۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحديد، آية ٢٣

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢ لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رّبِّكمْ وَ جَنّةٍ عَرْضهَا كَعَرْضِ السمَاءِ وَ الأَرْضِ أُعِدّت لِلّذِينَ ءَامَنُوا بِاللّهِ وَ رُسلِهِ ذَلِك فَضلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصاب مِن مّصِيبَةٍ فى الأَرْضِ وَ لا فى أَنفُسِكُمْ إِلا فى كتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نّبرَأَهَا إِنّ ذَلِك عَلى اللّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلا تَأْسوْا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَامْ وَ اللّهُ لا يحِب كلّ مخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النّاس بِالْبُخْلِ وَ مَن يَتَوَلّ فَإِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنىّ الحَْمِيدُ (24) لَقَدْ أَرْسلْنَا رُسلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَ أَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَب وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاس بِالْقِسطِ وَ أَنزَلْنَا الحَْدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شدِيدٌ وَ مَنَفِعُ لِلنّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَنصرُهُ وَ رُسلَهُ بِالْغَيْبِ إِنّ اللّهَ قَوِىّ عَزِيزٌ (25)

القراءة

قرأ أبو عمرو بما أتيكم مقصورا و الباقون بالمد و قرأ أهل المدينة و الشام فإن الله الغني الحميد لأنهم وجدوا في مصاحفهم كذلك و الباقون «فإن الله هو الغني» بإثبات هو و كذلك هو في مصاحفهم.

الحجة

قال أبو علي حجة من قصر أتيكم أنه معادل به فاتكم فكما أن الفعل للفائت في قوله «فاتكم» فكذلك للآتي في قوله «بما آتيكم» قال الشاعر:

{ولا فرح بخير إن أتاه --- و لا جزع من الحدثان لاع}

وحجة من مد أن الخير الذي يأتيهم هو من عند الله و هو المعطي لذلك و فاعل آتاكم هو الضمير العائد إلى اسم الله و الهاء محذوفة من الصلة تقديره بما آتاكموه و قوله «إن الله هو الغني الحميد» ينبغي أن يكون هو فصلا و لا يكون مبتدأ لأن الفصل حذفه أسهل أ لا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب و قد يحذف فلا يخل بالمعنى.

اللغة

أعدت مشتقة من العدد و الإعداد وضع الشيء لما يكون في المستقبل على ما يقتضيه من عدد الأمر الذي له.

الفضل و الإفضال واحد و هو النفع الذي كان للقادر أن يفعله بغيره و له أن لا يفعله و الأسى الحزن و التآسي تخفيف الحزن بالمشاركة في حاله.

الإعراب

«في كتاب» يتعلق بمحذوف تقديره إلا هي كائنة في كتاب فهو في محل الرفع بأنه خبر مبتدإ محذوف و يجوز أن يتعلق بفعل محذوف تقديره إلا قد كتبت في كتاب فيكون الجار و المجرور في موضع نصب على الحال أي لا مكتوبة «لكيلا تأسوا» تأسوا منصوب بنفس كي و اللام هي اللام الجارة، «الذين يبخلون» في موضع جر على البدل من مختال فخور فعلى هذا لا يجوز الوقف على فخور و يجوز أن يكون محله رفعا على الابتداء و يكون خبره محذوفا كما حذف جواب لو من قوله و لو أن قرآنا سيرت به الجبال و يكون التقدير الذين يبخلون فإنهم يستحقون العذاب و يجوز أن يكون محله رفعا أو نصبا على الذم.

المعنى

ثم رغب سبحانه في المسابقة لطلب الجنة فقال «سابقوا» أي بادروا العوارض القاطعة عن الأعمال الصالحة و سارعوا إلى ما يوجب الفوز في الآخرة «إلى مغفرة من ربكم» قال الكلبي إلى التوبة و قيل إلى الصف الأول و قيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «و جنة عرضها كعرض السماء و الأرض» أي و سابقوا إلى استحقاق ثواب جنة هذه صفتها و ذكر في ذكر العرض دون الطول وجوه ( أحدها ) أن عظم العرض يدل على عظم الطول ( و الآخر ) أن الطول قد يكون بلا عرض و لا يكون عرض بلا طول ( و ثالثها ) أن المراد به أن العرض مثل السماوات و الأرض و طولها لا يعلمه إلا الله تعالى قال الحسن أن الله يفني الجنة ثم يعيدها على ما وصفه فلذلك صح وصفها بأن عرضها كعرض السماء و الأرض و قال غيره إن الله قال عرضها كعرض السماء و الأرض و الجنة المخلوقة في السماء السابعة فلا تنافي «أعدت للذين آمنوا» أي ادخرت و هيئت للمؤمنين «بالله و رسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» معناه أنه يجزي الدائم الباقي على القليل الفاني و لو اقتصر في الجزاء على قدر ما يستحق بالأعمال كان عدلا منه لكنه تفضل بالزيادة و قيل معناه أن أحدا لا ينال خيرا في الدنيا

و الآخرة إلا بفضل الله فإنه سبحانه لو و لم يدعنا إلى الطاعة و لم يبين لنا الطريق و لم يوفقنا للعمل الصالح لما اهتدينا إليه و ذلك كله من فضل الله و أيضا فإنه سبحانه تفضل بالأسباب التي يفعل بها الطاعة من التمكين و الألطاف و كمال العقل و عرض المكلف للثواب فالتكليف أيضا تفضل و هو السبب الموصل إلى الثواب و قال أبو القاسم البلخي و البغداديون من أهل العدل إن الله سبحانه و تعالى لو اقتصر لعباده في طاعاتهم على مجرد إحساناته السالفة إليهم لكان عدلا فلهذا جعل سبحانه الثواب و الجنة فضلا و في هذه الآية أعظم رجاء لأهل الإيمان لأنه ذكر أن الجنة معدة للمؤمنين و لم يذكر مع الإيمان شيئا آخر «و الله ذو الفضل العظيم» أي ذو الإفضال العميم و الإحسان الجسيم إلى عباده ثم قال «ما أصاب من مصيبة في الأرض» مثل قحط المطر و قلة النبات و نقص الثمرات «و لا في أنفسكم» من الأمراض و الثكل بالأولاد «إلا في كتاب» يعني إلا و هو مثبت مذكور في اللوح المحفوظ «من قبل أن نبرأها» قبل أن أي من يخلق الأنفس ليستدل ملائكته به على أنه عالم لذاته يعلم الأشياء بحقائقها «إن ذلك على الله يسير» أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله يسير سهل غير عسير ثم بين سبحانه لم فعل لذلك فقال «لكيلا تأسوا على ما فاتكم» أي فعلنا ذلك لئلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا «و لا تفرحوا بما آتاكم» أي بما أعطاكم الله منها و الذي يوجب نفي الأسى و الفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما فأت منها ضمن الله تعالى عليه العوض في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك و إذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه و الحقوق الواجبة فيه فلا ينبغي أن يفرح به و أيضا فإذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له بل يجب أن يهتم لأمر الآخرة التي تدوم و لا تبيد و في هذه الآية إشارة إلى أربعة أشياء ( الأول ) حسن الخلق لأن من استوى عنده وجود الدنيا و عدمها لا يحسد و لا يعادي و لا يشاح فإن هذه من أسباب سوء الخلق و هي من نتائج حب الدنيا ( و ثانيها ) استحقار الدنيا و أهلها إذا لم يفرح بوجودها و لم يحزن لعدمها ( و ثالثها ) تعظيم الآخرة لما ينال فيها من الثواب الدائم الخالص من الشوائب ( و رابعها ) الافتخار بالله دون أسباب الدنيا و يروى أن علي بن الحسين (عليهما السلام) جاءه رجل فقال له ما الزهد فقال الزهد عشرة أجزاء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع و أعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين و أعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضاء و إن الزهد كله في آية من كتاب الله «لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم» و قيل لبزرجمهر ما لك أيها الحكيم لا تأسف على ما فأت و لا تفرح بما هو آت فقال إن الفائت لا يتلافى بالعبرة

و الآتي لا يستدام بالخبرة و عن عبد الله بن مسعود قال لئن جمرة الحسرة أحرقت ما أحرقت و أبقت ما أبقت أحب إلي من أن أقول لشيء كان ليته لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان «و الله لا يحب كل مختال فخور» أي متكبر بما أوتي فخور على الناس بالدنيا «الذين يبخلون» بمنع الواجبات «و يأمرون الناس بالبخل» و في الحديث أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سأل عن سيد بني عوف فقالوا جد بن قيس على أنه يزن بالبخل فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) و أي داء أدوى من البخل سيدكم البراء بن معرور و معنى يزن يتهم و يقرف «و من يتول» أي يعرض عما دعاه الله إليه «فإن الله هو الغني» عنه و عن طاعته و صدقته «الحميد» في جميع أفعاله ثم أقسم سبحانه فقال «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات» أي بالدلائل و المعجزات «و أنزلنا معهم الكتاب» المكتوب الذي يتضمن الأحكام و ما يحتاج إليه الخلق من الحلال و الحرام كالتوراة و الإنجيل و القرآن «و الميزان» أي و أنزلنا معهم من السماء الميزان ذا الكفتين الذي يوزن به عن ابن زيد و الجبائي و مقاتل بن سليمان و قيل معناه أنزلنا صفة الميزان «ليقوم الناس» في معاملاتهم «بالقسط» أي بالعدل و المراد و أمرنا بالعدل كقوله الله الذي أنزل الكتاب بالحق و الميزان عن قتادة و مقاتل بن حيان «و أنزلنا الحديد» روي عن ابن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض أنزل الحديد و النار و الماء و الملح و قال أهل المعاني معنى أنزلنا الحديد أنشأناه و أحدثناه كقوله و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج و إلى هذا ذهب مقاتل فقال معناه بأمرنا كان الحديد و قال قطرب معنى أنزلنا هنا هيأنا و خلقنا من النزل و هو ما يهيا للضيف أي أنعمنا بالحديد و هيأناه لكم و قيل أنزل مع آدم من الحديد العلاة و هي السندان و الكلبتان و المطرقة عن ابن عباس «فيه بأس شديد» أي يمتنع به و يحارب به عن الزجاج و المعنى أنه يتخذ منه آلتان آلة للدفع و آلة للضرب كما قال مجاهد فيه جنة و سلاح «و منافع للناس» يعني ما ينتفعون به في معاشهم مثل السكين و الفأس و الإبرة و غيرها مما يتخذ من الحديد من الآلات و قوله «و ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب» معطوف على قوله «ليقوم الناس بالقسط» أي ليعاملوا بالعدل و ليعلم الله نصرة من ينصره موجودة و جهاد من جاهد مع رسوله موجودا و قوله «بالغيب» أي بالعلم الواقع بالاستدلال و النظر من غير مشاهدة بالبصر «إن الله قوي» على الانتقام من أعدائه «عزيز» أي منيع من أن يعترض عليه في أرضه و سمائه.

النظم

وجه اتصال قوله و «ما أصاب من مصيبة» الآية بما قبلها أنه سبحانه لما بين الثواب على الطاعات عقبه ببيان الأعواض على مقاساة المصائب و الملمات فقال لا يذهب علينا عوض من أصابته مصيبة ما فإن كانت من فعلنا نعوضه بالأضعاف من جزائنا و إن كان من فعل عبادنا فباستيفائنا ذلك منهم ثم أكد ذلك بقوله «لكيلا تأسوا» الآية لأن المصيبة لو كانت بغير عوض في العاقبة لازداد الأسى و الحزن فإن الحزن كل الحزن في الخسران الذي ليس له جبران ثم عقب ذلك بقوله «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات» الآية فبين أنه سبحانه لطف لعباده بما يدعو إلى الخشوع و الخضوع و ترك الخيلاء.