۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القمر، آية ٢٩

التفسير يعرض الآيات ٢٢ إلى ٣١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٢٢ كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ٢٣ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ ٢٤ أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ ٢٥ سَيَعۡلَمُونَ غَدٗا مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ ٢٦ إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ ٢٧ وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبٖ مُّحۡتَضَرٞ ٢٨ فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ٢٩ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٠ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ ٣١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ يَسرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ (22) كَذّبَت ثَمُودُ بِالنّذُرِ (23) فَقَالُوا أَ بَشراً مِّنّا وَحِداً نّتّبِعُهُ إِنّا إِذاً لّفِى ضلَلٍ وَ سعُرٍ (24) أَ ءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (25) سيَعْلَمُونَ غَداً مّنِ الْكَذّاب الأَشِرُ (26) إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لّهُمْ فَارْتَقِبهُمْ وَ اصطبرْ (27) وَ نَبِّئْهُمْ أَنّ الْمَاءَ قِسمَةُ بَيْنهُمْ كلّ شِرْبٍ محْتَضرٌ (28) فَنَادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعَاطى فَعَقَرَ (29) فَكَيْف كانَ عَذَابى وَ نُذُرِ (30) إِنّا أَرْسلْنَا عَلَيهِمْ صيْحَةً وَحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُْحْتَظِرِ (31)

القراءة

قرأ ابن عامر و حمزة ستعلمون بالتاء و الباقون بالياء و في الشواذ قراءة أبي السماك أ بشر منا بالرفع واحدا نتبعه بالنصب و قراءة أبي قلابة الكذاب الأشر بالتشديد و قراءة مجاهد الأشر بضم الشين خفيفة و قراءة الحسن كهشيم المحتظر بفتح الظاء.

الحجة

قال أبو علي وجه الياء أن قبله غيبة و هو قوله «فقالوا أ بشرا منا» «سيعلمون» و وجه التاء على أنه قيل لهم ستعلمون و قال ابن جني قوله «أ بشر» عندي مرفوع بفعل يدل عليه قوله «أ ألقي الذكر عليه» فكأنه قال أ يبعث بشر منا فأما انتصاب واحدا فإن شئت جعلته حالا من الضمير في قوله «منا» أي ينبأ بشر كائن منا و الناصب لهذه الحال الظرف كقولك زيد في الدار جالسا و إن شئت جعلته حالا من الضمير في قوله «نتبعه» أي نتبعه واحدا أي منفردا لا ناصر له و قوله «الأشر» بتشديد الراء هو الأصل المرفوض لأن أصل قولهم هذا خير منه و شر منه هذا أخير منه و هذا أشر منه فكثر استعمال هاتين الكلمتين فحذفت الهمزة منهما و أما الأشر فإنه مما جاء على فعل و فعل من الصفات كحذر و حذر و يقظ و يقظ و وطف و وطف و عجز و عجز و أما المحتظر فإنه مصدر أي كهشيم الاحتظار كقولك كأجر البناء و خشب النجارة و يجوز أن يكون المحتظر الشجر أي كهشيم الشجر المتخذة منه الحظيرة أي كما تتهافت من الشجر المجعول حظيرة و الهشيم ما تهشم منه و انتثر.

اللغة

السعر جمع سعير و هو النار المسعرة و السعر الجنون يقال ناقة مسعورة إذا كانت كان بها جنونا و سعر فلان جنونا و أصله التهاب الشيء و التعاطي التناول و المحتظر الذي يعمل الحظيرة على بستانه أو غنمه و هو المنع من الفعل.

الإعراب

«أ بشرا» منصوب بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره و تقديره أ نتبع بشرا منا و قوله «منا» صفة أي أ بشرا كائنا منا و واحدا صفة بعد صفة و البشر يقع على الواحد و الجمع و قوله «من بيننا» في محل النصب على الظرف و فتنة منصوب بأنه مفعول له و يجوز أن يكون مصدرا وضع موضع الحال أي فاتنين لهم.

المعنى

ثم أقسم سبحانه فقال «و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» قد فسرناه و قيل أنه سبحانه إنما أعاد ذكر التيسير لينبىء أنه يسره على كل حال و كل وجه من وجوه التيسير فمن الوجوه التي يسر الله تعالى بها القرآن هو أن أبان عن الحكم الذي يعمل عليه و المواعظ التي يرتدع بها و المعاني التي تحتاج إلى التنبيه عليها و الحجج التي يميز بها بين الحق و الباطل عن علي بن عيسى «كذبت ثمود بالنذر» أي بالإنذار الذي جاءهم به صالح و من قال إن النذر جمع نذير قال معناه أنهم كذبوا الرسل بتكذيبهم صالحا لأن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الجميع لأنهم متفقون في الدعاء إلى التوحيد و إن اختلفوا في الشرائع «فقالوا أ بشرا منا واحدا نتبعه» أي أ نتبع آدميا مثلنا و هو واحد «إنا إذا لفي ضلال» أي نحن إن فعلنا ذلك في خطإ و ذهاب عن الحق «و سعر» أي و في عناء و شدة عذاب فيما يلزمنا من طاعته عن قتادة و قيل في جنون عن ابن عباس في رواية عطاء و الفائدة في الآية بيان شبهتهم الركيكة التي حملوا أنفسهم على تكذيب الأنبياء من أجلها و هي أن الأنبياء ينبغي أن يكونوا جماعة و ذهب عليهم أن الواحد من الخلق يصلح لتحمل أعباء الرسالة و إن لم يصلح له غيره من جهة معرفته بربه و سلامة ظاهره و باطنه و قيامه بما كلف من الرسالة «أ ألقي الذكر عليه من بيننا» هذا استفهام إنكار و جحود أي كيف ألقي الوحي عليه و خص بالنبوة من بيننا و هو واحد منا «بل هو كذاب» فيما يقول «أشر» أي بطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بالنبوة ثم قال سبحانه «سيعلمون غدا من الكذاب الأشر» و هذا وعيد لهم أي سيعلمون يوم القيامة إذا نزل بهم العذاب أ هو الكذاب أم هم في تكذيبه و هو الأشر البطر أم هم فذكر مثل لفظهم مبالغة في توبيخهم و تهديدهم و إنما قال «غدا» على وجه التقريب على عادة الناس في ذكرهم الغد و المراد به العاقبة قالوا إن مع اليوم غدا «إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم» أي نحن باعثو الناقة بإنشائها على ما طلبوها معجزة لصالح و قطعا لعذرهم و امتحانا و اختبارا لهم و هاهنا حذف و هو أنهم تعنتوا على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء تضع ثم ترد ماءهم فتشربه ثم تعود عليهم بمثله لبنا فقال سبحانه إنا باعثوها كما سألوها فتنة لهم عن ابن عباس «فارتقبهم» أي انتظر أمر الله فيهم و قيل فارتقبهم أي انتظر ما يصنعون «و اصطبر» على ما يصيبك من الأذى حتى يأتي أمر الله فيهم «و نبئهم» أي أخبرهم «أن الماء قسمة بينهم» يوم للناقة و يوم لهم «كل شرب محتضر» أي كل نصيب من الماء يحضره أهله لا يحضر آخر معه ففي يوم الناقة تحضره الناقة و في يومهم يحضرونه هم و حضر و احتضر بمعنى واحد و إنما قال قسمة بينهم تغليبا لمن يعقل و المعنى يوم لهم و يوم لها و قيل إنهم كانوا يحضرون الماء إذا غابت الناقة و يشربونه و إذا حضرت حضروا اللبن و تركوا الماء لها عن مجاهد «فنادوا صاحبهم» أي دبروا في أمر الناقة بالقتل فدعوا واحدا من أشرارهم و هو قدار بن سالف عاقر الناقة «فتعاطى فعقر» أي تناول الناقة بالعقر فعقرها و قيل أنه كمن لها في أصل صخرة فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها و كان يقال له أحمر ثمود و أحيمر ثمود قال الزجاج و العرب تغلط فتجعله أحمر عاد فتضرب به المثل في الشؤم قال زهير:

{و تنتج لكم غلمان أشأم كلهم --- كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم}

«فكيف كان عذابي و نذر» أي فانظر كيف أهلكتهم و كيف كان عذابي لهم و إنذاري إياهم «إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة» يريد صيحة جبرائيل (عليه السلام) عن عطاء و قيل الصيحة العذاب «فكانوا كهشيم المحتظر» أي فصاروا كهشيم و هو حطام الشجر المنقطع بالكسر و الرض الذي يجمعه صاحب الحظيرة الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها من برد الريح و المعنى أنهم بادوا و هلكوا فصاروا كيبيس الشجر المفتت إذا تحطم عن ابن عباس و قيل معناه صاروا كالتراب الذي يتناثر من الحائط فتصيبه الرياح فيتحظر مستديرا عن سعيد بن جبير.