۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الواقعة، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١ لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ ٢ خَافِضَةٞ رَّافِعَةٌ ٣ إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا ٤ وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا ٥ فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا ٦ وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ ٧ فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ٨ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ٩ وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ١٠ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ١١ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ١٢ ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣ وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٤ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ ١٥ مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ ١٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْس لِوَقْعَتهَا كاذِبَةٌ (2) خَافِضةٌ رّافِعَةٌ (3) إِذَا رُجّتِ الأَرْض رَجّا (4) وَ بُستِ الْجِبَالُ بَسّا (5) فَكانَت هَبَاءً مّنبَثّا (6) وَ كُنتُمْ أَزْوَجاً ثَلَثَةً (7) فَأَصحَب الْمَيْمَنَةِ مَا أَصحَب الْمَيْمَنَةِ (8) وَ أَصحَب المَْشئَمَةِ مَا أَصحَب المَْشئَمَةِ (9) وَ السبِقُونَ السبِقُونَ (10) أُولَئك الْمُقَرّبُونَ (11) فى جَنّتِ النّعِيمِ (12) ثُلّةٌ مِّنَ الأَوّلِينَ (13) وَ قَلِيلٌ مِّنَ الاَخِرِينَ (14) عَلى سرُرٍ مّوْضونَةٍ (15) مّتّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَبِلِينَ (16)

القراءة

في الشواذ قراءة الحسن و الثقفي و أبي حيوة خافضة رافعة بالنصب.

الحجة

هذا منصوب على الحال قال ابن جني و قوله «ليس لوقعتها كاذبة» حال أخرى قبلها أي إذا وقعت الواقعة صادقة الوقعة خافضة رافعة فهذه ثلاثة أحوال و مثله مررت بزيد جالسا متكئا ضاحكا و إن شئت أن تأتي بأضعاف ذلك جاز و حسن كما أن لك أن تأتي للمبتدأ من الأخبار بما شئت فتقول زيد عالم جميل فارس كوفي بزاز و نحو ذلك أ لا ترى أن الحال زيادة في الخبر و ضرب منه.

اللغة

الكاذبة مصدر مثل العافية و العاقبة و الرج التحريك باضطراب و اهتزاز و منه

قولهم ارتج السهم عند خروجه من القوس و ألبس الفت كما يبس السويق أي يلت قال الشاعر:

{لا تخبزا خبزا و بسابسا}

و البسيس السويق أو الدقيق يتخذ زادا و بست أيضا سيقت عن الزجاج قال الشاعر:

{و انبس حبات الكثيب الأهيل}

و الهباء غبار كالشعاع في الرقة و كثيرا ما يخرج مع شعاع الشمس من الكوة النافذة و الانثباث افتراق الأجزاء الكثيرة في الجهات المختلفة و الأزواج الأصناف التي بعضها مع بعض كما يقال للخفين زوجان و الثلاثة الجماعة و أصله القطعة من قولهم ثل عرشه إذا قطع ملكه بهدم سريره و الثلة القطعة من الناس و الموضونة المنسوجة المتداخلة كصفة الدرع المضاعفة قال الأعشى:

{ومن نسج داود موضونة --- تساق إلى الحي عيرا فعيرا}

ومنه وضين الناقة و هو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا.

الإعراب

«إذا وقعت الواقعة» ظرف من معنى ليس لأن التقدير لا يكون لوقعتها كاذبة و ليس نفي الحال فلا يكون إذا ظرفا منه و يجوز أن يكون العامل في إذا محذوفا لدلالة الموضع عليه كأنه قال إذا وقعت الواقعة كذلك فاز المؤمنون و خسر الكافرون و قال أبو علي تقديره فهي خافضة رافعة فأضمر المبتدأ مع الفاء و جعلها جواب إذا أي خفضت قوما و رفعت قوما إذ ذاك ف «خافضة رافعة» خبر المبتدأ المحذوف و قوله «إذا رجت الأرض رجا» بدل من قوله «إذا وقعت الواقعة» و يجوز أن يكون ظرفا من يقع أي يقع في ذلك الوقت و يجوز أن يكون خبرا عن إذا الأولى و نظيره إذا تزورني إذا أزور زيدا أي وقت زيارتك إياي وقت زيارتي زيدا قال ابن جني و يجوز أن يفارق إذا الظرفية كقول لبيد:

{حتى إذا ألقت يدا في كافر --- و أجن عورات الثغور ظلامها}

و قوله سبحانه «حتى إذا كنتم في الفلك» فإذا مجرورة عند أبي الحسن بحتى و ذلك يخرجها من الظرفية و أقول فعلى هذا لا يكون قوله «إذا» ظرفا في الموضعين بل كل واحد منهما في موضع الرفع لكونهما مبتدأ و خبرا بخلاف ما ظنه بعض المجودين من محققي زماننا في النحو فإنه قال قال عثمان يعني ابن جني العامل في «إذا وقعت» قوله «إذا رجت» و هذا خطأ فاحش «فأصحاب الميمنة» رفع بالابتداء و التقدير فأصحاب الميمنة ما هم أي أي شيء هم «و أصحاب المشأمة» أي أي شيء هم و هذه اللفظة مجراة مجرى التعجب و متكئين و متقابلين نصب على الحال.

المعنى

«إذا وقعت الواقعة» أي إذا قامت القيامة عن ابن عباس و الواقعة اسم القيامة كالآزفة و غيرها و المعنى إذا حدثت الحادثة و هي الصيحة عند النفخة الأخيرة لقيام الساعة و قيل سميت بها لكثرة ما يقع فيها من الشدة أو لشدة وقعها و تقديره اذكروا إذا وقعت الواقعة و هذا حث على الاستعداد لها «ليس لوقعتها كاذبة» أي ليس لمجيئها و ظهورها كذب و معناه أنها تقع صدقا و حقا فليس فيها و لا في الإخبار عنها و وقوعها كذب و قيل معناه ليس لوقوعها قضية كاذبة أي ثبت وقوعها بالسمع و العقل «خافضة رافعة» أي تخفض ناسا و ترفع آخرين عن ابن عباس و قيل تخفض أقواما إلى النار و ترفع أقواما إلى الجنة عن الحسن و الجبائي

والمعنى الجامع للقولين أنها تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين و تجعلهم أذلة بإدخالهم النار و ترفع رجالا كانوا في الدنيا أذلة و تجعلهم أعزة بإدخالهم الجنة «إذا رجت الأرض رجا» أي حركت حركة شديدة و قيل زلزلت زلزالا شديدا عن ابن عباس و قتادة و مجاهد أي رجفت بإماتة من على ظهرها من الأحياء و قيل معناه رجت بما فيها كما يرج الغربال بما فيه فيكون المراد ترج بإخراج من في بطنها من الموتى.

«و بست الجبال بسا» أي فتت فتا عن ابن عباس و مجاهد و مقاتل و قيل معناه كسرت كسرا عن السدي عن سعيد بن المسيب و قيل قلعت من أصلها عن الحسن و قيل سيرت عن وجه الأرض تسييرا عن الكلبي و قيل بسطت بسطا كالرمل و التراب عن ابن عطية و قيل جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة عن ابن كيسان.

«فكانت هباء منبثا» أي غبارا متفرقا كالذي يرى في شعاع الشمس إذ دخل من الكوة ثم وصف سبحانه أحوال الناس بأن قال «و كنتم أزواجا ثلاثة» أي أصنافا ثلاثة ثم فسرها فقال «فأصحاب الميمنة» يعني اليمين و هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم عن الضحاك و الجبائي و قيل هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة و قيل هم أصحاب اليمن و البركة على أنفسهم و الثواب من الله سبحانه بما سعوا من الطاعة و هم التابعون بإحسان عن الحسن و الربيع ثم عجب سبحانه رسوله من حالهم تفخيما لشأنهم فقال «ما أصحاب الميمنة» أي أي شيء هم كما يقال هم ما هم. «و أصحاب المشأمة» و هم الذين يعطون كتبهم بشمالهم و قيل هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار و قيل هم المشائيم على أنفسهم بما عملوا من المعصية ثم عجب سبحانه رسوله من حالهم تفخيما لشأنهم في العذاب فقال «ما أصحاب المشأمة»

ثم بين سبحانه الصنف الثالث فقال «و السابقون السابقون» أي و السابقون إلى اتباع الأنبياء الذين صاروا أئمة الهدى فهم السابقون إلى جزيل الثواب عند الله عن الجبائي و قيل معناه السابقون إلى طاعة الله و هم السابقون إلى رحمته و السابق إلى الخير إنما كان أفضل لأنه يقتدى به في الخير و سبق إلى أعلى المراتب قبل من يجيء بعده فلهذا يميز بين التابعين فعلى هذا يكون السابقون الثاني خبرا عن الأول و يجوز أن يكون الثاني تأكيدا للأول و الخبر «أولئك المقربون» أي و السابقون إلى الطاعات يقربون إلى رحمة الله في أعلى المراتب و إلى جزيل ثواب الله في أعظم الكرامة ثم أخبر تعالى أين محلهم فقال «في جنات النعيم» لئلا يتوهم متوهم أن التقريب يخرجهم إلى دار أخرى فأعلم سبحانه أنهم مقربون من كرامة الله في الجنة لأن الجنة درجات و منازل بعضها أرفع من بعض و قد قيل في السابقين إنهم السابقون إلى الإيمان عن مقاتل و عكرمة و قيل السابقون إلى الهجرة عن ابن عباس و قيل إلى الصلوات الخمس عن علي (عليه السلام) و قيل إلى الجهاد عن الضحاك و قيل إلى التوبة و أعمال البر عن سعيد بن جبير و قيل إلى كل ما دعا الله إليه عن ابن كيسان و هذا أولى لأنه يعم الجميع و كان عروة بن الزبير يقول تقدموا تقدموا و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال السابقون أربعة ابن آدم المقتول و سابق في أمة موسى (عليه السلام) و هو مؤمن آل فرعون و سابق في أمة عيسى (عليه السلام) و هو حبيب النجار و السابق في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) علي ابن أبي طالب (عليه السلام) «ثلة من الأولين» أي هم ثلة يعني جماعة كثيرة العدد من الأولين من الأمم الماضية «و قليل من الآخرين» من أمة محمد لأن من سبق إلى إجابة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) قليل بالإضافة إلى من سبق إلى إجابة النبيين قبله عن جماعة من المفسرين و قيل معناه جماعة من أوائل هذه الأمة و قليل من أواخرهم ممن قرب حالهم من حال أولئك قال مقاتل يعني سابقي الأمم و قليل من الآخرين من هذه الأمة «على سرر موضونة» أي منسوجة كما يوضن حلق الدرع فيدخل بعضها في بعض قال المفسرون منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر و الجواهر «متكئين عليها» أي مستندين جالسين جلوس الملوك «متقابلين» أي متحاذين كل واحد منهم بإزاء الآخر و ذلك أعظم في باب السرور و المعنى أن بعضهم ينظر إلى وجه بعض لا ينظر في قفاه لحسن معاشرتهم و تهذب أخلاقهم.