظ بالزجر عنها و التخويف من فعلها باستحقاق العقاب و الترغيب في تركها بما يستحق على الإخلال بها من الثواب «و من يتق الله» فيما أمره به و نهاه عنه «يجعل له مخرجا» من كل كرب في الدنيا و الآخرة عن ابن عباس و روي عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «و من يتق الله يجعل له مخرجا» قال من شبهات الدنيا و من غمرات الموت و شدائد يوم القيامة و عنه قال من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا و من كل ضيق مخرجا و قيل معناه و من يطلق للسنة يجعل الله له مخرجا في الرجعة «و يرزقه من حيث لا يحتسب» عن عكرمة و الشعبي و الضحاك و قيل إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكر له ذلك و شكا إليه الفاقة فقال له اتق الله و اصبر و أكثر من قول لا حول و لا قوة إلا بالله ففعل الرجل ذلك فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه و قد غفل عنه العدو فأصاب إبلا و جاء بها إلى أبيه فذلك قوله «و يرزقه من حيث لا يحتسب» و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال «و يرزقه من حيث لا يحتسب» أي يبارك له فيما أتاه و عن أبي ذر الغفاري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم «و من يتق الله» الآية فما زال يقولها و يعيدها «و من يتوكل على الله فهو حسبه» أي و من يفوض أمره إلى الله

###

و وثق بحسن تدبيره و تقديره فهو كافيه يكفيه أمر دنياه و يعطيه ثواب الجنة و يجعله بحيث لا يحتاج إلى غيره و في الحديث من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله «إن الله بالغ أمره» أي يبلغ ما أراد من قضاياه و تدابيره على ما أراده و لا يقدر أحد على منعه عما يريده و قيل معناه أنه منفذ أمره فيمن يتوكل عليه و فيمن لم يتوكل عليه «قد جعل الله لكل شيء قدرا» أي قدر الله لكل شيء مقدارا و أجلا لا زيادة فيها و لا نقصان و قيل بين لكل شيء مقدارا بحسب المصلحة في الإباحة و الإيجاب و الترغيب و الترهيب كما بين في الطلاق و العدة و غيرهما و قيل قد جعل الله لكل شيء من الشدة و الرخاء وقتا و غاية و منتهى ينتهي إليه ثم بين سبحانه اختلاف أحكام العدة باختلاف أحوال النساء فقال «و اللائي يئسن من المحيض من نسائكم» فلا يحضن «إن ارتبتم» فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض ثلاثة أشهر و هن اللواتي أمثالهن يحضن لأنهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى و هذا هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) و قيل معناه إن شككتم فلم تدروا أ دمهن دم حيض أو استحاضة «فعدتهن ثلاثة أشهر» عن مجاهد و الزهري و ابن زيد و قيل معناه إن ارتبتم في حكمهن فلم تدروا ما الحكم فيهن «و اللائي لم يحضن» تقديره و اللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر و حذف لدلالة الكلام الأول عليه و هن اللواتي لم يبلغن المحيض و مثلهن تحيض على ما مر بيانه «و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن» قال ابن عباس هي في المطلقات خاصة و هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) فأما المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين فإذا مضت بها أربعة أشهر و عشر و لم تضع انتظرت وضع الحمل و قال ابن مسعود و أبي بن كعب و قتادة و أكثر الفقهاء أنه عام في المطلقات و المتوفى عنها زوجها فعدتهن وضع الحمل فإن كانت المرأة حاملا باثنين و وضعت واحد لم يحل للأزواج حتى تضع جميع الحمل لقوله «إن يضعن حملهن» و روى أصحابنا أنها إذا وضعت واحدا انقطعت عصمتها من الزوج و لا يجوز لها أن تعقد على نفسها لغيره حتى تضع الآخر فأما إذا كانت قد توفي عنها زوجها فوضعت قبل الأشهر الأربعة و العشر وجب عليها أن تستوفي أربعة أشهر و عشرا «و من يتق الله» في جميع ما أمره بطاعته فيه «يجعل له من أمره يسرا» أي يسهل عليه أمور الدنيا و الآخرة إما بفرج عاجل أو عوض آجل و قيل يسهل عليه فراق أهله و يزيل الهموم عن قلبه «ذلك» يعني ما ذكره سبحانه من الأحكام في الطلاق و الرجعة و العدة «أمر الله أنزله إليكم و من يتق الله» بطاعته «يكفر عنه سيئاته» من الصلاة إلى الصلاة و من الجمعة إلى الجمعة قال الربيع إن الله قد قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه و من آمن به هداه و من أقرضه جازاه و من وثق به أنجاه و من دعاه أجابه و لباه و تصديق ذلك

في كتاب الله عز و جل «و من يتوكل على الله فهو حسبه» و من يؤمن بالله يهد قلبه «إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم» «و من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم» «و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب» الآية «و يعظم له أجرا» في الآخرة و هو ثواب الجنة.