۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الرحمن، آية ٦

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلرَّحۡمَٰنُ ١ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ ٥ وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ ٦ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧ أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ ٨ وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩ وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١ وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الرّحْمَنُ (1) عَلّمَ الْقُرْءَانَ (2) خَلَقَ الانسنَ (3) عَلّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشمْس وَ الْقَمَرُ بحُسبَانٍ (5) وَ النّجْمُ وَ الشجَرُ يَسجُدَانِ (6) وَ السمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضعَ الْمِيزَانَ (7) أَلا تَطغَوْا فى الْمِيزَانِ (8) وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسطِ وَ لا تخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَ الأَرْض وَضعَهَا لِلأَنَامِ (10) فِيهَا فَكِهَةٌ وَ النّخْلُ ذَات الأَكْمَامِ (11) وَ الحَْب ذُو الْعَصفِ وَ الرّيحَانُ (12) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)

القراءة

قرأ ابن عامر و الحب ذا العصف و الريحان بالنصب فيهما جميعا و قرأ حمزة و الكسائي و خلف «و الحب ذو العصف» بالرفع و الريحان بالجر و الباقون بالرفع في الجميع و في الشواذ قراءة أبي السماك و السماء رفعها بالرفع و قرأ بلال بن أبي بردة و لا تخسروا بفتح التاء و السين و بكسر السين أيضا.

الحجة

قال أبو علي قال أبو عبيدة العصف الذي يعصف فيؤكل من الزرع و هي العصيفة قال علقمة بن عبدة:

{تسقي مذانب قد مالت عصيفتها --- حدودها من أتى الماء مطموم}

و الريحان الحب الذي يؤكل يقال سبحانك و ريحانك أي و رزقك قال النمر بن تغلب:

{سلام الإله و ريحانة ---و رحمته و سماء درر}

و قيل العصف و العصيفة ورق الزرع و عن قتادة العصف التبن و من قرأ و الحب ذا العصف حمله على و خلق الحب و خلق و الريحان و هو الرزق و يقوي ذلك قوله فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى و من رفع الريحان فالتقدير فيها فاكهة و الريحان و الحب ذو العصف و من جر فالتقدير فالحب ذو العصف و ذو الريحان أي من الحب الرزق فإن قلت فإن العصف و العصيفة رزق أيضا فكأنه قال ذو الرزق و ذو الرزق قيل هذا لا يمتنع لأن العصيفة رزق غير الرزق الذي أوقع الريحان عليه و كان الريحان أريد به الحب إذا خلص من لفائفه فأوقع عليه الرزق لعموم المنفعة به و أنه رزق للناس و غيرهم و يبعد أن يكون الريحان المشموم في هذا الموضع إنما هو قوت الناس و الأنعام كما قال فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا و ارعوا أنعامكم و قوله «و السماء رفعها» قال ابن جني الرفع هنا أظهر من قراءة الجماعة و ذلك أنه صرفه إلى الابتداء لأنه عطفه على الجملة المركبة من المبتدأ و الخبر و هي قوله «و النجم و الشجر يسجدان» فأما قراءة العامة بالنصب فإنها معطوفة على يسجدان وحدها و هي جملة من فعل و فاعل و العطف يقتضي التماثل في تركيب الجمل فيصير تقديره يسجدان و رفع السماء فلما أضمر رفع فسره بقوله «رفعها» كقولك قام زيد و عمرا ضربته أي و ضربت عمرا لتعطف جملة من فعل و فاعل على أخرى مثلها و أما قوله تخسروا بفتح التاء فإنه على حذف حرف الجر أي لا تخسروا في الميزان فلما حذف حرف الجر أفضى إليه الفعل فنصبه كقوله و اقعدوا لهم كل مرصد أي في كل مرصد أو على كل مرصد و أما تخسروا بفتح التاء و كسر السين فعلى خسرت الميزان و إنما المشهور أخسرته تقول خسر الميزان و أخسرته و يشبه أن يكون خسرته لغة في أخسرته نحو أجبرت الرجل و جبرته و أهلكته و هلكته.

اللغة

الرحمن هو الذي وسعت رحمته كل شيء فلذلك لا يوصف به إلا الله تعالى و أما راحم و رحيم فيجوز أن يوصف بهما العباد و البيان هو الأدلة الموصلة إلى العلم و قيل البيان إظهار المعنى للنفس بما يتميز به من غيره كتميز معنى رجل من معنى فرس و معنى قادر من معنى عاجز و معنى عام من معنى خاص و الحسبان مصدر حسبته أحسبه حسابا و حسبانا نحو السكران و الكفران و قيل هو جمع حساب كشهاب و شهبان و النجم من النبات ما

لم يقم على ساق نحو العشب و البقل و الشجر ما قام على ساق و أصله الطلوع يقال نجم القرن و النبات إذا طلعا و به سمي نجم السماء لطلوعه و الأكمام جمع كم و هو وعاء ثمرة النخل تكمم في وعائه إذا اشتمل عليه و الآلاء النعم واحدها إلى على وزن معي و ألى على وزن قفا عن أبي عبيدة.

الإعراب

«الرحمن» آية مع أنه ليس بجملة لأنه في تقدير الله الرحمن حتى تصح الفاصلة فهو خبر مبتدإ محذوف نحو قوله سورة أنزلناها أي هذه سورة «ألا تطغوا» تقديره لأن لا تطغوا فهو في محل نصب بأنه مفعول له و لفظه نفي و معناه نهي و لذلك عطف عليه بقوله «و أقيموا الوزن» و قوله «فيها فاكهة» مبتدأ و خبر في موضع نصب على الحال.

المعنى

«الرحمن» افتتح سبحانه هذه السورة بهذا الاسم ليعلم العباد أن جميع ما وصفه يعد من أفعاله الحسنى إنما صدرت من الرحمة التي تشمل جميع خلقه و كأنه جواب لقولهم و ما الرحمن في قوله و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن و قد روي أنه لما نزل قوله قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن قالوا ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة فقيل لهم «الرحمن علم القرآن» أي علم محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن و علمه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أمته عن الكلبي و قيل هو جواب لأهل مكة حين قالوا إنما يعلمه بشر فبين سبحانه أن الذي علمه القرآن هو الرحمن و التعليم هو تبيين ما به يصير من لم يعلم عالما و الإعلام إيجاد ما به يصير عالما ذكر سبحانه النعمة فيما علم من الحكمة بالقرآن الذي احتاج إليه الناس في دينهم ليؤدوا ما يجب عليهم و يستوجبوا الثواب بطاعة ربهم قال الزجاج معنى علم القرآن يسره لأن يذكر «خلق الإنسان» أي أخرجه من العدم إلى الوجود و المراد بالإنسان هنا آدم (عليه السلام) عن ابن عباس و قتادة «علمه البيان» أي أسماء كل شيء و اللغات كلها قال الصادق (عليه السلام) البيان الاسم الأعظم الذي به علم كل شيء و قيل الإنسان اسم الجنس و قيل معناه الناس جميعا.

«علمه البيان» أي النطق و الكتابة و الخط و الفهم و الأفهام حتى يعرف ما يقول و ما يقال له عن الحسن و أبي العالية و ابن زيد و السدي و هذا هو الأظهر الأعم و قيل البيان هو الكلام الذي يبين به عن مراده و به يتميز من سائر الحيوانات عن الجبائي و قيل «خلق الإنسان» يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) «علمه البيان» يعني ما كان و ما يكون عن ابن كيسان «الشمس و القمر بحسبان» أي يجريان بحسبان و منازل لا يعدوانها و هما يدلان على عدد الشهور و السنين و الأوقات عن ابن عباس و قتادة فأضمر يجريان و حذفه لدلالة الكلام عليه و تحقيق معناه أنهما يجريان على وتيرة واحدة

و حساب متفق على الدوام لا يقع فيه تفاوت فالشمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما و شيء و القمر في ثمانية و عشرين يوما فيجريان أبدا على هذا الوجه و إنما خصهما بالذكر لما فيهما من المنافع الكثيرة للناس من النور و الضياء و معرفة الليل و النهار و نضج الثمار إلى غير ذلك فذكرهما لبيان النعمة بهما على الخلق «و النجم و الشجر يسجدان» يعني بالنجم نبت الأرض الذي ليس له ساق و بالشجر ما كان له ساق يبقى في الشتاء عن ابن عباس و سعيد بن جبير و سفيان الثوري و قيل أراد بالنجم نجم السماء و هو موحد و المراد به جميع النجوم و الشجر يسجدان لله بكرة و عشيا كما قال في موضع آخر و الشجر و الدواب عن مجاهد و قتادة و قال أهل التحقيق إن المعنى في سجودهما هو ما فيهما من الآية الدالة على حدوثهما و على أن لهما صانعا أنشأهما و ما فيهما من الصنعة و القدرة التي توجب السجود و قيل سجودهما سجود ظلالهما كقوله يتفيؤا ظلاله عن اليمين و الشمائل سجدا لله و هم داخرون عن الضحاك و سعيد بن جبير و المعنى فيه أن كل جسم له ظل فهو يقتضي الخضوع بما فيه من دليل الحدوث و إثبات المحدث المدبر و قيل معنى سجودهما أنه سبحانه يصرفهما على ما يريده من غير امتناع فجعل ذلك خضوعا و معنى السجود الخضوع كما في قوله ( ترى الأكم فيها سجدا للحوافر ) عن الجبائي «و السماء رفعها» أي و رفع السماء رفعها فوق الأرض دل سبحانه بذلك على كمال قدرته «و وضع الميزان» يعني آلة الوزن للتوصل إلى الإنصاف و الانتصاف عن الحسن و قتادة قال قتادة هو الميزان المعهود ذو اللسانين و قيل المراد بالميزان العدل و المعنى أنه أمرنا بالعدل عن الزجاج و يدل عليه قوله «ألا تطغوا في الميزان» أي لا تتجاوزوا فيه العدل و الحق إلى البخس و الباطل تقديره فعلت ذلك لئلا تطغوا و يحتمل أيضا أن يكون لا تطغوا نهيا منفردا و تكون أن مفسرة بمعنى أي و قيل إن المراد بالميزان القرآن الذي هو أصل الدين فكأنه تعالى بين أدلة العقل و أدلة السمع و إنما أعاد سبحانه ذكر الميزان من غير إضمار ليكون الثاني قائما بنفسه في النهي عنه إذا قيل لهم لا تطغوا في الميزان «و أقيموا الوزن بالقسط» أي أقيموا لسان الميزان بالعدل إذا أردتم الأخذ و الإعطاء «و لا تخسروا الميزان» أي لا تنقصوه بالبخس و الجور بل سووه بالإنصاف و العدل قال سفيان بن عيينة الإقامة باليد و القسط بالقلب «و الأرض وضعها للأنام» لما ذكر السماء ذكر الأرض في مقابلتها أي و بسط الأرض و وطأها للناس و قيل الأنام كل شيء فيه روح عن ابن عباس و قيل الأنام الجن و الإنس عن الحسن و قيل جميع الخلق من كل ذي روح عن مجاهد و عبر عن الأرض بالوضع لما عبر عن السماء بالرفع و في ذلك بيان النعمة على الخلق و بيان وحدانية الله تعالى كما في رفع السماء «فيها فاكهة» أي في الأرض ما يتفكه به من ألوان

###

الثمار المأخوذة من الأشجار «و النخل ذات الأكمام» أي الأوعية و الغلف و ثمر النخل يكون في غلف ما لم ينشق و قيل الأكمام ليف النخل الذي تكم فيه عن الحسن و قيل معناه ذات الطلع لأنه الذي يتغطى بالأكمام عن ابن زيد «و الحب» يريد جميع الحبوب مما يحرث في الأرض من الحنطة و الشعير و غيرهما «ذو العصف» أي ذو الورق فإذا يبس و ديس صار تبنا عن مجاهد و الجبائي و قيل العصف التبن لأن الريح تعصفه أي تطيره عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل هو بقل الزرع و هو أول ما ينبت منه عن السدي و الفراء «و الريحان» يعني الرزق في قول الأكثرين و قال الحسن و ابن زيد هو ريحانكم الذي يشم و قال الضحاك الريحان الحب المأكول و العصف الورق الذي لا يؤكل فهو رزق الدواب و الريحان رزق الناس فذكر سبحانه قوت الناس و الأنعام ثم خاطب الإنس و الجن بقوله «فبأي آلاء ربكما تكذبان» أي فبأي نعم ربكما من هذه الأشياء المذكورة تكذبان لأنها كلها منعم عليكم بها و المعنى أنه لا يمكن جحد شيء من هذه النعم فأما الوجه لتكرار هذه الآية في هذه السورة فإنما هو التقرير بالنعم المعدودة و التأكيد في التذكير بها فكلما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها قرر عليها و وبخ على التكذيب بها كما يقول الرجل لغيره أ ما أحسنت إليك حين أطلقت لك مالا أ ما أحسنت إليك حين ملكتك عقارا أ ما أحسنت إليك حين بنيت لك دارا فيحسن فيه التكرار لاختلاف ما يقرره به و مثله كثير في كلام العرب و أشعارهم قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا:

{على أن ليس عدلا من كليب --- إذا طرد اليتيم عن الجزور} {على أن ليس عدلا من كليب --- إذا ما ضيم جيران المجير} {على أن ليس عدلا من كليب --- إذا رجف العضاة من الدبور} {على أن ليس عدلا من كليب --- إذا خرجت مخبأة الخدور} {على أن ليس عدلا من كليب --- إذا ما أعلنت نجوى الصدور}

و قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:

{لنعم الفتى يا توب كنت و لم تكن --- لتسبق يوما كنت فيه تجاول} {ونعم الفتى يا توب كنت إذا التقت -- صدور العوالي و استشال الأسافل} {ونعم الفتى يا توب كنت لخائف --- أتاك لكي تحمي و نعم المجامل} {ونعم الفتى يا توب جارا و صاحبا --- ونعم الفتى يا توب حين تناضل} {لعمري لأنت المرء أبكي لفقده --- ولو لام فيه ناقص الرأي جاهل} {لعمري لأنت المرء أبكي لفقده --- إذا كثرت بالملجمين التلاتل} {أبى لك ذم الناس يا توب كلما --- ذكرت أمور محكمات كوامل} {أبى لك ذم الناس يا توب كلما --- ذكرت سماح حين تأوي الأرامل} {فلا يبعدنك الله يا توب إنما --- كذاك المنايا عاجلات وآجل} {فلا يبعدنك الله يا توب إنما --- لقيت حمام الموت و الموت عاجل}

فخرجت في هذه الأبيات من تكرار إلى تكرار لاختلاف المعاني التي عددتها و قال الحارث بن عباد:

{قربا مربط النعامة مني --- لقحت حرب وائل عن حيال}

و كرر هذه اللفظة قربا مربط النعامة مني في أبيات كثيرة و في أمثال هذا كثرة و هذا هو الجواب بعينه عن التكرار لقوله ويل يومئذ للمكذبين في المرسلات.