۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الذاريات، آية ٤٥

التفسير يعرض الآيات ٣٨ إلى ٤٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٣٨ فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ ٣٩ فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ ٤٠ وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١ مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢ وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ ٤٣ فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٤٤ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ٤٥ وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ فى مُوسى إِذْ أَرْسلْنَهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسلْطنٍ مّبِينٍ (38) فَتَوَلى بِرُكْنِهِ وَ قَالَ سحِرٌ أَوْ مجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فى الْيَمِّ وَ هُوَ مُلِيمٌ (40) وَ فى عَادٍ إِذْ أَرْسلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شىْءٍ أَتَت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كالرّمِيمِ (42) وَ فى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لهَُمْ تَمَتّعُوا حَتى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصعِقَةُ وَ هُمْ يَنظرُونَ (44) فَمَا استَطعُوا مِن قِيَامٍ وَ مَا كانُوا مُنتَصِرِينَ (45) وَ قَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنهُمْ كانُوا قَوْماً فَسِقِينَ (46)

القراءة

قرأ الكسائي الصعقة و الباقون «الصاعقة» بالألف و قرأ أبو عمرو و أهل الكوفة غير عاصم و قوم نوح بالجر و الباقون «قوم نوح» بالنصب.

الحجة

قال أبو علي قال أبو زيد الصاعقة التي تقع من السماء و الصاقعة التي تصقع الرؤوس و قال الأصمعي الصاعقة و الصاقعة سواء و أنشد الأصمعي:

{يحكون بالمصقولة القواطع --- تشقق البرق من الصواقع}

وأما الصعقة فقيل إنها مثل الزجرة و هو الصوت الذي يكون عن الصاعقة قال بعض الرجاز:

{لاح سحاب فرأينا برقه --- ثم تدانى فسمعنا صعقه}

ومن جر قوم نوح حمله على قوله و في موسى أي و في قوم نوح و قوله «و في موسى إذ أرسلناه» عطف على أحد شيئين إما أن يكون على و تركنا فيها آية و «في موسى» أو على قوله و في الأرض آيات للموقنين و «في موسى» أي و في إرسال موسى آيات واضحة و في قوم نوح آية و من نصب فقال «و قوم نوح» جاز في نصبه أيضا أمران كلاهما حمل على المعنى ( أحدهما ) أن قوله «أخذتهم الصعقة» يدل على أهلكناهم فكأنه قال و أهلكنا قوم نوح ( و الآخر ) أن قوله «فأخذناه و جنوده فنبذناهم في اليم» يدل على أغرقناهم فكأنه قال أغرقناهم و أغرقنا قوم نوح.

اللغة

الركن الجانب الذي يعتمد عليه يقال ركن يركن و ركن يركن أيضا مثل نصر ينصر.

و المليم الذي أتى بما يلام عليه و الملوم الذي وقع به اللوم و في المثل رب لائم مليم و رب ملوم لا ذنب له و العتو و التجبر و التكبر واحد و جمع الريح أرواح و رياح و منه راح الرجل إلى منزله أي رجع كالريح و الرميم الذي انتفى رمه بانتفاء ملائمة بعضه لبعض و أما رمه يرمه رما و الشيء مرموم أي مصلح بملائمة بعضه لبعض و أصل الرميم السحيق البالي من العظم.

المعنى

ثم بين سبحانه ما نزل بالأمم فقال «و في موسى» أي و في موسى أيضا آية «إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين» أي بحجة ظاهرة و هي العصا «فتولي بركنه» أي فأعرض فرعون عن قبول الحق بما كان يتقوى به من جنده و قومه كالركن الذي يقوى به البنيان و الباء في قوله «بركنه» للتعدية أي جعلهم يتولون «و قال» لموسى «ساحر أو مجنون» أي هو ساحر أو مجنون و في ذلك دلالة على جهل فرعون لأن الساحر هو اللطيف الحيلة و ذلك ينافي صفة المجنون المختلط العقل فكيف يوصف شخص واحد بهاتين الصفتين «فأخذناه و جنوده فنبذناهم في اليم» أي فطرحناهم في البحر كما يلقى الشيء في البر «و هو مليم» أتى بما يلام عليه من الكفر و الجحود و العتو «و في عاد» عطف على ما تقدم أي و في عاد أيضا آية أي دلالة فيها عظة و عبرة «إذ أرسلنا عليهم» أي حين أطلقنا عليهم «الريح العقيم» و هي التي عقمت عن أن تأتي بخير من تنشئة سحاب أو تلقيح شجر أو تذرية طعام أو نفع حيوان فهي كالمرأة الممنوعة عن الولادة إذ هي ريح الإهلاك ثم وصفها فقال «ما تذر من شيء أتت عليه» أي لم تترك هذه الريح شيئا تمر عليه «إلا جعلته كالرميم» أي كالشيء الهالك البالي و هو نبات الأرض إذا يبس و ديس و قيل الرميم العظم البالي السحيق «و في ثمود» أيضا آية «إذ قيل لهم تمتعوا» و ذلك أنهم لما عقروا الناقة قال لهم صالح تمتعوا ثلاثة أيام و هو قوله «تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم» أي فخرجوا عن أمر ربهم ترفعا عنه و استكبارا «فأخذتهم الصاعقة» بعد مضي الأيام الثلاثة و هو الموت عن ابن عباس و قيل هو العذاب و الصاعقة كل عذاب مهلك عن مقاتل «و هم ينظرون» إليها جهارا لا يقدرون على دفعها «فما استطاعوا من قيام» أي من نهوض و المعنى أنهم لم ينهضوا من تلك الصرعة «و ما كانوا منتصرين» أي ممتنعين من العذاب و قيل معناه ما كانوا طالبين ناصرا يمنعهم من عذاب الله «و قوم نوح» أي و أهلكنا قوم نوح «من قبل» أي من قبل عاد و ثمود «إنهم كانوا قوما فاسقين» أي خارجين عن طاعة الله إلى معاصيه و عن الإيمان إلى الكفر فاستحقوا لذلك الإهلاك.