۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النجم، آية ٥٣

التفسير يعرض الآيات ٤٢ إلى ٦٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ ٤٢ وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ ٤٣ وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا ٤٤ وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥ مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ ٤٦ وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧ وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ ٤٨ وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعۡرَىٰ ٤٩ وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠ وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ ٥١ وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ ٥٣ فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥ هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦ أَزِفَتِ ٱلۡأٓزِفَةُ ٥٧ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨ أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ ٥٩ وَتَضۡحَكُونَ وَلَا تَبۡكُونَ ٦٠ وَأَنتُمۡ سَٰمِدُونَ ٦١ فَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ وَٱعۡبُدُواْ۩ ٦٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ أَنّ إِلى رَبِّك الْمُنتهَى (42) وَ أَنّهُ هُوَ أَضحَك وَ أَبْكَى (43) وَ أَنّهُ هُوَ أَمَات وَ أَحْيَا (44) وَ أَنّهُ خَلَقَ الزّوْجَينِ الذّكَرَ وَ الأُنثى (45) مِن نّطفَةٍ إِذَا تُمْنى (46) وَ أَنّ عَلَيْهِ النّشأَةَ الأُخْرَى (47) وَ أَنّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى (48) وَ أَنّهُ هُوَ رَب الشعْرَى (49) وَ أَنّهُ أَهْلَك عَاداً الأُولى (50) وَ ثَمُودَا فَمَا أَبْقَى (51) وَ قَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنهُمْ كانُوا هُمْ أَظلَمَ وَ أَطغَى (52) وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشاهَا مَا غَشى (54) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّك تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النّذُرِ الأُولى (56) أَزِفَتِ الاَزِفَةُ (57) لَيْس لَهَا مِن دُونِ اللّهِ كاشِفَةٌ (58) أَ فَمِنْ هَذَا الحَْدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَ تَضحَكُونَ وَ لا تَبْكُونَ (60) وَ أَنتُمْ سمِدُونَ (61) فَاسجُدُوا للّهِ وَ اعْبُدُوا (62)

القراءة

قرأ أهل المدينة و البصرة غير سهل عاد لولى مدغمة غير منونة و لا مهموزة إلا في رواية قالون عن نافع فإنه روى عنه عاد لؤلى مهموزة ساكنة و قرأ الباقون «عادا الأولى» منونة مهموزة غير مدغمة و قرأ عاصم و حمزة و يعقوب «و ثمود فما أبقى» بغير تنوين و الباقون و ثمودا بالتنوين.

الحجة

قال أبو علي قال أبو عثمان أساء عندي أبو عمرو في قراءته لأنه أدغم النون في لام المعرفة و اللام إنما تحركت بحركة الهمزة و ليست بحركة لازمة و الدليل على ذلك أنك تقول الحمر فإذا طرحت حركة الهمزة على اللام لم يحذف ألف الوصل لأنها ليست بحركة لازمة قال أبو عثمان و لكن كان أبو الحسن روي عن بعض العرب أنه كان يقول هذا لحمر قد جاء فيحذف ألف الوصل لحركة اللام و قال أبو علي القول في «عادا الأولى» أن من حقق الهمزة في الأولى سكن لام المعرفة و إذا سكنت لام المعرفة و التنوين من قولك عادا المنصوب ساكن التقى ساكنان النون في عادا و لام المعرفة فحركت التنوين بالكسر لالتقاء الساكنين أن يحذفه هنا قول من لم يدغم و قياس قول من قال أحد الله فحذف التنوين لالتقاء الساكنين أن يحذفه هنا أيضا كما حذفه في أحد الله و كما حذفه في قوله و لا ذاكرا لله إلا أن ذا لا يدخل في القراءة و إن كان قياسا و جاء في الشعر كثيرا و جاء في بعض القراءة و يجوز في قول من خفف الهمزة من الأولى على قول من قال الحمر فلم يحذف الهمزة التي للوصل أن يحرك التنوين فيقول عادن الولي كما يقول ذلك إذا حقق الهمزة لأن اللام على هذا في تقدير السكون فكما تكسر التنوين لالتقاء الساكنين كذا تكسره في هذا القول لأن التنوين في تقدير الالتقاء مع الساكن و من حرك لام المعرفة و حذف همزة الوصل فقياسه أن يسكن النون من عادن فيقول عادن لولى لأن اللام ليس في تقدير السكون كما كان في الوجه الأول كذلك أ لا ترى أنه حذف همزة الوصل فإذا كان كذلك ترك النون على سكونها كما تتركه في نحو عاد ذاهب فأما قول أبي عمرو عاد لولى فإنه لما خفف الهمزة التي هي منقلبة عن الفاء لاجتماع الواوين أولا ألقى حركتها على اللام الساكنة و قبل اللام نون ساكنة فأدغمها في اللام كما يدغمها في الراء في نحو من راشد و ذلك بعد أن يقلبها لاما أو راء فإذا أدغمها فيها صار عاد لولى و خرج عن الإساءة التي نسبها إليه أبو عثمان من وجهين ( أحدهما ) أن يكون تخفيف الهمزة من قوله «الأولى» على قول من قال لحمر كأنه يقول في التخفيف للهمزة قبل الإدغام لولى فخرجت اللام من حكم السكون بدلالة حذف همزة الوصل معه فحسن الإدغام فيه ( و الوجه الآخر ) أن يكون أدغم على قول من قال الولي الحمر فلم يحذف الهمزة التي للوصل مع إلقاء الحركة على لام المعرفة لأنه في تقدير السكون فلا يمتنع أن يدغم فيه كما لا يمتنع أن يدغم في نحو رد و فر و عض و إن كانت لاماتهن سواكن و تحركها للإدغام كما تحركت السواكن التي ذكرنا للإدغام و أما ما روي عن نافع من أنه همز فقال عاد لؤلى فإنه كما روي عن ابن كثير من قوله على سؤقه فوجهه أن الضمة لقربها من الواو و أنه لم يحجز بينهما شيء صارت كأنها عليها فهمزها كما تهمز الواوات إذا كانت مضمومة نحو أدؤر و الغوؤر و هذه لغة قد رويت و حكيت و إن لم تكن بتلك الفاشية.

اللغة

المني التقدير يقال منى يمني فهو مان قال الشاعر:

حتى تبين ما يمني لك الماني و منه المنية لأنها المقدرة و النشأة الصنعة المخترعة خلاف المشيئة و أقنى من القنية و هي أصل المال و ما يقتني و الاقتناء جعل الشيء للنفس على الدوام و منه القناة لأنها مما تقتنى و الشعرى النجم الذي خلف الجوزاء و هو أحد كوكبي ذراع الأسد و قسم المرزم و كانوا يعبدونها في الجاهلية و المؤتفكة المنقلبة و هي التي صار أعلاها أسفلها و أسفلها أعلاها ائتفكت بهم تأتفك ائتفاكا و منه الإفك الكذب لأنه قلب المعنى عن جهته و أهوى أي أنزل بها في الهواء و منه أهوى بيده ليأخذ كذا و هوى يهوي نزل في الهوي فأما إذا نزل في سلم أو درج فلا يقال أهوى و لا هوى و أزفت الآزفة أي دنت الدانية قال النابغة:

{أزف الترحل غير أن ركابنا --- لما تزل برجالنا}

وكان قد و قال كعب بن زهير:

{بأن الشباب و أمسى الشيب قد أزفا --- و لا أرى لشباب ذاهب خلفا}

والسمود اللهو و السامد اللاهي يقال سمد يسمد قال:

{رمى الحدثان نسوة آل حرب --- بمقدار سمدن له سمودا} {فرد شعورهن السود بيضا --- ورد وجوههن البيض سودا}

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال «و أن إلى ربك المنتهى» يعني و أن إلى ثواب ربك و عقابه آخر الأمر و المنتهى و الآخر واحد و هو المصير إلى حيث ينقطع العمل عنده «و أنه هو أضحك و أبكى» أي فعل سبب الضحك و البكاء من السرور و الحزن كما يقال أضحكني فلان و أبكاني عن عطاء و الجبائي و قيل أضحك أهل الجنة في الجنة و أبكى أهل النار في النار عن مجاهد و الضحك و البكاء من فعل الإنسان قال الله تعالى «فليضحكوا قليلا و ليبكوا كثيرا» و قال تعجبون و تضحكون فنسب الضحك إليهم و قال الحسن أن الله سبحانه هو الخالق للضحك و البكاء و الضحك تفتح أسرار الوجه عن سرور و عجب في القلب فإذا هجم على الإنسان منه ما لا يمكنه دفعه فهو من فعل الله و البكاء جريان الدمع على الخد عن غم في القلب و ربما كان عن فرح يمازجه تذكر حزن فكأنه عن رقة في القلب و قيل معنى الآية أضحك الأشجار بالأنوار و أبكى السحاب بالأمطار و قيل أضحك المطيع بالرحمة و أبكى العاصي بالسخطة «و أنه هو أمات و أحيا» أي خلق الموت فأمات به الأحياء لا يقدر على ذلك غيره لأنه لو قدر على الموت لقدر على الحياة فإن القادر على الشيء قادر على ضده و لا يقدر أحد على الحياة إلا الله تعالى و خلق الحياة التي يحيا بها الحيوان فأمات الخلق في الدنيا و أحياهم في العقبي للجزاء «و أنه خلق الزوجين» أي الصنفين «الذكر و الأنثى» من كل حيوان «من نطفة إذا تمنى» أي إذا خرجت منهما و تنصب في الرحم و النطفة ماء الرجل و المرأة التي يخلق منها الولد عن عطاء و الضحاك و الجبائي و قيل تمنى أي تقدر و هو أصله فالمعنى تلقى على تقدير في رحم الأنثى «و أن عليه النشأة الأخرى» أي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة يعني عليه أن يبعث الناس أحياء للجزاء فإن قيل إن لفظة على كلمة إيجاب فكيف يجب على الله سبحانه ذلك فالجواب أنه سبحانه إذا كلف الخلق فقد ضمن الثواب فإذا فعل فيهم الآلام فقد ضمن العوض فإذا لم يعوض في الدنيا و خلى بين المظلوم و الظالم فلا بد من دار أخرى يقع فيها الجزاء و الإنصاف و الانتصاف و قد وعد سبحانه بذلك فيجب الوفاء به «و أنه هو أغنى و أقنى» أي أغنى الناس بالأموال و إعطاء القنية و أصول المال و ما يدخرونه بعد الكفاية عن أبي صالح و قيل أقنى أي أخدم عن الحسن و مجاهد و قتادة و قيل أغنى مؤول و أقنى أرضى بما أعطى عن ابن عباس و قيل أغنى بالقناعة و أقنى بالرضا عن سفيان و قيل أغنى بالكفاية و أقنى بالزيادة و قيل أغنى من شاء و أقنى أي أفقر و حرم من شاء عن ابن زيد

«و أنه هو رب الشعرى» أي خالق الشعرى و مخترعها و مالكها أي فلا تتخذوا المربوب المملوك إلها و قيل إن خزاعة كانت تعبدها و أول من عبدها أبو كبشة أحد أجداد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل أمهاته و كان المشركون يسمونه (صلى الله عليه وآله وسلم) ابن أبي كبشة لمخالفته إياهم في الدين كما خالف أبو كبشة غيره في عبادة الشعرى «و أنه أهلك عادا الأولى» و هو عاد بن إرم و هم قوم هود أهلكهم الله بريح صرصر عاتية و كان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى قال ابن إسحاق أهلكوا ببغي بعضهم على بعض فتفانوا بالقتل «و ثمودا» أي و أهلك ثمود «فما أبقى» و لا يجوز أن يكون منصوبا بأبقى لأن ما لا يعمل ما بعدها فيما قبلها لا يقال زيدا ما ضربت لأنها تجري مجرى الاستفهام في أن لها صدر الكلام و إنما فتحت أن في هذه المواضع كلها لأن جميعها في صحف إبراهيم و موسى فكأنه قال أم لم ينبأ بما في صحف موسى و إبراهيم الذي وفى بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى و بأنه كذا و كذا «و قوم نوح من قبل» أي و أهلكنا قوم نوح من قبل عاد و ثمود «إنهم كانوا هم أظلم و أطغى» من غيرهم لطول دعوة نوح و عتوهم على الله في الكفر و التكذيب «و المؤتفكة» يعني قرى قوم لوط المخسوفة «أهوى» أي أسقط أهواها جبرائيل بعد أن رفعها و أتبعهم الله بالحجارة و ذلك قوله «فغشاها ما غشى» أي ألبسها من العذاب ما ألبس يعني الحجارة المسومة التي رموا بها من السماء عن قتادة و ابن زيد و قيل أنه تفخيم لشأن العذاب الذي نالها من جهة إبهامه في قوله «ما غشى» فكأنه قال قد حل بهم من العذاب و التنكيل ما يجل عن البيان و التفصيل «فبأي آلاء ربك تتمارى» أي بأي نعم ربك ترتاب و تشك أيها الإنسان فيما أولاك أو فيما كفاك عن قتادة و قيل لما عد الله سبحانه ما فعله مما يدل على وحدانيته قال فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك و إنما ذكره بالنعم بعد تعديد النقم لأن النقم التي عددت هي نعم علينا لما لنا فيها من اللطف في الانزجار عن القبيح إذ نالهم تلك النقم بكفرانهم النعم «هذا نذير من النذر الأولى» أشار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قتادة و النذر الأولى الرسل قبله و قيل هو إشارة إلى القرآن و النذر الأولى صحف إبراهيم و موسى عن أبي مالك و قيل معناه هذه الأخبار التي أخبر بها عن إهلاك الأمم الأولى نذير لكم عن الجبائي «أزفت الآزفة» أي دنت القيامة و اقتربت الساعة و إنما سميت القيامة آزفة أي دانية لأن كل ما هو آت قريب «ليس لها من دون الله كاشفة» أي إذا غشيت الخلق شدائدها و أهوالها لم يكشف عنهم أحد و لم يردها عن عطاء و الضحاك و قتادة و تأنيث كاشفة على تقدير نفس كاشفة أو جماعة كاشفة و يجوز أن يكون مصدرا كالعاقبة و العاقبة و الواقية و الخائنة فيكون المعنى ليس لها من دون الله كشف أي لا يكشف عنها غيره و لا يظهرها سواه كقوله «لا يجليها لوقتها» إلا هو «أ فمن هذا الحديث» يعني بالحديث ما قدم من الأخبار عن الصادق (عليه السلام) و قيل معناه أ فمن هذا القرآن و نزوله من عند الله على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و كونه معجزا «تعجبون» أيها المشركون «و تضحكون» استهزاء «و لا تبكون» انزجارا لما فيه من الوعيد «و أنتم سامدون» أي غافلون لاهون معرضون عن ابن عباس و مجاهد و قيل هو الغناء كانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء ليشغلوا الناس عن استماعه عن عكرمة «فاسجدوا لله و اعبدوا» أمرهم سبحانه بالسجود له و العبادة خالصا مخلصا و في الآية دلالة على أن السجود هاهنا واجب على ما ذهب إليه أصحابنا لأن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب.