۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الذاريات، آية ٥٨

التفسير يعرض الآيات ٤٧ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧ وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨ وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩ فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠ وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١ كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢ أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣ فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤ وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥ وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٦٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ السمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَيْيدٍ وَ إِنّا لَمُوسِعُونَ (47) وَ الأَرْض فَرَشنَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ (48) وَ مِن كلِّ شىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلّكمْ تَذَكّرُونَ (49) فَفِرّوا إِلى اللّهِ إِنى لَكم مِّنْهُ نَذِيرٌ مّبِينٌ (50) وَ لا تجْعَلُوا مَعَ اللّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ إِنى لَكم مِّنْهُ نَذِيرٌ مّبِينٌ (51) كَذَلِك مَا أَتى الّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رّسولٍ إِلا قَالُوا ساحِرٌ أَوْ مجْنُونٌ (52) أَ تَوَاصوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53) فَتَوَلّ عَنهُمْ فَمَا أَنت بِمَلُومٍ (54) وَ ذَكِّرْ فَإِنّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَ مَا خَلَقْت الجِْنّ وَ الانس إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنهُم مِّن رِّزْقٍ وَ مَا أُرِيدُ أَن يُطعِمُونِ (57) إِنّ اللّهَ هُوَ الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنّ لِلّذِينَ ظلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصحَبهِمْ فَلا يَستَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِّلّذِينَ كفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الّذِى يُوعَدُونَ (60)

القراءة

في الشواذ قراءة يحيى و الأعمش ذو القوة المتين بالخفض.

الحجة

قال ابن جني هذا يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون وصفا للقوة و ذكره على معنى الحبل يريد قوي الحبل كقوله فقد استمسك بالعروة الوثقي ( و الآخر ) أن يكون المراد الرفع وصفا للرزاق إلا أنه جاء على لفظ القوة لجوارها إياه على قولهم:

هذا جحر ضب خرب فهذا ضعيف.

اللغة

الأيد القوة يقال آد الرجل بأيد أيدا إذا اشتد و قوي و المؤيد الأمر العظيم و الإيساع الإكثار من إذهاب الشيء في الجهات و الماهد هو الموطىء للشيء و هو المهيىء لما يصلح الاستقرار عليه يقال مهد يمهد مهدا و مهد تمهيدا مثل وطىء توطئة و التواصي أن يوصي القوم بعضهم إلى بعض و الوصية التقدمة في الأمر بالأشياء المهمة مع النهي عن المخالفة و أصل الذنوب الدلو الممتلىء ماء يؤنث و يذكر قال:

{لنا ذنوب و لكم ذنوب --- فإن أبيتم فلنا القليب}

وقال علقمة:

{وفي كل حي قد خبطت بنعمة --- فحق لشاس من نداك ذنوب}

المعنى

«و السماء بنيناها بأيد» تقديره و بنينا السماء بنيناها بقوة عن ابن عباس و مجاهد و ابن زيد و قتادة أي خلقناها و رفعناها على حسن نظامها «و إنا لموسعون» أي قادرون على خلق ما هو أعظم منها عن ابن عباس و قيل معناه و إنا لموسعون الرزق على الخلق بالمطر عن الحسن و قيل معناه و إنا لذو سعة لخلقنا أي قادرون على رزقهم لا نعجز عنه فالموسع ذو الوسع و السعة أي الغني و الجدة «و الأرض فرشناها» أي و فرشنا الأرض فرشناها أي بسطناها «فنعم الماهدون» نحن إذ فعلنا ذلك للمنافع و مصالح العباد لا لجر نفع و لا لدفع ضرر «و من كل شيء خلقنا زوجين» أي و خلقنا من كل شيء صنفين مثل الليل و النهار و الأرض و السماء و الشمس و القمر و الجن و الإنس و البر و البحر و النور و الظلمة عن الحسن و مجاهد و قيل الزوجين الذكر و الأنثى عن ابن زيد «لعلكم تذكرون» أي لكي تعلموا أن خالق الأزواج واحد فرد لا يشبهه شيء «ففروا إلى الله» أي فاهربوا من عقاب الله إلى رحمته و ثوابه بإخلاص العبادة له و قيل ففروا إلى الله بترك جميع ما يشغلكم عن طاعته و يقطعكم عما أمركم به و قيل معناه حجوا عن الصادق (عليه السلام) «إني لكم منه» أي من الله «نذير» مخوف من عقابه «مبين» لكم ما أرسلت به «و لا تجعلوا مع الله إلها آخر» أي لا تعبدوا معه معبودا آخر من الأصنام و الأوثان

«إني لكم منه نذير مبين» و الوجه في تكريره أن الثاني منعقد بغير ما انعقد به الأول إذ تقديره إني لكم منه نذير في الامتناع من جعل إله آخر معه و تقدير الأول إني لكم منه نذير في ترك القرار إليه بطاعته فهو كقولك أنذرك أن تكفر بالله أنذرك أن تتعرض لسخط الله و النذير المخبر بما يحذر منه و هو يقتضي المبالغة و المنذر صفة جارية على الفعل و المبين الذي يأتي ببيان الحق من الباطل ثم قال «كذلك» أي الأمر كذلك و هو أنه «ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون» أي لم يأت الذين من قبلهم يعني كفار مكة من الأمم رسول إلا قالوا ساحر محتال بالحيل اللطيفة أو مجنون به جنون فهو مغطى على عقله بما لا يتوجه للإدراك به ثم قال سبحانه «أ تواصوا به» أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب و الاستفهام للتوبيخ «بل هم قوم طاغون» معناه لم يتواصوا بذلك لكنهم طاغون طغوا في معصية الله و حملهم الطغيان فيما أعطيتهم و وسعت عليهم على تكذيب أنبيائي ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «فتول عنهم» أي فأعرض عنهم يا محمد فقد بلغت و أنذرت و هو قوله «فما أنت بملوم» أي في كفرهم و جحودهم بل اللائمة و الذم عليهم من حيث لا يقبلون ما تدعوهم إليه قال المفسرون لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنون و ظنوا أن الوحي قد انقطع و أن العذاب قد حل حتى نزلت الآية الثانية و روي بالإسناد عن مجاهد قال خرج علي بن أبي طالب (عليه السلام) مغتما مشتملا في قميصه فقال لما نزلت «فتول عنهم فما أنت بملوم» لم يبق أحد منا إلا أيقن بالهلكة حين قيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «فتول عنهم» فلما نزل «و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين» طابت نفوسنا و معناه عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكر تنفعهم عن الكلبي «و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون» أي لم أخلق الجن و الإنس إلا لعبادتي و المعنى لعبادتهم إياي عن الربيع فإذا عبدوني استحقوا الثواب و قيل إلا لآمرهم و أنهاهم و أطلب منهم العبادة عن مجاهد و اللام لام الغرض و المراد أن الغرض في خلقهم تعريضهم للثواب و ذلك لا يحصل إلا بأداء العبادات فصار كأنه سبحانه خلقهم للعبادة أنه إذا لم يعبده قوم لم يبطل الغرض و يكون كمن هيأ طعاما لقوم و دعاهم ليأكلوه فحضروا و لم يأكله بعضهم فإنه لا ينسب إلى السفه و يصح غرضه فإن الأكل موقوف على اختيار الغير و كذلك المسألة فإن الله إذا أزاح علل المكلفين من القدرة و الآلة و الألطاف و أمرهم بعبادته فمن خالف فقد أتي من قبل نفسه لا من قبله سبحانه و قيل معناه إلا ليقروا بالعبودية طوعا و كرها عن ابن عباس «ما أريد منهم من رزق و ما أريد أن يطعمون» هذا نفي الإيهام عن خلقهم لعبادته أن يكون ذلك لعائدة نفع يعود عليه تعالى فبين أنه لعائدة النفع على الخلق دونه تعالى لاستحالة النفع عليه لأنه غني لنفسه فلا يحتاج إلى غيره و كل الخلق يحتاج إليه و قيل معناه ما أريد أن يرزقوا أحدا من خلقي و لا أن يرزقوا أنفسهم و ما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي و إنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق كلهم عيال الله و من أطعم عيال أحد فقد أطعمه «إن الله هو الرزاق» لعباده و للخلائق كلهم فلا يحتاج إلى معين «ذو القوة» أي ذو القدرة «المتين» أي القوي الذي يستحيل عليه العجز و الضعف إذ هو القادر لنفسه يقال متن متانة فهو متين إذا قوي «فإن للذين ظلموا» أنفسهم بالكفر و المعاصي «ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم» أي نصيبا من العذاب مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا نحو قوم نوح و عاد و ثمود «فلا يستعجلون» بإنزال العذاب عليهم فإنهم لا يفوتون «فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون» هذا يدل على أنهم أخروا إلى يوم القيامة و الويل كلمة تقولها العرب لكل من وقع في الهلكة.

النظم

وجه اتصال قوله «و السماء بنيناها بأيد» بما قبله هو أنه في قوم نوح آية و في السماء أيضا آية فهو متصل به في المعنى.