۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الذاريات، آية ٢١

التفسير يعرض الآيات ١٥ إلى ٢٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٥ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ ١٦ كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ ١٧ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ١٨ وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ١٩ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠ وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٢١ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّ الْمُتّقِينَ فى جَنّتٍ وَ عُيُونٍ (15) ءَاخِذِينَ مَا ءَاتَاهُمْ رَبهُمْ إِنهُمْ كانُوا قَبْلَ ذَلِك محْسِنِينَ (16) كانُوا قَلِيلاً مِّنَ الّيْلِ مَا يهْجَعُونَ (17) وَ بِالأَسحَارِ هُمْ يَستَغْفِرُونَ (18) وَ فى أَمْوَلِهِمْ حَقّ لِّلسائلِ وَ المَْحْرُومِ (19) وَ فى الأَرْضِ ءَايَتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَ فى أَنفُسِكمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ (21) وَ فى السمَاءِ رِزْقُكمْ وَ مَا تُوعَدُونَ (22) فَوَ رَب السمَاءِ وَ الأَرْضِ إِنّهُ لَحَقّ مِّثْلَ مَا أَنّكُمْ تَنطِقُونَ (23)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص مثل ما بالرفع و الباقون بالنصب.

الحجة

قال أبو علي من رفع مثلا جعله وصفا لحق و جاز أن يكون مثل و إن كان مضافا إلى معرفة صفة للنكرة لأن مثلا لا يختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع التماثل بها بين المتماثلين فلما لم تخصه الإضافة و لم يزل عنه الإبهام و الشياع الذي كان فيه قبل الإضافة بقي على تنكره فقالوا مررت برجل مثلك فلذلك في الآية لم يتعرف بالإضافة إلى «أنكم تنطقون» و إن كان قوله «أنكم تنطقون» بمنزلة نطقكم و ما في قوله «مثل ما أنكم تنطقون» زائدة و أما من نصب فقال «مثل ما أنكم» فيحتمل ثلاثة أضرب ( أحدها ) أنه لما أضاف مثل إلى مبني و هو قوله «أنكم» بناه كما بني يومئذ في نحو قوله «من عذاب يومئذ» و: على حين عاتبت المشيب على الصبي و قوله:

{لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت --- حمامة في غصون ذات}

أو قال فغير في موضع رفع بأنه فاعل يمنع و إنما بنيت هذه الأسماء المبهمة نحو مثل و يوم و حين و غير إذا أضيفت إلى المبني لأنها تكتسي منه البناء لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه ما فيه من التعريف و التنكير و الجزاء و الاستفهام تقول هذا غلام زيد و صاحب القاضي فيتعرف الاسم بالإضافة إلى المعرفة و تقول غلام من يضرب فيكون استفهاما و تقول صاحب من يضرب أضرب فيكون جزاء فمن بنى هذه المبهمة إذا أضافها إلى مبني جعل البناء أحد ما يكتسيه من المضاف إليه و لا يجوز على هذا جاءني صاحب الخمسة عشر و لا غلام هذا لأن هذين من الأسماء غير المبهمة و المبهمة في إبهامها و بعدها من الاختصاص كالحروف التي تدل على أمور مبهمة فلما أضيفت إلى المبنية جاز ذلك فيها و البناء على الفتح في مثل قول سيبويه ( و القول الثاني ) أن تجعل ما مع مثل بمنزلة شيء واحد و بنيته على الفتح و إن كانت ما زائدة و هذا قول أبي عثمان و أنشد في ذلك قول الشاعر:

{وتداعى منخراه بدم --- مثل ما أثمر حماض الجبل}

فذهب إلى أن مثل مع ما بمنزلة شيء واحد و ينبغي أن يكون أثمر صفة لمثل ما لأنه لا يخلو من أن يكون صفة له أو يكون مثلا مضافا إلى الفعل فلا تجوز الإضافة لأنا لم نعلم مثلا أضيف إلى الفعل في موضع فكذلك لا نضيفه في هذا الموضع إلى الفعل فإذا لم تجز الإضافة كان وصفا و إذا كان وصفا وجب أن يعود منه إلى الموصوف ذكر فيحذف كما يحذف الذكر العائد من الصفة إلى الموصوف و قد يجوز أن لا يقدر مثل مع ما كشيء واحد و لكن تجعله مضافا إلى ما فيكون التقدير مثل شيء أثمره حماض الجبل فبني مثل على الفتح لإضافتها إلى ما و هو غير متمكن و لا يكون لأبي عثمان حينئذ في البيت حجة على كون مثل مع ما بمنزلة شيء واحد و يجوز أن يكون ما و الفعل بمنزلة المصدر فيكون مثل أثمار الحماض فيكون كقوله «و ما كانوا بآياتنا يجحدون» و قوله «بما كانوا يكذبون» ( و القول الثالث ) هو أن ينصب على الحال من النكرة في النطق و هو قول أبي عمرو الجرمي و ذو الحال الذكر المرفوع في قوله «لحق» و العامل في الحال هو الحق لأنه من المصادر التي وصف بها و يجوز أن يكون الحال من النكرة الذي هو حق في قوله «إنه لحق» و إلى هذا ذهب أبو عمرو و لم يعلم أنه جعله حالا من الذكر الذي في حق و هذا لا خلاف في جوازه و قد حمل أبو الحسن قوله تعالى «فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا» على الحال و ذو الحال كل أمر حكيم و هو نكرة فهذه وجوه النصب في مثل ما.

الإعراب

«كانوا قليلا من الليل ما يهجعون» يجوز أن يكون قليلا خبر كان و فاعله «ما يهجعون» و التقدير كانوا قليلا هجوعهم و يجوز أن يكون قليلا صفة مصدر محذوف على تقدير كانوا يهجعون هجوعا قليلا فتكون ما زائدة و يهجعون خبر كان.

و من في قوله «من الليل» يجوز أن يكون بمعنى الباء كما يكون الباء بمعنى من في قوله عينا يشرب بها عباد الله أي منها فيكون التقدير كانوا يهجعون بالليل قليلا و قيل إن قوله «ما يهجعون» بمنزلة هجوعهم و هو بدل من الواو في كانوا و قوله «من الليل» في موضع الصفة لقليل و التقدير كان هجوعهم قليلا من الليل و قوله «و في الأرض آيات للموقنين و في أنفسكم» أن رفعت آيات بالابتداء و جعلت في الأرض خبرا كان الضمير في قوله «و في أنفسكم» كالضمير في خبر المبتدأ و إن قدرت آيات مرتفعة بالظرف كان الضمير في قوله «و في أنفسكم» كالضمير في الفعل كقولهم قام زيد و قعد و التقدير و في أنفسكم آيات و كذا قوله فيما بعد و في موسى أي و في موسى آيات و في هود آيات و في ثمود آيات و في قوم نوح آيات و في عاد آيات.

المعنى

ثم ذكر سبحانه ما أعده لأهل الجنة فقال «إن المتقين في جنات و عيون» مر تفسيره «آخذين ما آتاهم ربهم» أي ما أعطاهم من الخير و الكرامة «إنهم كانوا قبل ذلك» يعني في دار التكليف «محسنين» يفعلون الطاعات و يحسنون إلى غيرهم بضروب الإحسان ثم ذكر إحسانهم في أعمالهم فقال «كانوا قليلا من الليل ما يهجعون» أي كانوا يهجعون قليلا من الليل يصلون أكثر الليل عن الزهري و إبراهيم و الهجوع النوم بالليل دون النهار و قيل معناه كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها عن سعيد بن جبير عن ابن عباس و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و المعنى كان الذي ينامون فيه كله قليلا و يكون الليل اسما للجنس و قال مجاهد لا ينامون كل الليل و قيل إن الوقف على قوله «قليلا» على معنى كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ فقال «من الليل ما يهجعون» فيكون ما بمعنى النفي عن الضحاك و مقاتل و هذا على نفي النوم عنهم البتة أي كانوا يحيون الليل بالقيام في الصلاة و قراءة القرآن و أقول إن ما إذا كان نفيا لا يتقدم عليه ما كان في حيزه إلا أن يتعلق قوله «من الليل» بفعل محذوف يدل عليه قوله يهجعون كما تقوله في قوله «إني لكما لمن الناصحين» و كانوا فيه من الزاهدين

«و بالأسحار هم يستغفرون» قال الحسن مدوا الصلاة إلى الأسحار ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار و قال أبو عبد الله (عليه السلام) كانوا يستغفرون الله في الوتر سبعين مرة في السحر و قيل إن معناه و بالأسحار هم يصلون و ذلك أن صلاتهم بالأسحار طلب منهم للمغفرة عن مجاهد و مقاتل و الكلبي ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال «و في أموالهم حق للسائل و المحروم» و السائل هو الذي يسأل الناس و المحروم هو المحارف عن ابن عباس و مجاهد و قيل المحروم المتعفف الذي لا يسأل عن قتادة و الزهري و قيل هو الذي لا سهم له في الغنيمة عن إبراهيم النخعي و الأصل أن المحروم هو الممنوع الرزق بترك السؤال أو ذهاب المال أو خراب الضيعة أو سقوط السهم من الغنيمة لأن الإنسان يصير فقيرا بهذه الوجوه و يريد سبحانه بقوله «حق» ما يلزمهم لزوم الديون من الزكوات و غير ذلك أو ما ألزموه أنفسهم من مكارم الأخلاق قال الشعبي أعياني أن أعلم ما المحروم و فرق قوم بين الفقير و المحروم بأنه قد يحرمه الناس بترك الإعطاء و قد يحرم نفسه بترك السؤال فإذا سأل لا يكون ممن حرم نفسه بترك السؤال و إنما حرمه الغير و إذا لم يسأل فقد حرم نفسه و لم يحرمه الناس «و في الأرض آيات» أي دلالات بينات و حجج نيرات «للموقنين» الذين يتحققون توحيد الله و إنما خص الموقنين لأنهم ينظرون فيها فيحصل لهم العلم بموجبها و آيات الأرض ما فيها من أنواع المخلوقات من الجبال و البحار و النبات و الأشجار كل ذلك دال على كمال قدرته و حكمته:

{وفي كل شيء له آية --- تدل على أنه واحد}

«و في أنفسكم» أي و في أنفسكم أيضا آيات دالات على وحدانيته «أ فلا تبصرون» أي أ فلا ترون أنها مصرفة من حال إلى حال و منتقلة من صفة إلى أخرى إذ كنتم نطفا فصرتم أحياء ثم كنتم أطفالا فصرتم شبابا ثم كهولا فهلا دلكم ذلك على أن لها صانعا صنعها و مدبرا دبرها و مصرفا فأصرفها على مقتضى الحكمة و قيل إن المراد بذلك اختلاف الألسنة و الصور و الألوان و الطبائع عن ابن عباس في رواية عطاء و قيل يريد سبيل الخلاء و البول و الأكل و الشرب من مدخل واحد و المخرج من سبيلين و تم الكلام عند قوله «و في أنفسكم» ثم عنفهم فقال «أ فلا تبصرون» و قيل يعني أنه خلقك سميعا بصيرا تغضب و ترضى و تجوع و تشبع و ذلك كله من آيات الله تعالى عن الصادق (عليه السلام) و قيل إن المعنى أ فلا تبصرون بقلوبكم نظر من كأنه يرى الحق بعينه «و في السماء رزقكم» ينزله الله إليكم بأن يرسل الغيث و المطر عليكم فيخرج به من الأرض أنواع ما تقتاتونه و تلبسونه و تنتفعون به «و ما توعدون» من الثواب و العقاب عن عطاء و قيل من الجنة و النار عن مجاهد و الضحاك و قيل معناه و في السماء تقدير رزقكم أي ما قسمه لكم مكتوب في أم الكتاب و جميع ما توعدون في السماء أيضا لأن الملائكة تنزل من السماء لقبض الأرواح و لاستنساخ الأعمال و لإنزال العذاب و يوم القيامة للجزاء و الحساب كما قال و يوم تشقق السماء بالغمام و نزل الملائكة تنزيلا ثم قال سبحانه «فو رب السماء و الأرض إنه لحق» أقسم سبحانه بنفسه أن ما ذكر من أمر الرزق و الآيات حق لا شك فيه عن الزجاج و قيل يعني أن ما قضي في الكتاب كائن عن الكلبي «مثل ما أنكم تنطقون» أي مثل نطقكم الذي تنطقون به فكما لا تشكون فيما تنطقون فكذلك لا تشكوا في حصول ما وعدتم به شبه الله تعالى تحقق ما أخبر عنه بتحقق نطق الآدمي و وجوده فأراد أنه لحق كما أن الآدمي ناطق و هذا كما تقول إنه لحق كما أنك هاهنا و إنه لحق كما أنك تتكلم و المعنى أنه في صدقه و تحقق وجوده كالذي تعرفه ضرورة.