۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة التغابن، آية ٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يُسبِّحُ للّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ لَهُ الْمُلْك وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الّذِى خَلَقَكمْ فَمِنكمْ كافِرٌ وَ مِنكم مّؤْمِنٌ وَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض بِالحَْقِّ وَ صوّرَكمْ فَأَحْسنَ صوَرَكمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ مَا فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مَا تُسِرّونَ وَ مَا تُعْلِنُونَ وَ اللّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ (4) أَ لَمْ يَأْتِكمْ نَبَؤُا الّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَ لهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5)

المعنى

«يسبح لله ما في السماوات و ما في الأرض» تسبيح المكلفين بالقول و تسبيح الجمادات بالدلالة «له الملك» منفردا دون غيره و الألف و اللام لاستغراق الجنس و المعنى أنه المالك لجميع ذلك و المتصرف فيه كيف يشاء «و له الحمد» على جميع ذلك لأن خلق ذلك أجمع - الغرض فيه الإحسان إلى خلقه و النفع لهم به فاستحق بذلك الحمد و الشكر «و هو على كل شيء قدير» يوجد المعدوم و يفني الموجود و يغير الأحوال كما يشاء «هو الذي خلقكم» أي أنشأكم و أوجدكم عن عدم كما أراد و الخطاب للمكلفين عن الجبائي و قيل بل هو عام و قد تم الكلام هنا ثم ابتدأ فقال «فمنكم كافر» لم يقر بأن الله خلقه كالدهرية «و منكم مؤمن» مقر بأن الله خلقه عن الزجاج و قيل معناه فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافقين و منكم مؤمن في السر كافر في العلانية كعمار و ذويه عن الضحاك و قيل فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب و منكم مؤمن بالله كافر بالكواكب يريد في شأن الأنواء عن عطاء بن أبي رباح و المراد بالآية ظاهر فلا معنى للاسترواح إلى مثل هذه التأويلات و المعنى أن المكلفين جنسان منهم كافر فيدخل فيه أنواع الكفر و منهم مؤمن و لا يجوز حمله على أنه سبحانه خلقهم مؤمنين و كافرين لأنه لم يقل كذلك بل أضاف الكفر و الإيمان إليهم و إلى فعلهم و لدلالة العقول على أن ذلك يقع على حسب قصودهم و أفعالهم و لذلك يصح الأمر و النهي و الثواب و العقاب و بعثة الأنبياء على أنه سبحانه لو جاز أن يخلق الكفر و القبائح لجاز أن يبعث رسولا يدعو إلى الكفر و الضلال و يؤيده بالمعجزات تعالى عن ذلك و تقدس هذا و قد قال تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها و قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كل مولود يولد على الفطرة تمام الخبر و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) حكاية عن الله سبحانه خلقت عبادي كلهم حنفاء و نحو ذلك من الأخبار كثير «و الله بما تعملون بصير» أي خلق الكافر و هو عالم بما يكون منه من الكفر و خلق المؤمن و هو عالم بما يكون منه من الإيمان فيجازيهما على حسب أعمالهما «خلق السماوات و الأرض بالحق» أي بالعدل و بأحكام الصنعة و صحة التقدير و قيل معناه للحق و هو أن خلق العقلاء تعريضا إياهم للثواب العظيم و خلق ما عداهم تبعا لهم لما في خلقهما لهم من اللطف «و صوركم» يعني البشر كلهم «فأحسن صوركم» من حيث

الحكمة و قبول العقل لا قبول الطبع لأن في جملتهم من ليس على هذه الصفة و قيل فأحسن صوركم من حيث قبول الطبع لأن ذلك هو المفهوم من حسن الصور فهو كقوله «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» و إن كان في جملتهم من هو مشوه الخلق لأن ذلك عارض لا يعتد به في هذا الوصف فالله سبحانه خلق الإنسان على أحسن صور الحيوان كله و الصورة عبارة عن بنية مخصوصة «و إليه المصير» أي إليه المرجع و المال يوم القيامة «يعلم ما في السماوات و الأرض و يعلم ما تسرون و ما تعلنون» أي ما يسره بعضكم إلى بعض و ما يخفيه في صدره عن غيره و الفرق بين الإسرار و الإخفاء أن الإخفاء أعم لأنه قد يخفي شخصه و يخفي المعنى في نفسه و الأسرار يكون في المعنى دون الشخص «و الله عليم بذات الصدور» أي بأسرار الصدور و بواطنها ثم أخبر سبحانه أن القرون الماضية جوزوا بأعمالهم فقال «أ لم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل» أي من قبل هؤلاء الكفار «فذاقوا وبال أمرهم» أي وخيم عاقبة كفرهم و ثقل أمرهم بما نالهم من العذاب بالإهلاك و الاستئصال «و لهم عذاب أليم» أي مؤلم يوم القيامة.