۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الصف، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٣ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤ وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ لِمَ تُؤۡذُونَنِي وَقَد تَّعۡلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡۖ فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ سبّحَ للّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (1) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كبرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) إِنّ اللّهَ يحِب الّذِينَ يُقَتِلُونَ فى سبِيلِهِ صفّا كَأَنّهُم بُنْيَنٌ مّرْصوصٌ (4) وَ إِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنى وَ قَد تّعْلَمُونَ أَنى رَسولُ اللّهِ إِلَيْكمْ فَلَمّا زَاغُوا أَزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ (5)

اللغة

المقت البغض و الرص إحكام البناء يقال رصصت البناء أي أحكمته و أصله من الرصاص أي جعلته كأنه بني بالرصاص لتلاؤمه و شدة اتصاله.

الإعراب

لم حذفت الألف من ما لشدة الاتصال مع ضعف حرف الاعتلال آخر الكلام لأنه حرف تعيير في موضع تعيير مقتا نصب على التمييز و «أن تقولوا» في موضع رفع بأنه فاعل كبر و التقدير كبر هذا القول مقتا عند الله و قيل إن الفاعل مضمر فيه و التقدير كبر المقت مقتا عند الله نحو نعم رجلا زيد و المخصوص بالذم أن تقولوا صفا مصدر في موضع الحال أي مصطفين.

النزول

نزل قوله «لم تقولون ما لا تفعلون» في المنافقين عن الحسن و قيل نزل في قوم كانوا يقولون إذا لقينا العدو لم نفر و لم نرجع عنهم ثم لم يفوا بما قالوا و انفلوا يوم أحد حتى شج وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و كسرت رباعيته عن مقاتل و الكلبي و قيل نزلت في قوم قالوا جاهدنا و أبلينا و فعلنا و لم يفعلوا و هم كذبة عن قتادة و قيل لما أخبر الله سبحانه رسوله بثواب شهداء بدر قالت الصحابة لئن لقينا بعد قتالا لنفرغن فيه وسعنا ثم فروا يوم أحد فعيرهم الله تعالى بذلك عن محمد بن كعب و قيل كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون وددنا لو أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبرهم الله أن أفضل الأعمال إيمان لا شك فيه و الجهاد فكره ذلك ناس و شق عليهم و تباطأوا عنه فنزلت الآية عن ابن عباس و قيل كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين فقتله صهيب في القتال فقال رجل يا رسول الله قتلت فلانا ففرح بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال عمرو عبد الرحمن لصهيب أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنك قتلته و أن فلانا ينتحله فقال صهيب إنما قتلته لله و لرسوله فقال عمرو عبد الرحمن يا رسول الله إنما قتله صهيب فقال كذلك يا أبا يحيى قال نعم يا رسول الله فنزلت الآية و الآية الأخرى عن سعيد بن المسيب.

المعنى

«سبح لله ما في السماوات و ما في الأرض و هو العزيز الحكيم» مر تفسيره و إنما أعيد هاهنا لأنه استفتاح السورة بتعظيم الله من جهة ما سبح له بالآية التي فيه كما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم و إذا دخل المعنى في تعظيم الله حسن الاستفتاح به «يا

أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون» قيل إن الخطاب للمنافقين و هو تقريع لهم بأنهم يظهرون الإيمان و لا يبطنونه و قيل إن الخطاب للمؤمنين و تعيير لهم أن يقولوا شيئا و لا يفعلونه قال الجبائي هذا على ضربين ( أحدهما ) أن يقول سأفعل و من عزمه أن لا يفعله فهذا قبيح مذموم ( و الآخر ) أن يقول سأفعل و من عزمه أن يفعله و المعلوم أنه لا يفعله فهذا قبيح لأنه لا يدري أ يفعله أم لا و لا ينبغي في مثل هذا أن يقرن بلفظة إن شاء الله «كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» أي كبر هذا القول و عظم مقتا عند الله و هو أن تقولوا ما لا تفعلونه و قيل معناه كبر أن تقولوا ما لا تفعلونه و تعدوا من أنفسكم ما لا تفون به مقتا عند الله «إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا» أي يصفون أنفسهم عند القتال صفا و قيل يقاتلون في سبيله مصطفين «كأنهم بنيان مرصوص» كأنه بني بالرصاص لتلاؤمه و شدة اتصاله و قيل كأنه حائط ممدود رص على البناء في إحكامه و اتصاله و استقامته أعلم الله سبحانه أنه يحب من ثبت في القتال و يلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص و معنى محبة الله إياهم أنه يريد ثوابهم و منافعهم ثم ذكر سبحانه حديث موسى (عليه السلام) في صدق نيته و ثبات عزيمته على الصبر في أذى قومه تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تكذيبهم إياه فقال «و إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني و قد تعلمون أني رسول الله إليكم» هذا إنكار عليهم إيذاءه بعد ما علموا أنه رسول الله و الرسول يعظم و يبجل و لا يؤذى و كان قومه آذوه بأنواع من الأذى و هو قولهم اجعل لنا إلها و اذهب أنت و ربك فقاتلا و ما روي في قصة قارون أنه دس إليه امرأة و زعم أنه زنى بها و رموه بقتل هارون و قيل إن ذلك حين رموه بالأدرة و قد ذكرنا ذلك عند قوله «و لا تكونوا كالذين آذوا موسى» الآية «فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم» أي فلما مالوا عن الحق و الاستقامة حلاهم و سوء اختيارهم و منعهم الألطاف التي يهدي بها قلوب المؤمنين كقوله و من يؤمن بالله يهد قلبه عن أبي مسلم و قيل أزاغ الله قلوبهم عما يحبون إلى ما يكرهون و لا يجوز أن يكون المراد أزاغ الله قلوبهم عن الإيمان لأن الله تعالى لا يجوز أن يزيغ أحدا عن الإيمان و أيضا فإنه يخرج الكلام عن الفائدة لأنهم إذا زاغوا عن الإيمان فقد حصلوا كفارا فلا معنى لقوله أزاغهم الله عن الإيمان «و الله لا يهدي القوم الفاسقين» أي لا يهديهم الله إلى الثواب و الكرامة و الجنة التي وعدها المؤمنين و قيل لا يفعل بهم الألطاف التي يفعلها بالمؤمنين بل يخليهم و اختيارهم عن أبي مسلم.