۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القمر، آية ١

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ ١ وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ ٢ وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ ٣ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ ٤ حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ ٥ فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ ٦ خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ ٧ مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ ٨ ۞ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ ٩ فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ اقْترَبَتِ الساعَةُ وَ انشقّ الْقَمَرُ (1) وَ إِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مّستَمِرّ (2) وَ كذّبُوا وَ اتّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَ كلّ أَمْرٍ مّستَقِرّ (3) وَ لَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكمَةُ بَلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النّذُرُ (5) فَتَوَلّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاع إِلى شىْءٍ نّكرٍ (6) خُشعاً أَبْصرُهُمْ يخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنهُمْ جَرَادٌ مّنتَشِرٌ (7) مّهْطِعِينَ إِلى الدّاع يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذّبُوا عَبْدَنَا وَ قَالُوا مجْنُونٌ وَ ازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبّهُ أَنى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10)

القراءة

قرأ أبو جعفر و كل أمر مستقر بالجر و الباقون بالرفع و قرأ ابن كثير و نافع «يوم يدع الداع» بغير ياء و مهطعين إلى الداعي بياء في الوصل و روي عن ورش يوم يدع الداعي بياء في الوصل و قرأهما أبو جعفر و أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل و الباقون بغير ياء في وصل و لا وقف و قد تقدم القول في هذا النحو و قرأ ابن كثير إلى شيء نكر بالتخفيف و الباقون «نكر» بضمتين و قرأ أهل العراق غير عاصم خاشعا أبصارهم و الباقون «خشعا» و في الشواذ قراءة حذيفة و قد انشق القمر و قراءة مجاهد و الجحدري و أبي قلابة «إلى شيء نكر».

الحجة

من قرأ «مستقر» بالجر جعله صفة لأمر و من قرأه بالرفع جعله خبرا لكل أمر و أما قراءة «نكر» فإنه على فعل و هو أحد الحروف التي جاءت صفة على هذه الزنة و مثله ناقة أجد و مشية سجع صفة قال:

{دعوا التحاجز و امشوا مشية سجحا ---إن الرجال ذوو عضب و تذكير}

ومن قرأ نكر خففه مثل رسل و كتب و الضمة في تقدير الثبات و من قرأ خاشعا أبصارهم فإنه كما لم يلحق علامة التأنيث لم يجمع و حسن أن لا يؤنث لأن التأنيث ليس بحقيقي و من قال «خشعا» فقد أثبت ما يدل على الجمع و هو على لفظ الإفراد و دل لفظ الجمع على لفظ ما يدل عليه التأنيث الذي ثبت في نحو قوله في الآية الأخرى «خاشعة أبصارهم» و خشعت الأصوات للرحمن» قال الزجاج و لك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد نحو قوله ( خاشعا أبصارهم ) و لك التوحيد و التأنيث نحو خاشعة أبصارهم و لك الجمع نحو «خشعا أبصارهم» تقول مررت بشباب حسن أوجههم و حسان وجوههم و حسنة أوجههم قال:

{و شباب حسن أوجههم --- من أياد بن نزار بن معد}

قال ابن جني قراءة حذيفة و قد انشق القمر يجري مجرى الموافقة على إسقاط العذر و رفع التشكك أي قد كان انشقاق القمر متوقعا دلالة على قرب الساعة فإذا كان قد انشق وانشقاقه من أشراطها و قد يؤكد الأمر في قرب وقوعها و ذلك أن قد إنما هو جواب وقوع أمر كان متوقعا.

اللغة

في اقتربت زيادة مبالغة على قرب كما أن في اقتدر زيادة مبالغة على قدر لأن أصل افتعل إعداد المعنى بالمبالغة نحو اشتوى إذا اتخذ شواء بالمبالغة في إعداده و الأهواء جمع الهوى و هو رقة القلب بميل الطباع كرقة هواء الجو يقال هوي يهوى هوى فهو هو إذا مال طبعه إلى الشيء و المزدجر المتعظ مفتعل من الزجر إلا أن التاء أبدلت دالا لتوافق الزاي بالجهر و يقال أنكرت الشيء فهو منكر و نكرته فهو منكور و قد جمع الأعشى بين اللغتين فقال:

{و أنكرتني و ما كان الذي نكرت --- من الحوادث إلا الشيب و الصلعا}

والنكر و المنكر الشيء الذي تأباه النفس و لا تقبله من جهة نفور الطبع عنه و أصله من الإنكار الذي هو نقيض الإقرار و الأجداث القبور جمع جدث و الجدف بالفاء لغة فيه و الإهطاع الإسراع في المشي.

الإعراب

«فما تغن النذر» يجوز أن يكون ما للجحد فيكون حرفا و يجوز أن يكون استفهاما فيكون اسما و التقدير في الأول فلا تغني النذر و في الثاني فأي شيء تغني النذر قال الزجاج قوله «فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر» وقف التمام فتول عنهم و يوم منصوب بقوله «يخرجون من الأجداث» و أما حذف الواو من يدعو في الكتاب فلأنها تحذف في اللفظ لالتقاء الساكنين فأجريت في الكتاب على ما يلفظ بها و أما الداعي فإثبات الياء فيه أجود و يجوز حذفها لأن الكسرة تدل عليها و قوله «خشعا أبصارهم» منصوب على الحال من الواو في يخرجون و فيه تقديم و تأخير تقديره يخرجون خشعا أبصارهم من الأجداث و إن شئت كان حالا من الضمير المجرور في قوله «فتول عنهم» و مهطعين أيضا منصوب على الحال و «أني مغلوب» تقديره دعا ربه بأني مغلوب و قرأ عيسى بن عمر إني بالكسر على إرادة القول أي فدعا ربه قال إني مغلوب و مثله و الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا التقدير قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا.

المعنى

«اقتربت الساعة» أي قربت الساعة التي تموت فيها الخلائق و تكون القيامة و المراد فاستعدوا لها قبل هجومها «و انشق القمر» قال ابن عباس اجتمع المشركون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن فعلت تؤمنون قالوا نعم و كانت ليلة بدر فسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين و رسول الله ينادي يا فلان يا فلان اشهدوا و قال ابن مسعود انشق القمر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شقتين فقال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اشهدوا اشهدوا و روي أيضا عن ابن مسعود أنه قال و الذي نفسي بيده لقد رأيت حراء بين فلقي القمر و عن جبير بن مطعم قال انشق القمر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى صار فرقتين على هذا الجبل و على هذا الجبل فقال ناس سحرنا محمد فقال رجل إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم و قد روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود و أنس بن مالك و حذيفة بن اليمان و ابن عمر و ابن عباس و جبير بن مطعم و عبد الله بن عمر و عليه جماعة المفسرين إلا ما روي عن عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال معناه و سينشق القمر و روي ذلك عن الحسن و أنكره أيضا البلخي و هذا لا يصح لأن المسلمين أجمعوا على ذلك فلا يعتد بخلاف من خالف فيه و لأن اشتهاره بين الصحابة يمنع من القول بخلافه و من طعن في ذلك بأنه لو وقع انشقاق القمر في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان يخفى على أحد من أهل الأقطار فقوله باطل لأنه يجوز أن يكون الله تعالى قد حجبه عن أكثرهم بغيم و ما يجري مجراه و لأنه قد وقع ذلك ليلا فيجوز أن يكون الناس كانوا نياما فلم يعلموا بذلك على أن الناس ليس كلهم يتأملون ما يحدث في السماء و في الجو من آية و علامة فيكون مثل انقضاض الكواكب و غيره مما يغفل الناس عنه و إنما ذكر سبحانه اقتراب الساعة مع انشقاق القمر لأن انشقاقه من علامة نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) و نبوته و زمانه من أشراط اقتراب الساعة «و إن يروا آية يعرضوا» هذا إخبار من الله تعالى عن عناد كفار قريش و أنهم إذا رأوا آية معجزة أعرضوا عن تأملها و الانقياد لصحتها عنادا و حسدا «و يقولوا سحر مستمر» أي قوي شديد يعلو كل سحر عن الضحاك و أبي العالية و قتادة و هو من إمرار الحبل و هو شدة فتله و استمر الشيء إذا قوي و استحكم و قيل معناه سحر ذاهب مضمحل لا يبقى عن مجاهد و هو من المرور و قال المفسرون لما انشق القمر قال مشركو قريش سحرنا محمد فقال الله سبحانه «و إن يروا آية يعرضوا» عن التصديق و الإيمان بها قال الزجاج و في هذا دلالة على أن ذلك قد كان و وقع و أقول و لأنه تعالى قد بين أن يكون آية على وجه الإعجاز و إنما يحتاج إلى الآية المعجزة في الدنيا ليستدل الناس بها على صحة النبوة و يعرف صدق الصادق لا في حال انقطاع التكليف و الوقت الذي يكون الناس فيه ملجئين إلى المعرفة و لأنه سبحانه قال «و يقولوا سحر مستمر» و في وقت الإلجاء لا يقولون للمعجز أنه سحر «و كذبوا» أي بالآية التي شاهدوها «و اتبعوا أهواءهم» في التكذيب و ما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم عليه

«و كل أمر مستقر» فالخير يستقر بأهل الخير و الشر يستقر بأهل الشر عن قتادة و المعنى أن كل أمر من خير و شر مستقر ثابت حتى يجازى به صاحبه إما في الجنة أو في النار و قيل معناه لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر و ما كان منه في الآخرة فسيعرف عن الكلبي «و لقد جاءهم» أي و لقد جاء هؤلاء الكفار «من الأنباء» يعني الأخبار العظيمة في القرآن بكفر من تقدم من الأمم و إهلاكنا إياهم «ما فيه مزدجر» أي متعظ و هو بمعنى المصدر أي و ازدجار عن الكفر و تكذيب الرسل «حكمة بالغة» يعني القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية و النهاية «فما تغن النذر» أي أي شيء تنفع النذر مع تكذيب هؤلاء و إعراضهم و هو جمع النذير و قيل معناه فلا تغني النذر شيئا أي أن الأنبياء الذين بعثوا إليهم لا يغنون عنهم شيئا من عذاب الله الذي استحقوه بكفرهم لأنهم خالفوهم و لم يقبلوا منهم عن الجبائي و قيل النذر هي الزواجر المخوفة و آيات الوعيد ثم أمره سبحانه بالإعراض عنهم فقال «فتول عنهم» أي أعرض عنهم و لا تقابلهم على سفههم و هاهنا وقف تام «يوم يدع الداع إلى شيء نكر» أي منكر غير معتاد و لا معروف بل أمر فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاما و اختلف في الداعي فقيل هو إسرافيل يدعو الناس إلى الحشر قائما على صخرة بيت المقدس عن مقاتل و قيل بل الداعي يدعوهم إلى النار و يوم ظرف ليخرجون أي في هذا اليوم يخرجون من الأجداث و يجوز أن يكون التقدير في هذا اليوم يقول الكافرون و قوله «خشعا أبصارهم» يعني خاشعة أبصارهم أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب و إنما وصف الأبصار بالخشوع لأن ذلة الذليل أو عزة العزيز تتبين في نظره و تظهر في عينه «يخرجون من الأجداث» أي من القبور «كأنهم جراد منتشر» و المعنى أنهم يخرجون فزعين يدخل بعضهم في بعض و يختلط بعضهم ببعض لا جهة لأحد منهم فيقصدها كما أن الجراد لا جهة لها فتكون أبدا متفرقة في كل جهة قال الحسن الجراد يتلبد حتى إذا طلعت عليها الشمس انتشرت فالمعنى أنهم يكونون ساكنين في قبورهم فإذا دعوا خرجوا و انتشروا و قيل إنما شبههم بالجراد لكثرتهم و في هذه الآية دلالة على أن البعث إنما يكون لهذه البنية لأنها الكائنة في الأجداث خلافا لمن زعم أن البعث يكون للأرواح «مهطعين إلى الداع» أي مقبلين إلى صوت الداعي عن قتادة و قيل مسرعين إلى إجابة الداعي عن أبي عبيدة و قيل ناظرين قبل الداعي قائلين هذا يوم عسر عن الفراء و أبي علي الجبائي و هو قوله «يقول الكافرون هذا يوم عسر» أي صعب شديد و قد قيل أيضا في قوله «فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر» أقوال أخر ( أحدها ) أن المعنى فأعرض عنهم إذا تعرضوا لشفاعتك يوم يدع الداعي و هو يوم القيامة فلا تشفع لهم ذلك اليوم كما لم يقبلوا منك اليوم ( و ثانيها ) أن معناه فتول عنهم فإنهم يرون ما ينزل بهم من العذاب يوم يدع الداعي و هو يوم القيامة فحذف الفاء من جواب الأمر ( و ثالثها ) أن معناه فتول عنهم فإنهم يوم يدعو الداعي صفتهم كذا و كذا و هي ما بينه إلى قوله «يوم عسر» ( و رابعها ) فتول عنهم و اذكر يوم يدع الداعي إلى آخره عن الحسن «كذبت قبلهم» أي قبل كفار مكة «قوم نوح فكذبوا عبدنا» نوحا كما كذبك يا محمد هؤلاء الكفار و جحدوا نبوتك «و قالوا مجنون» أي هو مجنون قد غطي على عقله «و ازدجر» أي زجر بالشتم و الرمي بالقبيح عن ابن زيد و قيل معناه زجر بالوعيد و توعد بالقتل فهو مثل قوله «لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين» «فدعا ربه أني مغلوب فانتصر» أي فقال يا رب قد غلبني هؤلاء الكفار بالقهر لا بالحجة فانتصر أي فانتقم لي منهم بالإهلاك و الدمار نصرة لدينك و نبيك و في هذا دلالة على وجوب الانقطاع إلى الله تعالى عند سماع الكلام القبيح من أهل الباطل.