۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الممتحنة، آية ١١

التفسير يعرض الآيات ١٠ إلى ١١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠ وَإِن فَاتَكُمۡ شَيۡءٞ مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَٰجُهُم مِّثۡلَ مَآ أَنفَقُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا جَاءَكمُ الْمُؤْمِنَت مُهَجِرَتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنهِنّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنّ إِلى الْكُفّارِ لا هُنّ حِلّ لهُّمْ وَ لا هُمْ يحِلّونَ لهَُنّ وَ ءَاتُوهُم مّا أَنفَقُوا وَ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنّ إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصمِ الْكَوَافِرِ وَ سئَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَ لْيَسئَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللّهِ يحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَ إِن فَاتَكمْ شىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ إِلى الْكُفّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَئَاتُوا الّذِينَ ذَهَبَت أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَ اتّقُوا اللّهَ الّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)

القراءة

قرأ أهل البصرة و لا تمسكوا بالتشديد و الباقون «و لا تمسكوا» بالتخفيف و في الشواذ قراءة الأعرج فعقبتم بالتشديد و قراءة النخعي و الزهري و يحيى بن يعمر بخلاف فعقبتم ) خفيفة القاف من غير ألف و قراءة مسروق فعقبتم بكسر القاف من غير ألف و القراءة المشهورة «فعاقبتم» و قرأ مجاهد فأعقبتم.

الحجة

حجة من قرأ «لا تمسكوا» قوله فإمساك بمعروف و لا تمسكوهن ضرارا و أمسك عليك زوجك و حجة من قال و لا تمسكوا قوله و الذين يمسكون بالكتاب يقال أمسكت بالشيء و مسكت به و تمسكت به قال ابن جني روينا عن قطرب قال «فعاقبتم» أصبتم عقبى منهن يقال عاقب الرجل شيئا إذا أخذ شيئا و أنشد لطرفة:

فعقبتم بذنوب غير مر جمع مرة فسروه على أعطيتم و عدتم و قال في قوله و لم يعقب لم يرجع و حكي عن الأعمش أنه قال عقبتم غنمتم و قد يجوز أن يكون عقبتم بوزن غنمتم و بمعناه جميعا و روي أيضا بيت طرفة فعقبتم بكسر القاف و حكى أبو عوانة عن المغيرة قال قرأت على إبراهيم «فعاقبتم» فأخذها على فعقبتم خفيفة و معنى أعقبتم صنعتم بهم مثل ما صنعوا بكم.

النزول

قال ابن عباس صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحديبية مشركي مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده عليهم و من أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو لهم و لم يردوه عليه و كتبوا بذلك كتابا و ختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحديبية فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم و قال مقاتل هو صيفي ابن الراهب في طلبها و كان كافرا فقال يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا منا و هذه طينة الكتاب لم تجف بعد فنزلت الآية «يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات» من دار الكفر إلى دار الإسلام «فامتحنوهن» قال ابن عباس امتحانهن أن يستحلفن ما خرجت من بغض زوج و لا رغبة عن أرض إلى أرض و لا التماس دنيا و ما خرجت إلا حبا لله و لرسوله فاستحلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما خرجت بغضا لزوجها و لا عشقا لرجل منا و ما خرجت إلا رغبة في الإسلام فحلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك فأعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زوجها مهرها و ما أنفق عليها و لم يردها عليه فتزوجها عمر بن الخطاب فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرد من جاءه من الرجال و يحبس من جاءه من النساء إذا امتحن و يعطي أزواجهن مهورهن قال الزهري و لما نزلت هذه الآية و فيها قوله «و لا تمسكوا بعصم الكوافر» طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكة مشركتين قرنية بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبي

سفيان و هما على شركهما بمكة و الأخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم رجل من قومه و هما على شركهما و كانت عند طلحة بن عبد الله أروى بنت ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب ففرق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر و كان طلحة قد هاجر و هي بمكة عند قومها كافرة ثم تزوجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية و كانت ممن فرت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من نساء الكفار فحبسها و زوجها خالدا و أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة ففرت منه و هو يومئذ كافر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فزوجها رسول الله سهل بن حنيف فولدت عبد الله بن سهل قال الشعبي و كانت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت و لحقت بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة و أقام أبو العاص مشركا بمكة ثم أتى المدينة فأمنته زينب ثم أسلم فردها عليه رسول الله و قال الجبائي لم يدخل في شرط صلح الحديبية إلا رد الرجال دون النساء و لم يجر للنساء ذكر و أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة مهاجرة من مكة فجاء أخواها إلى المدينة فسألا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ردها عليهما فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الشرط بيننا في الرجال لا في النساء فلم يردها عليهما قال الجبائي و إنما لم يجر هذا الشرط في النساء لأن المرأة إذا أسلمت لم تحل لزوجها الكافر فكيف ترد عليه و قد وقعت الفرقة بينهما.

المعنى

لما قطع سبحانه الموالاة بين المسلمين و الكافرين بين حكم النساء المهاجرات و أزواجهن فقال «يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن» بالإيمان أي استوصفوهن الإيمان و سماهن مؤمنات قبل أن يؤمن لأنهن اعتقدن الإيمان «الله أعلم بإيمانهن» أي كنتم تعلمون بالامتحان ظاهر إيمانهن و الله يعلم حقيقة إيمانهن في الباطن ثم اختلفوا في الامتحان على وجوه ( أحدها ) أن الامتحان أن يشهدن أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله عن ابن عباس ( و ثانيها ) ما روي عن ابن عباس أيضا في رواية أخرى أن امتحانهن أن يحلفن ما خرجن إلا للدين و الرغبة في الإسلام و لحب الله و رسوله و لم يخرجن لبغض زوج و لا لالتماس دنيا و روي ذلك عن قتادة ( و ثالثها ) أن امتحانهن بما في الآية التي بعد و هو أن لا يشركن بالله شيئا و لا يسرقن و لا يزنين الآية عن عائشة ثم قال سبحانه «فإن علمتموهن مؤمنات» يعني في الظاهر «فلا ترجعوهن إلى الكفار» أي لا تردوهن إليهم «لا هن حل لهم و لا هم يحلون لهن» و هذا يدل على وقوع

الفرقة بينهما بخروجها مسلمة و إن لم يطلق المشرك «و آتوهم ما أنفقوا» أي و آتوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر عن ابن عباس و مجاهد و قتادة قال الزهري لو لا الهدنة لم يرد إلى المشركين الصداق كما كان يفعل قبل «و لا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن» أي و لا جناح عليكم معاشر المسلمين أن تنكحوا المهاجرات إذا أعطيتموهن مهورهن التي يستحل بها فروجهن لأنهن بالإسلام قد بن من أزواجهن «و لا تمسكوا بعصم الكوافر» أي لا تمسكوا بنكاح الكافرات و أصل العصمة المنع و سمي النكاح عصمة لأن المنكوحة تكون في حبال الزوج و عصمته و في هذا دلالة على أنه لا يجوز العقد على الكافرة سواء كانت حربية أو ذمية و على كل حال لأنه عام في الكوافر و ليس لأحد أن يخص الآية بعابدة الوثن لنزولها بسببهن لأن المعتبر بعموم اللفظ لا بالسبب «و اسألوا ما أنفقتم» أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا منعوها و لم يدفعوها إليكم كما يسألونكم مهور نسائهم إذا هاجرن إليكم و هو قوله «و ليسألوا ما أنفقوا ذلكم» يعني ما ذكر الله في هذه الآية «حكم الله يحكم بينكم و الله عليم» بجميع الأشياء «حكيم» فيما يفعل و يأمر به قال الحسن كان في صدر الإسلام تكون المسلمة تحت الكافر و الكافرة تحت المسلم فنسخته هذه الآية قال الزهري و لما نزلت هذه الآية آمن المؤمنون بحكم الله و أدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم و أبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمرهم به من أداء نفقات المسلمين فنزل «و إن فاتكم شيء من أزواجكم» أي أحد من أزواجكم «إلى الكفار» فلحقن بهم مرتدات «فعاقبتم» معناه فغزوتم و أصبتم من الكفار عقبى و هي الغنيمة فظفرتم و كانت العاقبة لكم و قيل معناه فخلفتم من بعدهم و صار الأمر عن مؤرج و قيل إن عقب و عاقب مثل صغر و صاغر بمعنى عن الفراء و قيل عاقبتم بمصير أزواج الكفار إليكم إما من جهة سبي أو مجيئهن مؤمنات عن علي بن عيسى «فأتوا الذين ذهبت أزواجهم» أي نساؤهم من المؤمنين «مثل ما أنفقوا» من المهور عليهن من رأس الغنيمة و كذلك من ذهبت زوجته إلى من بينكم و بينه عهد فنكث في إعطاء المهر فالذي ذهبت زوجته يعطى المهر من الغنيمة و لا ينقص شيئا من حقه بل يعطى كملا عن ابن عباس و الجبائي و قيل معناه إن فاتكم أحد من أزواجكم إلى الكفار الذين بينكم و بينهم عهد فغنمتم فأعطوا زوجها صداقها الذي كان ساق إليها من الغنيمة ثم نسخ هذا الحكم في براءة فنبذ إلى كل ذي عهد عهده عن قتادة و قال علي بن عيسى معناه فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل

ما أنفقوا من المهور كما عليهم أن يردوا عليكم مثل ما أنفقتم لمن ذهب من أزواجكم «و اتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون» أي اجتنبوا معاصي الله الذي أنتم تصدقون به و لا تجاوزا أمره و قال الزهري فكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعات عن الإسلام ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري و فاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر أبت و ارتدت و بروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان و عبدة بنت عبد العزى بن فضلة و زوجها عمرو بن عبد ود و هند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل و كلثوم بنت جرول كانت تحت عمر فأعطاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مهور نسائهم من الغنيمة.