۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الجمعة، آية ٥

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢ وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤ مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يُسبِّحُ للّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ المَْلِكِ الْقُدّوسِ الْعَزِيزِ الحَْكِيمِ (1) هُوَ الّذِى بَعَث فى الأُمِّيِّينَ رَسولاً مِّنهُمْ يَتْلُوا عَلَيهِمْ ءَايَتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَب وَ الحِْكْمَةَ وَ إِن كانُوا مِن قَبْلُ لَفِى ضلَلٍ مّبِينٍ (2) وَ ءَاخَرِينَ مِنهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بهِمْ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (3) ذَلِك فَضلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التّوْرَاةَ ثمّ لَمْ يحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يحْمِلُ أَسفَارَا بِئْس مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُوا بِئَايَتِ اللّهِ وَ اللّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ (5)

اللغة

الأسفار الكتب واحدها سفر و إنما سمي بذلك لأنه يكشف عن المعنى بإظهاره يقال سفر الرجل عمامته إذا كشفها و سفرت المرأة عن وجهها فهي سافرة و منه و الصبح إذا أسفر.

الإعراب

«و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين» إن هذه مخففة من إن و لهذا لزمها اللام الفارقة في خبر كان لئلا يلتبس بأن النافية و آخرين مجرورة لأنه صفة محذوف معطوف على الأميين أي و في قوم آخرين و يحتمل أن يكون منصوبا بالعطف على هم في يعلمهم.

«يحمل أسفارا» في موضع النصب على الحال.

«بئس مثل القوم» المخصوص بالذم محذوف تقديره بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله مثلهم فيكون الذين في موضع جر و يجوز أن يكون التقدير بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و على هذا يكون الذين في موضع رفع و هو المخصوص بالذم.

المعنى

«يسبح لله ما في السماوات و ما في الأرض» أي ينزهه سبحانه كل شيء و يشهد له بالوحدانية و الربوبية بما ركب فيها من بدائع الحكمة و عجائب الصنعة الدالة على أنه قادر عالم حي قديم سميع بصير حكيم لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء و إنما قال مرة سبح و مرة يسبح إشارة إلى دوام تنزيهه في الماضي و المستقبل «الملك» أي القادر على تصريف الأشياء «القدوس» أي المستحق للتعظيم الطاهر عن كل نقص «العزيز» القادر الذي لا يمتنع عليه شيء «الحكيم» العالم الذي يضع الأشياء موضعها «هو الذي بعث في الأميين» يعني العرب و كانت أمة أمية لا تكتب و لا تقرأ و لم يبعث إليهم نبي عن مجاهد و قتادة و قيل يعني أهل مكة لأن مكة تسمى أم القرى «رسولا منهم» يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) نسبه نسبهم و هو من جنسهم كما قال لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه و وجه النعمة في أنه جعل النبوة في أمي موافقته لما تقدمت البشارة به في كتب الأنبياء

السالفة و لأنه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالحكم التي تلاها و الكتب التي قرأها و أقرب إلى العلم بأن ما يخبرهم به من إخبار الأمم الماضية و القرون الخالية على وفق ما في كتبهم ليس ذلك إلا بالوحي «يتلو عليهم آياته» أي يقرأ عليهم القرآن المشتمل على الحلال و الحرام و الحجج و الأحكام «و يزكيهم» أي و يطهرهم من الكفر و الذنوب و يدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء «و يعلمهم الكتاب و الحكمة» الكتاب القرآن و الحكمة الشرائع و قيل إن الحكمة تعم الكتاب و السنة و كل ما أراده الله تعالى فإن الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه فيما يجتبي أو يجتنب من أمور الدين و الدنيا «و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين» معناه و ما كانوا من قبل بعثه إليهم إلا في عدول عن الحق و ذهاب عن الدين بين ظاهر «و آخرين منهم» أي و يعلم آخرين من المؤمنين «لما يلحقوا بهم» و هم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة فإن الله سبحانه بعث النبي إليهم و شريعته تلزمهم و إن لم يلحقوا بزمان الصحابة عن مجاهد و ابن زيد و قيل هم الأعاجم و من لا يتكلم بلغة العرب فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبعوث إلى من شاهده و إلى كل من بعدهم من العرب و العجم عن ابن عمر و سعيد بن جبير و روي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام) و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية فقيل له من هؤلاء فوضع يده على كتف سلمان و قال لو كان الإيمان في الثريا لنالته رجال من هؤلاء و على هذا فإنما قال منهم لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم فإن المسلمين كلهم يد واحدة على من سواهم و أمة واحدة و إن اختلف أجناسهم كما قال سبحانه و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض و من لم يؤمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنهم ليسوا ممن عناهم الله تعالى بقوله «و آخرين منهم» و إن كان مبعوثا إليهم بالدعوة لقوله سبحانه «و يزكيهم و يعلمهم» و من لم يؤمن فليس ممن زكاه و علمه القرآن و السنة و قيل إن قوله «لما يلحقوا بهم» يعني في الفضل و السابقة فإن التابعين لا يدركون شأن السابقين من الصحابة و خيار المؤمنين «و هو العزيز» الذي لا يغالب «الحكيم» في جميع أفعاله «ذلك فضل الله» يعني النبوة التي خص الله بها رسوله عن مقاتل «يؤتيه» أي يعطيه «من يشاء» بحسب ما يعلمه من صلاحه للبعثة و تحمل أعباء الرسالة «و الله ذو الفضل العظيم» ذو المن العظيم على خلقه ببعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و روى محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم يرفعه قال جاء الفقراء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا يا رسول الله إن للأغنياء ما يتصدقون و ليس لنا ما نتصدق و لهم ما يحجون و ليس لنا ما نحج و لهم ما يعتقون و ليس لنا ما نعتق فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) من كبر الله مائة مرة كان أفضل من عتق رقبة و من سبح الله مائة مرة كان أفضل من مائة فرس في سبيل الله يسرجها و يلجمها و من هلل الله مائة مرة كان أفضل الناس عملا في ذلك اليوم إلا من زاد فبلغ ذلك الأغنياء فقالوه فرجع الفقراء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا يا رسول الله قد بلغ الأغنياء ما قلت فصنعوه فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» ثم ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا فقال «مثل الذين حملوا التورية» أي كلفوا القيام بها و العمل بما فيها «ثم لم يحملوها» حق حملها من أداء حقها و العمل بموجبها لأنهم حفظوها و دونوها كتبهم ثم لم يعلموا بما فيها «كمثل الحمار يحمل أسفارا» لأن الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ظهره لا يحس بما فيها فمثل من يحفظ الكتاب و لا يعمل بموجبه كمثل من لا يعلم ما فيما يحمله قال ابن عباس فسواء حمل على ظهره أو جحده إذا لم يعمل به و على هذا فمن تلا القرآن و لم يفهم معناه و أعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه كان هذا المثل لاحقا به و إن حفظه و هو طالب لمعناه فليس من أهل هذا المثل و أنشد أبو سعيد الضرير في ذلك:

{زوامل للأسفار لا علم عندهم --- بجيدها إلا كعلم الأباعر} {لعمرك ما يدري المطي إذا غدا --- بأسفاره إذ راح ما في الغرائر}

«بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله» معناه بئس القوم قوم هذا مثلهم لأنه سبحانه ذم مثلهم و المراد به ذمهم و اليهود كذبوا بالقرآن و التوراة حين لم يؤمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «و الله لا يهدي القوم الظالمين» أي لا يفعل بهم من الألطاف التي يفعلها بالمؤمنين الذين بها يهتدون و قيل لا يثيبهم و لا يهديهم إلى الجنة و عن محمد بن مهران قال يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم و تلا هذه.