۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ق، آية ٣٥

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢ مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥ وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ ٣٧ وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ ٣٨ فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ٣٩ وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ أُزْلِفَتِ الجَْنّةُ لِلْمُتّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ (32) مّنْ خَشىَ الرّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَ جَاءَ بِقَلْبٍ مّنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسلَمٍ ذَلِك يَوْمُ الخُْلُودِ (34) لهَُم مّا يَشاءُونَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) وَ كَمْ أَهْلَكنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشدّ مِنهُم بَطشاً فَنَقّبُوا فى الْبِلَدِ هَلْ مِن محِيصٍ (36) إِنّ فى ذَلِك لَذِكرَى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمْعَ وَ هُوَ شهِيدٌ (37) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنَهُمَا فى سِتّةِ أَيّامٍ وَ مَا مَسنَا مِن لّغُوبٍ (38) فَاصبرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَ سبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طلُوع الشمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَ مِنَ الّيْلِ فَسبِّحْهُ وَ أَدْبَرَ السجُودِ (40)

القراءة

قرأ أهل الحجاز و حمزة و خلف و إدبار بكسر الهمزة و الباقون «و أدبار السجود» بالفتح و في الشواذ قراءة ابن عباس و أبي العالية و يحيى بن يعمر فنقبوا في البلاد بكسر القاف و قراءة السدي و ألقى السمع و قراءة أبي عبد الرحمن السلمي و طلحة و ما مسنا من لغوب بفتح اللام.

الحجة

قال أبو علي أدبار مصدر و المصادر تجعل ظروفا على إرادة إضافة أسماء الزمان إليها و حذفها كقولك جئتك مقدم الحاج و خفوق النجم و خلافة فلان تريد في ذلك كله وقت كذا فكذلك يقدر هنا وقت أدبار السجود إلا أن المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر و لا يستعمل فهذا أدخل في باب الظروف من قول من فتح فكأنه أمر بالتسبيح بعد الفراغ من الصلاة و من فتح فجعله جمع دبر أو دبر مثل قفل و أقفال و طنب و أطناب و قد استعمل ذلك ظرفا نحو جئتك في دبر الصلاة و في أدبار الصلاة قال أوس بن حجر:

{على دبر الشهر الحرام بأرضنا --- وما حولها جدب سنون تلمع}

وأما من قرأ فنقبوا فقد قال ابن جني أنه فعلوا من النقب أي أدخلوا و غوروا في الأرض فإنكم لا تجدون لكم محيصا و قوله «أو ألقى السمع» معناه أو ألقى السمع منه و قوله «و ما مسنا من لغوب» فيمكن أن يكون من المصادر التي جاءت على فعول بفتح الفاء كالوضوء و الولوغ والوزوع و القبول و هي صفات مصادر محذوفة أي توضأت وضوءا أي وضوءا حسنا و كذلك هذا أي و ما مسنا من لغوب لغوب أي تعب متعب.

اللغة

الإزلاف التقريب إلى الخير و منه الزلفة و الزلفى و ازدلف إليه أي اقترب و المزدلفة منزلة قريبة من الموقف و هو المشعر و جمع و منه قول الراجز:

{ناج طواه الأين مما أوجفا --- طي الليالي زلفا فزلفا}

سماوة الهلال حتى احقوقفا و التنقيب التفتيح بما يصلح للسلوك و هو من النقب الذي هو الفتح قال امرؤ القيس:

{لقد نقبت في الآفاق حتى --- رضيت من الغنيمة بالإياب}

أي طوفت في طرقها و سرت في نقوبها و اللغوب الإعياء.

الإعراب

«غير بعيد» صفة مصدر محذوف تقديره إزلافا غير بعيد و يجوز أن يكون منصوبا على الحال من الجنة و لم يقل غير بعيدة لأنه في تقدير النسب أي غير ذات بعد و قوله «لكل أواب» يجوز أن يكون في موضع رفع بأنه خبر مبتدإ محذوف أي هو لكل أواب و لا يجوز أن يكون خبرا بعد خبر تقديره هذا الموعود هذا لكل أواب حفيظ و لا يجوز أن تتعلق اللام بتوعدون لأن الأوابين هم الموعودون لا الموعود لهم.

«من خشي الرحمن» يجوز أن يكون في محل جر على البدل من أواب فيتم الكلام عند قوله «و جاء بقلب منيب» و يجوز أن يكون مبتدأ و خبره محذوف على تقدير يقال لهم ادخلوها فعلى هذا يكون تمام الكلام عند قوله «لكل أواب حفيظ» و يقتضي أن يكون ادخلوها خطابا للمتقين و تقديره و تزلف الجنة للمتقين و يقال لهم ادخلوها بسلام.

المعنى

لما أخبر سبحانه عما أعده للكافرين و العصاة عقبه بذكر ما أعده للمتقين فقال «و أزلفت الجنة للمتقين» أي قربت الجنة و أدنيت للذين اتقوا الشرك و المعاصي حتى يروا ما فيها من النعيم و الجنة هي البستان الذي يجمع كل لذة من الأنهار و الأشجار و طيب الثمار و من الأزواج الكرام و الحور الحسان و الخدم من الولدان و من الأبنية الفاخرة المزينة بالياقوت و الزمرد و العقيان نسأل الله التوفيق لما يقرب من رضاه «غير بعيد» أي هي قريبة منهم لا يلحقهم ضرر و لا مشقة في الوصول إليها و قيل معناه ليس ببعيد مجيء ذلك لأن كل آت قريب و مثله قول الحسن كأنك بالدنيا كأن لم تكن و بالآخرة كأن لم تزل «هذا ما توعدون» أي هذا الذي ذكرناه هو ما وعدتم به من الثواب على ألسنة الرسل «لكل أواب» أي تواب رجاع إلى الطاعة عن الضحاك و ابن زيد و قيل لكل مسبح عن ابن عباس و عطاء «حفيظ» لما أمر الله به متحفظ من الخروج إلى ما لا يجوز من سيئة تدنسه أو خطيئة تحط منه و تشينه «من خشي الرحمن بالغيب» أي هو من خاف الله و أطاعه و آمن بثوابه و عقابه و لم يره و قيل بالغيب أي في الخلوة بحيث لا يراه أحد عن الضحاك و السدي «و جاء بقلب منيب» أي و دام على ذلك حتى وافى الآخرة بقلب مقبل على طاعة الله راجع إلى الله بضمائره «ادخلوها بسلام» أي يقال لهم أدخلوا الجنة بأمان من كل مكروه و سلامة من كل آفة و قيل بسلام من الله و ملائكته عليهم «ذلك يوم الخلود» الوقت الذي يبقون فيه في النعيم مؤبدين لا إلى غاية «لهم ما يشاءون فيها» أي لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم و يريدونه من أنواع النعم «و لدينا مزيد» أي و عندنا زيادة على ما يشاءونه مما لم يخطر ببالهم و لم تبلغهم أمانيهم و قيل هو الزيادة على مقدار استحقاقهم من الثواب بأعمالهم ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال «و كم أهلكنا قبلهم من قرن» أي كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء من القرون الذين كذبوا رسلهم «هم أشد منهم بطشا» أي الذين أهلكناهم كانوا أشد قوة من هؤلاء و أكثر عدة و عدة و لم يتعذر علينا ذلك فما الذي يؤمن هؤلاء من مثله «فنقبوا في البلاد» أي فتحوا المسالك في البلاد بشدة بطشهم أصله من النقب و هو الطريق و قيل معناه ساروا في البلاد و طوفوا فيها بقوتهم و سلكوا كل طريق و سافروا في أعمار طويلة «هل من محيص» أي هل من محيد عن الموت و منجى من الهلاك يعني لم يجدوا في جميع ذلك من الموت و الهلاك منجى و مهربا «إن في ذلك» أي فيما أخبرته و قصصته «لذكرى» أي ما يعتبر به و يتفكر فيه «لمن كان له قلب» معنى القلب هنا العقل عن ابن عباس من قولهم أين ذهب قلبك و فلان قلبه معه و إنما قال ذلك لأن من لا يعي الذكر لا يعتد بما له من القلب و قيل لمن كان له قلب حي.

عن قتادة «أو ألقى السمع و هو شهيد» أي استمع و لم يشغل قلبه بغير ما يستمع و هو شهيد لما يسمع فيفقهه غير غافل عنه و لا ساه عن ابن عباس و مجاهد و الضحاك يقال ألق إلي سمعك أي اسمع قال ابن عباس كان المنافقون يجلسون عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يخرجون فيقولون ما ذا قال آنفا ليس قلوبهم معهم و قيل هو شهيد على صفة النبي في الكتب السالفة يريد أهل الكتاب عن قتادة «و لقد خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام و ما مسنا من لغوب» أي نصب و تعب أكذب الله تعالى بهذا اليهود فإنهم قالوا استراح الله يوم السبت فلذلك لا تعمل فيه شيئا «فاصبر على ما يقولون» يا محمد من بهتهم و كذبهم و قولهم إنك ساحر أو مجنون و احتمل ذلك حتى يأتي الله بالفرج و هذا قبل أن أمر الله بالقتال «و سبح بحمد ربك» أي و صل و أحمد الله تعالى سمي الصلاة تسبيحا لأن الصلاة تشتمل على التسبيح و التحميد عن ابن عباس و قتادة و ابن زيد و قيل أراد به التسبيح بالقول تنزيها لله تعالى عما لا يليق به «قبل طلوع الشمس و قبل الغروب» يعني صلاة الفجر و صلاة الظهر و العصر عن قتادة و ابن زيد «و من الليل فسبحه» يعني المغرب و العشاء الآخرة و قيل و من الليل يعني صلاة الليل و يدخل فيه صلاة المغرب و العشاء عن مجاهد و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن قوله «و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل الغروب» فقال تقول حين تصبح و حين تمسي عشرات مرات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو على كل شيء قدير «و أدبار السجود» فيه أقوال ( أحدها ) أن المراد به الركعتان بعد المغرب و إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الحسن بن علي (عليهما السلام) و الحسن و الشعبي و عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ( و ثانيها ) أنه التسبيح بعد كل صلاة عن ابن عباس و مجاهد ( و ثالثها ) أنه النوافل بعد المفروضات عن ابن زيد و الجبائي ( و رابعها ) أنه الوتر من آخر الليل روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام).