۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الطور، آية ١٩

التفسير يعرض الآيات ١٧ إلى ٢٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧ فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩ مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١ وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢ يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣ ۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤ وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥ قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّ الْمُتّقِينَ فى جَنّتٍ وَ نَعِيمٍ (17) فَكِهِينَ بِمَا ءَاتَاهُمْ رَبّهُمْ وَ وَقَاهُمْ رَبهُمْ عَذَاب الجَْحِيمِ (18) كلُوا وَ اشرَبُوا هَنِيئَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتّكِئِينَ عَلى سرُرٍ مّصفُوفَةٍ وَ زَوّجْنَهُم بحُورٍ عِينٍ (20) وَ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ اتّبَعَتهُمْ ذُرِّيّتهُم بِإِيمَنٍ أَلحَْقْنَا بهِمْ ذُرِّيّتهُمْ وَ مَا أَلَتْنَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شىْءٍ كلّ امْرِى بمَا كَسب رَهِينٌ (21) وَ أَمْدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ وَ لَحْمٍ مِّمّا يَشتهُونَ (22) يَتَنَزَعُونَ فِيهَا كَأْساً لا لَغْوٌ فِيهَا وَ لا تَأْثِيمٌ (23) وَ يَطوف عَلَيهِمْ غِلْمَانٌ لّهُمْ كَأَنهُمْ لُؤْلُؤٌ مّكْنُونٌ (24) وَ أَقْبَلَ بَعْضهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (25) قَالُوا إِنّا كنّا قَبْلُ فى أَهْلِنَا مُشفِقِينَ (26) فَمَنّ اللّهُ عَلَيْنَا وَ وَقَانَا عَذَاب السمُومِ (27) إِنّا كنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنّهُ هُوَ الْبرّ الرّحِيمُ (28)

القراءة

قرأ أبو عمرو و أتبعناهم بالنون و الألف و قطع الهمزة ذرياتهم بالألف و كسر التاء ألحقنا بهم ذرياتهم كذلك و قرأ أهل المدينة «و اتبعتهم» بالتاء و وصل الهمزة «ذريتهم» بالرفع ألحقنا بهم ذرياتهم على الجمع و قرأ ابن كثير و أهل الكوفة «و اتبعتهم ذريتهم» «ألحقنا بهم ذريتهم» كذلك و قرأ ابن عامر و يعقوب و سهل اتبعتهم ذرياتهم جمع ألحقنا بهم ذرياتهم أيضا و قرأ ابن كثير و ما ألتناهم بكسر اللام و الباقون «ألتناهم» بفتح اللام و قرأ أهل المدينة و الكسائي أنه هو البر الرحيم بالفتح و الباقون «إنه» بالكسر و في الشواذ قراءة عبد الله و إبراهيم و زوجناهم بعيس عين و قراءة الأعرج و ما آلتناهم على أفعلناهم.

الحجة

قال أبو علي الذرية تقع على الصغير و الكبير فالأول نحو قوله «ذرية طيبة» و الثاني نحو قوله «و من ذريته داود و سليمان» فإن حملت الذرية في الآية على الصغار كان قوله «بإيمان» في موضع نصب على الحال من المفعولين أي اتبعتهم بإيمان من الآباء ذريتهم ألحقنا الذرية بهم في أحكام الإسلام فجعلناهم في حكمهم في أنهم يرثون و يورثون و يدفنون في مقابر المسلمين و حكمهم حكم الآباء في أحكامهم إلا فيما كان موضوعا عن الصغير لصغره و إن جعلت الذرية للكبار كان قوله «بإيمان» حالا من الفاعلين الذين هم ذريتهم أي ألحقنا بهم ذريتهم في أحكام الدنيا و الثواب في الآخرة «و ما ألتناهم من عملهم» أي من جزاء عملهم من شيء كما قال فلا تظلم نفس شيئا و كما قال و من يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا يخاف ظلما و لا هضما و من قرأ «ذريتهم» فأفرد فلان الذرية تقع على الكثرة فاستغنى بذلك عن جمعه و كذا القول في «بهم ذريتهم» في أنه أفرد ذريتهم وألحق التاء في اتبعتهم لتأنيث الاسم و من جمعه فلأن المجموع قد يجمع نحو أقوام و طرقات و في الحديث إنكن صواحبات يوسف و من قرأ ألتناهم بكسر اللام فيشبه أن يكون فعلنا لغة كما قالوا نقم ينقم و نقم ينقم و من قرأ ندعوه أنه بالفتح فالمعنى لأنه هو البر الرحيم و من كسر قطع الكلام عما قبله و استأنف قال ابن جني المرأة العيساء البيضاء و مثله جمل أعيس و ناقة عيساء قال كأنها البكرة العيساء و يقال ألته يألته ألتا و آلته يولته إيلاتا و لاته يليته ليتا و ولته يلته ولتا أي نقصه قال الحطيئة:

{أبلغ لديك بني سعد مغلغلة --- جهد الرسالة لا ألتا و لا كذبا}

المعنى

لما تقدم وعيد الكفار عقبه سبحانه بالوعد للمؤمنين فقال «إن المتقين» الذين يجتنبون معاصي الله خوفا من عقابه «في جنات» أي في بساتين تجنها الأشجار «و نعيم» أي و في نعيم «فاكهين بما آتاهم ربهم» أي متنعمين بما أعطاهم ربهم من أنواع النعيم و قيل فاكهين معجبين بما آتاهم ربهم عن الزجاج و الفراء «و وقاهم» أي و صرف عنهم «ربهم عذاب الجحيم كلوا و اشربوا» أي يقال لهم كلوا و اشربوا «هنيئا بما كنتم تعملون» أكلا و شربا هنيئا مأمون العاقبة من التخمة و السقم ثم ذكر حالهم في الأكل و الشرب فقال «متكئين على سرر مصفوفة» و السرر جمع سرير و المصفوفة المصطفة الموصول بعضها ببعض و قيل إن في الكلام حذفا تقديره متكئين على نمارق موضوعة على سرر لكنه حذف لأن اللفظ يدل عليه من حيث إن الاتكاء جلسة راحة و دعة و لا يكون ذلك إلا على الوسائد و النمارق «و زوجناهم بحور عين» فالحور البيض النقيات في حسن و كمال و العين الواسعات الأعين في صفاء و بهاء و معناه قرنا هؤلاء المتقين بحور عين على وجه التمتيع لهم و التنعيم و عن زيد بن أرقم قال جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون و يشربون فقال و الذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليؤتى قوة مائة رجل على الأكل و الشرب و الجماع قال فإن الذي يأكل و يشرب يكون له الحاجة فقال عرق يفيض مثل ريح المسك فإذا كان ذلك ضمر بطنه

«و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم» يعني بالذرية أولادهم الصغار و الكبار لأن الكبار يتبعون الآباء بإيمان منهم و الصغار يتبعون الآباء بإيمان من الآباء فالولد يحكم له بالإسلام تبعا لوالده و اتبع بمعنى تبع و من قرأ و أتبعناهم فهو منقول من تبع و يتعدى إلى المفعولين و قيل الاتباع إلحاق الثاني بالأول في معنى يكون الأول عليه لأنه لو ألحق به من غير أن يكون في معنى هو عليه لم يكن اتباعا و كان إلحاقا و المعنى أنا نلحق الأولاد بالآباء في الجنة و الدرجة من أجل إيمان الآباء لتقر أعين الآباء باجتماعهم معهم في الجنة كما كانت تقر بهم في الدنيا عن ابن عباس و الضحاك و ابن زيد و في رواية أخرى عن ابن عباس أنهم البالغون ألحقوا بدرجات آبائهم و إن قصرت أعمالهم تكرمة لآبائهم فإن قيل كيف يلحقون بهم في الثواب و لم يستحقوه فالجواب أنهم يلحقون بهم في الجمع لا في الثواب و المرتبة و روى زاذان عن علي (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن المؤمنين و أولادهم في الجنة ثم قرأ هذه الآية و روي عن الصادق قال أطفال المؤمنين يهدون إلى آبائهم يوم القيامة «و ما ألتناهم من عملهم من شيء» أي لم ننقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم عن ابن عباس و مجاهد و تم الكلام ثم ذكر سبحانه أهل النار فقال «كل امرىء بما كسب رهين» أي كل امرىء كافر مرتهن في النار بما كسب أي عمل من الشرك عن مقاتل و المؤمن من لا يكون مرتهنا لقوله كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين فاستثنى المؤمنين و قيل معناه كل إنسان يعامل بما يستحقه و يجازى بحسب ما عمله إن عمل طاعة أثيب و إن عمل معصية عوقب و لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ثم ذكر سبحانه ما يزيدهم من الخير و النعمة فقال «و أمددناهم بفاكهة» أي أعطيناهم حالا بعد حال فإن الأمداد هو الإتيان بالشيء بعد الشيء و الفاكهة جنس الثمار «و لحم مما يشتهون» أي و أعطيناهم و أمددناهم بلحم من الجنس الذي يشتهونه «يتنازعون فيها كأسا» أي يتعاطون كأس الخمر ثم وصف الكأس فقال «لا لغو فيها و لا تأثيم» أي لا يجري بينهم باطل لأن اللغو ما يلغى و لا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا بين شرب الخمر و التأثيم تفعيل من الإثم يقال ثمة إذا جعله ذا إثم يعني إن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين و قيل معناه لا يتسابون عليها و لا يؤثم بعضهم بعضا عن مجاهد «و يطوف عليهم» للخدمة «غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون» في الحسن و الصباحة و الصفاء و البياض و المكنون المصون المخزون و قيل إنه ليس على الغلمان مشقة في خدمة أهل الجنة بل لهم في ذلك اللذة و السرور إذ ليست تلك الدار دار محنة و ذكر عن الحسن أنه قال قيل يا رسول الله الخادم كاللؤلؤ فكيف المخدوم فقال و الذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب «و أقبل بعضهم على بعض يتساءلون» أي يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب و الخوف في الدنيا عن ابن عباس و هو قوله

«قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين» أي خائفين في دار الدنيا من العذاب «فمن الله علينا و وقانا عذاب السموم» أي عذاب جهنم و السموم من أسماء جهنم عن الحسن و قيل أن المعنى يسأل بعضهم بعضا عما فعلوه في الدنيا فاستحقوا به المصير إلى الثواب و الكون في الجنان فيقولون إنا كنا في دار التكليف مشفقين أي خائفين رقيقي القلب فإن الإشفاق رقة القلب عما يكون من الخوف على الشيء و الشفقة نقيض الغلظة و أصله الضعف من قولهم ثوب شفق أي ضعيف النسج و منه الشفق للحمرة عند غروب الشمس لأنها حمرة ضعيفة و قوله «في أهلنا مشفقين» يريد فيمن يختص به ممن هو أولى بنا و الأهل هو المختص بغيره من جهة ما هو أولى به و السموم الحر الذي يدخل في مسام البدن يتألم به و أصله من السم الذي هو مخرج النفس فكل خرق سم أو من السم الذي يقتل قال الزجاج يريد عذاب سموم جهنم و هو ما يوجد من لفحها و حرها «إنا كنا من قبل» أي في الدنيا «ندعوه» أي ندعو الله تعالى و نوحده و نعبده «إنه هو البر» أي اللطيف و أصله اللطف مع عظم الشأن و منه البرة للطفها مع عظم النفع بها و قيل البر الصادق فيما وعده «الرحيم» بعباده.