۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المجادلة، آية ١

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١ ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢ وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَدْ سمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتى تجَدِلُك فى زَوْجِهَا وَ تَشتَكِى إِلى اللّهِ وَ اللّهُ يَسمَعُ تحَاوُرَكُمَا إِنّ اللّهَ سمِيعُ بَصِيرٌ (1) الّذِينَ يُظهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسائهِم مّا هُنّ أُمّهَتِهِمْ إِنْ أُمّهَتُهُمْ إِلا الّئِى وَلَدْنَهُمْ وَ إِنهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكراً مِّنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً وَ إِنّ اللّهَ لَعَفُوّ غَفُورٌ (2) وَ الّذِينَ يُظهِرُونَ مِن نِّسائهِمْ ثمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسا ذَلِكمْ تُوعَظونَ بِهِ وَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لّمْ يجِدْ فَصِيَامُ شهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسا فَمَن لّمْ يَستَطِعْ فَإِطعَامُ سِتِّينَ مِسكِيناً ذَلِك لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسولِهِ وَ تِلْك حُدُودُ اللّهِ وَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) إِنّ الّذِينَ يحَادّونَ اللّهَ وَ رَسولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِت الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَ قَدْ أَنزَلْنَا ءَايَتِ بَيِّنَتٍ وَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مّهِينٌ (5)

القراءة

قرأ عاصم «يظاهرون» بضم الياء و تخفيف الظاء و قرأ أهل البصرة و ابن كثير يظهرون بتشديد الظاء و الهاء و فتح الياء و قرأ الباقون يظاهرون بفتح الياء و تشديد الظاء و روي عن بعضهم ما هن أمهاتهم برفع التاء.

الحجة

قال أبو علي ظاهر من امرأته و ظهر مثل ضاعف و ضعف و تدخل التاء على كل واحد منهما فيصير تظاهر و تظهر و يدخل حرف المضارعة فيصير يتظاهر و يتظهر ثم تدغم الطاء في الظاء لمقاربتها لها فتصير يظاهر و يظهر بفتح الياء التي هي حرف المضارعة لأنها للمطاوعة كما تفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع دحرجته فتدحرج و وجه الرفع في قوله ( ما هن أمهاتهم ) أنه لغة بني تميم قال سيبويه و هو أقيس الوجهين و ذلك أن النفي كالاستفهام فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه في الواجب ينبغي أن لا يغيره النفي عما كان عليه في الواجب و وجه النصب أنه لغة أهل الحجاز و الأخذ بلغتهم في القرآن أولى و عليها جاء ما هذا بشرا.

اللغة

الاشتكاء إظهار ما بالإنسان من مكروه و الشكاية إظهار ما يصنعه به غيره من المكروه و التحاور التراجع و هي المحاورة يقال حاوره محاورة أي راجعه الكلام و تحاورا قال عنترة:

{لو كان يدري ما المحاورة اشتكى --- ولكان لو علم الكلام مكلمي}

والمحادة المخالفة و أصله من الحد و هو المنع و منه الحد الحاجز بين الشيئين قال النابغة:

{إلا سليمان إذ قال المليك له --- قم في البرية فاحددها عن الفند}

الكبت مصدر كبت الله العدو أي أذله و أخزاه.

النزول

نزلت الآيات في امرأة من الأنصار ثم من الخزرج و اسمها خولة بنت خويلد عن ابن عباس و قيل خولة بنت ثعلبة عن قتادة و مقاتل و زوجها أوس بن الصامت و ذلك أنها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة في صلاتها فلما انصرفت أرادها فأبت عليه فغضب عليها و كان امرءا فيه سرعة و لمم فقال لها أنت علي كظهر أمي ثم ندم على ما قال و كان الظهار من طلاق أهل الجاهلية فقال لها ما أظنك إلا و قد حرمت علي فقالت لا تقل ذلك و ائت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاسأله فقال إني أجد أني أستحيي منه أن أسأله عن هذا قالت فدعني أسأله فقال سليه فأتت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عائشة تغسل شق رأسه فقالت يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني و أنا شابة غانية ذات مال و أهل حتى إذا كل مالي و أفنى شبابي و تفرق أهلي و كبرت سني ظاهر مني و قد ندم فهل من شيء يجمعني و إياه فتنعشني به فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أراك إلا حرمت عليه فقالت يا رسول الله و الذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا و أنه أبو ولدي و أحب الناس إلى فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أراك إلا حرمت عليه و لم أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و إذا قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حرمت عليه هتفت و قالت أشكو إلى الله فاقتي و حاجتي و شدة حالي اللهم فأنزل على لسان نبيك و كان هذا أول ظهار في الإسلام فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فقالت أنظر في أمري جعلني الله فداك يا نبي الله فقالت عائشة أقصري حديثك و مجادلتك أ ما ترين وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و كان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات فلما قضي الوحي قال ادعي زوجك فتلا عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها» إلى تمام الآيات قالت عائشة تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن المرأة لتحاور رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها و يخفى علي بعضه إذ أنزل الله «قد سمع» فلما تلا عليه هذه الآيات قال له هل تستطيع أن تعتق رقبة قال إذا يذهب مالي كله و الرقبة غالية و أني قليل المال فقال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين فقال و الله يا رسول الله إني إذا لم آكل ثلاث مرات كل بصري و خشيت أن تغشى عيني قال فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا قال لا و الله إلا أن تعينني على ذلك يا رسول الله فقال إني معينك بخمسة عشر صاعا و أنا داع لك بالبركة فأعانه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمسة عشر صاعا فدعا له البركة فاجتمع لهما أمرهما.

المعنى

«قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها» أي تراجعك في أمر زوجها

عن أبي العالية «و تشتكي إلى الله» و تظهر شكواها و ما بها من المكروه فتقول اللهم إنك تعلم حالي فارحمني فإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا و إن ضممتهم إلي جاعوا «و الله يسمع تحاوركما» أي تخاطبكما و مراجعتكما الكلام «إن الله سميع بصير» أي يسمع المسموعات و يرى المرئيات و السميع البصير من هو على حالة يجب لأجلها أن يسمع المسموعات و يبصر المبصرات إذا وجدتا و ذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به ثم قال سبحانه يذم الظهار «الذين يظاهرون منكم من نسائهم» أي يقولون لهن أنتن كظهور أمهاتنا «ما هن أمهاتهم» أي ما اللواتي تجعلونهن من الزوجات كالأمهات بأمهات أي لسن بأمهاتهم «إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم» أي ما أمهاتهم إلا الوالدات «و إنهم» يعني المظاهرين «ليقولون منكرا من القول» لا يعرف في الشرع «و زورا» أي كذبا لأن المظاهر إذا جعل ظهر امرأته كظهر أمه و ليست كذلك كان كاذبا «و إن الله لعفو غفور» عفا عنهم و غفر لهم و أمرهم بالكفارة ثم بين سبحانه حكم الظهار فقال «و الذين يظاهرون من نسائهم» يعني الذين يقولون القول الذي حكيناه «ثم يعودون لما قالوا» اختلف المفسرون و الفقهاء في معنى العود هنا فقيل إنه العزم على وطئها عن قتادة و هو مذهب مالك و أبي حنيفة و قيل العود هو أن يمسكها بالعقد و لا يتبع الظهار بطلاق و ذلك أنه إذا ظاهر منها فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه و لا كفارة و إذا سكت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلق فيه فذلك الندم منه على ما ابتدأه و هو عود إلى ما كان عليه فحينئذ تجب الكفارة و هو مذهب الشافعي و استدل على ذلك بما روي عن ابن عباس أنه فسر العود في الآية بالندم فقال يندمون و يرجعون إلى الألفة و قال الفراء يعودون لما قالوا و إلى ما قالوا و فيما قالوا معناه يرجعون عما قالوا يقال عاد لما فعل أي نقض ما فعل و يجوز أن يقال عاد لما فعل يريد فعله مرة أخرى و قيل إن العود هو أن يكرر لفظ الظهار عن أبي العالية و هو مذهب أهل الظاهر و احتجوا بأن ظاهر لفظ العود يدل على تكرير القول قال أبو علي الفارسي ليس في هذا ظاهر كما ادعوا لأن العود قد يكون إلى شيء عليه قبل و قد سميت الآخرة معادا و لم يكن فيها أحد ثم صار إليها و قال الأخفش تقدير الآية و الذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم أي فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من ذكر التحريم.

و التقديم و التأخير كثير في التنزيل و أما ما ذهب إليه أئمة الهدى من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو أن المراد بالعود إرادة الوطء و نقض القول الذي قاله فإن الوطء لا يجوز له إلا بعد الكفارة و لا يبطل حكم قوله الأول إلا بعد الكفارة «فتحرير رقبة» أي فعليهم تحرير رقبة «من قبل أن يتماسا» أي من قبل أن يجامعها فيتماسا و التحرير هو أن يجعل الرقبة المملوكة حرة بالعتق بأن يقول

###

المالك لمن يملكه أنت حر «ذلكم توعظون به» أي ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به أي أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار قاله الزجاج «و الله بما تعملون خبير» أي عليم بأعمالكم فلا تدعوا ما وعظكم به من الكفارة قبل الوطء فيعاقبكم عليه «فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا» أي فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين قبل الجماع و التتابع عند أكثر الفقهاء أن يوالي بين أيام الشهرين الهلاليين أو يصوم ستين يوما و قال أصحابنا أنه إذا صام شهرا و من الثاني شيئا و لو يوما واحدا ثم أفطر لغير عذر فقد أخطأ إلا أنه يبني عليه و لا يلزمه الاستئناف و إن أفطر قبل ذلك استأنف و متى بدأ بالصوم و صام بعض ذلك ثم وجد الرقبة لا يلزمه الرجوع إليها و إن رجع كان أفضل و قال قوم أنه يلزمه الرجوع إلى العتق و قوله «فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا» أي فمن لم يطق الصوم لعلة أو كبر فإطعام ستين مسكينا فعليه إطعام ستين فقيرا لكل مسكين نصف صاع عند أصحابنا فإن لم يقدر فمد «ذلك» أي افترض ذلك الذي وصفناه «لتؤمنوا بالله و رسوله» أي لتصدقوا بما أتى به الرسول و تصدقوا بأن الله أمر به «و تلك حدود الله» يعني ما وصفه من الكفارات في الظهار أي هي شرائع الله و أحكامه «و للكافرين عذاب أليم» أي و للجاحدين المتعدين حدود الله عذاب مؤلم في الآخرة «إن الذين يحادون الله و رسوله» أي يخالفون أمر الله و يعادون رسوله «كبتوا» أي أذلوا و أخزوا «كما كبت الذين من قبلهم» أي كما أخزي الذين من قبلهم من أهل الشرك «و قد أنزلنا آيات بينات» أي حججا واضحات من القرآن و ما فيه من الأدلة و البيان «و للكافرين» الجاحدين لما أنزلناه «عذاب مهين» يهينهم و يخزيهم فأما الكلام في مسائل الظهار و فروعها فموضعه كتب الفقه.