۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحجرات، آية ١٣

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣ ۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا يَسخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسى أَن يَكُونُوا خَيراً مِّنهُمْ وَ لا نِساءٌ مِّن نِّساءٍ عَسى أَن يَكُنّ خَيراً مِّنهُنّ وَ لا تَلْمِزُوا أَنفُسكمْ وَ لا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَبِ بِئْس الاسمُ الْفُسوقُ بَعْدَ الايمَنِ وَ مَن لّمْ يَتُب فَأُولَئك هُمُ الظلِمُونَ (11) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظنِّ إِنّ بَعْض الظنِّ إِثْمٌ وَ لا تجَسسوا وَ لا يَغْتَب بّعْضكُم بَعْضاً أَ يحِب أَحَدُكمْ أَن يَأْكلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ (12) يَأَيهَا النّاس إِنّا خَلَقْنَكم مِّن ذَكَرٍ وَ أُنثى وَ جَعَلْنَكمْ شعُوباً وَ قَبَائلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكرَمَكمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قَالَتِ الأَعْرَاب ءَامَنّا قُل لّمْ تُؤْمِنُوا وَ لَكِن قُولُوا أَسلَمْنَا وَ لَمّا يَدْخُلِ الايمَنُ فى قُلُوبِكُمْ وَ إِن تُطِيعُوا اللّهَ وَ رَسولَهُ لا يَلِتْكم مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شيْئاً إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (14)

القراءة

قرأ أهل البصرة لا يألتكم بالألف و الباقون «لا يلتكم» بغير الألف.

الحجة

قال أبو زيد ألته حقه يألته ألتا إذا نقصه و قوم يقولون لات يليت ليتا و يقال لت الرجل أليته ليتا إذا عميت عليه الخبر فأخبرته بغير ما يسألك عنه قال رؤبة:

{وليلة ذات ندى سريت --- و لم يلتني عن سراها}

ليت و قوم يقولون ألاتني عن حقي و ألاتني عن حاجتي أي صرفني عنها و حجة من قرأ لا يألتكم قوله تعالى «و ما ألتناهم» و من قرأ «يلتكم» جعله من لات يليت.

اللغة

الهمز و اللمز العيب و الغض من الناس فاللمز هو الرمي بالعيب لمن لا يجوز أن يؤذى بذكره و هو المنهي عنه فأما ذكر عيب الفاسق فليس بلمز و قد ورد في الحديث قولوا في الفاسق ما فيه كي يحذره الناس و النبز القذف باللقب يقال نبزته أنبزه و الغيبة أن تذكر الإنسان من ورائه بسوء هو فيه فإذا ذكرته بما ليس فيه فهو البهت و البهتان و الشعوب الذي يصغر شأن العرب و لا يري لهم فضلا على غيرهم سموا بذلك لأنهم تأولوا «و جعلناكم شعوبا» على أن الشعوب من العجم كالقبائل من العرب و قال أبو عبيدة الشعوب العجم و أصله من التشعب و هو كثرة تفرقهم في النسب و يقال شعبته جمعته و شعبته فرقته و هو من الأضداد.

النزول

نزل قوله «لا يسخر قوم من قوم» في ثابت بن قيس بن شماس و كان في أذنه وقر و كان إذا دخل المسجد تفسحوا له حتى يقعد عند النبي فيسمع ما يقول فدخل المسجد يوما و الناس قد فرغوا من الصلاة و أخذوا مكانهم فجعل يتخطى رقاب الناس و يقول تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى رجل فقال له أصبت مجلسا فاجلس فجلس خلفه مغضبا فلما انجلت الظلمة قال من هذا قال الرجل أنا فلان فقال ثابت ابن فلانة ذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه حياء فنزلت الآية عن ابن عباس و قوله «و لا نساء من نساء» نزل في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سخرن من أم سلمة عن أنس و ذلك أنها ربطت حقويها بسبيبة و هي ثوب أبيض و سدلت طرفيها خلفها فكانت تجره فقالت عائشة لحفصة انظري ما ذا تجر خلفها كأنه لسان كلب فلهذا كانت سخريتهما و قيل أنها عيرتها بالقصر و أشارت بيدها أنها قصيرة عن الحسن

وقوله «و لا يغتب بعضكم بعضا» نزل في رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اغتابا رفيقهما و هو سلمان بعثاه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليأتي لهما بطعام فبعثه إلى أسامة بن زيد و كان خازن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على رحله فقال ما عندي شيء فعاد إليهما فقالا بخل أسامة و قالا لسلمان لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما قالا يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما قال ظللتم تأكلون لحم سلمان و أسامة فنزلت الآية و عن أبي قلابة قال أن عمر بن الخطاب حدث أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر في بيته هو و أصحابه فانطلق عمر حتى دخل عليه فإذا ليس عنده إلا رجل فقال أبو محجن يا أمير المؤمنين أن هذا لا يحل لك قد نهاك الله عن التجسس فقال عمر ما يقول هذا قال زيد بن ثابت و عبد الله بن الأرقم صدق يا أمير المؤمنين قال فخرج عمر و تركه و خرج عمر بن الخطاب أيضا و معه عبد الرحمن بن عوف يعسان فتبينت لهما نار فأتيا و استأذنا ففتح الباب فدخلا فإذا رجل و امرأة تغني و على يد الرجل قدح فقال عمر من هذه منك قال امرأتي قال و ما في هذا القدح قال ماء فقال للمرأة ما الذي تغنين قالت أقول:

{تطاول هذا الليل و أسود جانبه --- و أرقني ألا حبيب ألاعبه} {فو الله لو لا خشية الله و التقى --- لزعزع من هذا السرير جوانبه} {ولكن عقلي و الحياء يكفني --- وأكرم بعلي أن تنال مراكبه}

ثم قال الرجل ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين قال الله تعالى «و لا تجسسوا» فقال عمر صدقت و انصرف و قوله «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى» قيل نزلت في ثابت بن قيس بن شماس و قوله للرجل الذي لم يتفسح له ابن فلانة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) من الذاكر فلأنه فقام ثابت فقال أنا يا رسول الله فقال أنظر في وجوه القوم فنظر إليهم فقال ما رأيت يا ثابت قال رأيت أبيض و أسود و أحمر قال فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى و الدين فنزلت هذه الآية «يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس» الآية عن ابن عباس و قيل لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلالا حتى علا ظهر الكعبة و أذن فقال عتاب بن أسيد الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم و قال الحرث بن هشام أ ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا و قال سهيل بن عمرو أن يرد الله شيئا يغيره لغيره و قال أبو سفيان إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبره به رب السماوات فأتى جبرائيل (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بما قالوا فدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و سألهم عما قالوا فأقروا به و نزلت الآية و زجرهم عن التفاخر بالأنساب و الإزدراء بالفقر و التكاثر بالأموال عن مقاتل.

المعنى

لما أمر سبحانه بإصلاح ذات البين و نهى عن التفرق عقب ذلك بالنهي عن أسباب الفرقة من السخرية و الإزدراء بأهل الفقر و المسكنة و نحو ذلك فقال «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم» قال الخليل القوم يقع على الرجال دون النساء لقيام بعضهم مع بعض في الأمور قال زهير:

{وما أدري و لست أخال أدري --- أقوم آل حصن أم نساء}

فالمعنى لا يسخر رجال من رجال و السخرية الاستهزاء قال مجاهد معناه لا يسخر غني من فقير لفقره و ربما يكون الفقير المهين في ظاهر الحال خيرا و أجل منزلة عند الله من الغني الحسن الحال و لو سخر مؤمن من كافر احتقارا له لم يكن مأثوما و قال ابن زيد هذا نهي عن استهزاء المسلمين بمن أعلن بفسقه عسى أن يكون المسخور عند الله خيرا من الساخر معتقدا أو أسلم باطنا «و لا نساء من نساء» على المعنى الذي تقدم «عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم» أي لا يطعن بعضكم على بعض كما قال تعالى و لا تقتلوا أنفسكم لأن المؤمنين كنفس واحدة فكأنه إذا قتل أخاه قتل نفسه عن ابن عباس و قتادة و اللمز العيب في المشهد و الهمز العيب في المغيب و قيل أن اللمز يكون باللسان و بالعين و بالإشارة و الهمز لا يكون إلا باللسان و قيل معناه و لا يلعن بعضكم بعضا عن الضحاك «و لا تنابزوا بالألقاب» جمع اللقب و هو اسم غير الذي سمي به الإنسان و قيل هو كل اسم لم يوضع له و إذا دعي به يكرهه فأما إذا كان لا يسوؤه و لا يكرهه فلا بأس فيه مثل الفقيه و القاضي و قيل هو قول الرجل للرجل يا كافر يا فاسق يا منافق عن قتادة و عكرمة و قيل كان اليهودي و النصراني يسلم فيقال له بعد ذلك يا يهودي أو يا نصراني فنهوا عن ذلك عن الحسن و قيل هو أن يعمل إنسان شيئا من القبيح ثم يتوب منه فيعير بما سلف منه عن ابن عباس و روي أن صفية بنت حيي بن أخطب جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تبكي فقال لها ما وراءك فقالت إن عائشة تعيرني و تقول يهودية بنت يهوديين فقال لها هلا قلت أبي هارون و عمي موسى و زوجي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية عن ابن عباس «بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان» أي بئس الاسم أن يقول له يا يهودي يا نصراني و قد آمن عن الحسن و غيره و المعنى بئس الشيء تسميته باسم الفسوق يعني الكفر بعد الإيمان و قيل معناه بئس الشيء اكتساب اسم الفسوق باغتياب المسلمين ولمزهم و هذا لا يدل على أن اسم الإيمان و الفسق لا يجتمعان لأن هذا كما يقال بئس الحال الفسوق بعد الشيب و المعنى بئس الحال الفسوق مع الشيب و بئس الاسم الفسوق مع الإيمان على أن الظاهر أن المعنى أن الفسوق الذي يتعقب الإيمان بئس الاسم و ذلك هو الكفر «و من لم يتب» من التنابز و المعاصي و يرجع إلى طاعة الله تعالى «فأولئك هم الظالمون» نفوسهم بفعل ما يستحقون به العقاب «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن» قال الزجاج هو أن يظن بأهل الخير سوء فأما أهل السوء و الفسق فلنا أن نظن بهم مثل ما ظهر منهم و قيل هو أن يظن بأخيه المسلم سوءا و لا بأس به ما لم يتكلم به فإن تكلم بذلك الظن و أبداه أثم و هو قوله «إن بعض الظن إثم» يعني ما أعلنه مما ظن بأخيه عن المقاتلين و قيل إنما قال كثيرا من الظن لأن من جملته ما يجب العمل به و لا يجوز مخالفته و إنما يكون إثما إذا فعله صاحبه و له الطريق إلى العلم بدلا منه فهذا ظن محرم لا يجوز فعله فأما ما لا سبيل إلى دفعه بالعلم بدلا منه فليس بإثم و لذلك قال «بعض الظن إثم» دون جميعه و الظن المحمود قد بينه الله تعالى و دل عليه بقوله «لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيرا» و قيل معناه يجب على المؤمن أن يحسن الظن و لا يسيئه في شيء يجد له تأويلا جميلا و إن كان ظاهرا قبيحا

###

«و لا تجسسوا» أي و لا تتبعوا عثرات المؤمنين عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و قال أبو عبيدة التجسس و التحسس واحد و روي في الشواذ عن ابن عباس و لا تحسسوا بالحاء قال الأخفش و ليس يبعد أحدهما عن الآخر إلا أن التجسس عما يكتم و منه الجاسوس و التحسس بالحاء البحث عما تعرفه و قيل إن التجسس بالجيم في الشر و الجاسوس صاحب سر الشر و الناموس صاحب سر الخير و قيل معناه لا تتبعوا عيوب المسلمين لتهتكوا العيوب التي سترها أهلها و قيل معناه و لا تبحثوا عما خفي حتى يظهر عن الأوزاعي و في الحديث إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث و لا تجسسوا و لا تقاطعوا و لا تحاسدوا و لا تنابزوا و كونوا عباد الله إخوانا و قوله «و لا يغتب بعضكم بعضا» الغيبة ذكر العيب بظهر الغيب على وجه تمنع الحكمة منه و في الحديث إذا ذكرت الرجل بما فيه مما يكرهه الله فقد اغتبته و إذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته و عن جابر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إياكم و الغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا ثم قال أن الرجل يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه ثم ضرب سبحانه للغيبة مثلا فقال «أ يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا» و تأويله إن ذكرك بالسوء من لم يحضرك بمنزلة أن تأكل لحمه و هو ميت لا يحس بذلك عن الزجاج و لما قيل لهم أ يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا لا فقيل «فكرهتموه» أي فكما كرهتم ذلك فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا عن مجاهد و قيل فكما كرهتم لحمه ميتا فاكرهوا غيبته حيا عن الحسن فهذا هو تقدير الكلام و قوله «و اتقوا الله» معطوف على هذا الفعل المقدر و مثله أ لم نشرح لك صدرك و وضعنا أي و قد شرحنا و وضعنا و يقال للمغتاب فلان يأكل لحوم الناس قال:

{وليس الذئب يأكل لحم ذئب --- ويأكل بعضنا بعضا عيانا}

وقال آخر:

{فإن يأكلوا لحمي و فرت لحومهم --- وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا}

وقال قتادة كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا لكراهية الطبع كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته لكراهية العقل و الشرع لأن دواعي العقل و الشرع أحق بالإتباع من دواعي الطبع فإن داعي الطبع أعمى و داعي العقل بصير و عن ميمون بن شاة و كان يفضل على الحسن لأنه قد لقي من لم يلقه الحسن قال بينا أنا نائم إذا بجيفة زنجي و قائل يقول لي كل يا عبد الله قلت و لم آكل قال بما اغتيب عندك فلان قلت و الله ما ذكرت فيه خيرا و لا شرا قال لكنك استمعت فرضيت و كان ميمون بعد ذلك لا يدع أن يغتاب عنده واحد و قال رجل لابن سيرين إني قد اغتبتك فاجعلني في حل قال إني أكره أن أحل ما حرم الله «إن الله تواب» قابل التوبة «رحيم» بالمؤمنين «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى» أي من آدم و حواء و المعنى أنكم متساوون في النسب لأن كلكم يرجع في النسب إلى آدم و حواء زجر الله سبحانه عن التفاخر بالأنساب و روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إنما أنتم من رجل و امرأة كجمام الصاع ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى ثم ذكر سبحانه أنه إنما فرق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا فقال «و جعلناكم شعوبا و قبائل» و هي جمع شعب و هو الحي العظيم مثل مضر و ربيعة و قبائل هي دون الشعوب كبكر من ربيعة و تميم من مضر هذا قول أكثر المفسرين و قيل الشعوب دون القبائل و إنما سميت بذلك لتشعبها و تفرقها عن الحسن و قيل أراد بالشعوب الموالي و بالقبائل العرب في رواية عطا عن ابن عباس و إلى هذا ذهب قوم فقالوا الشعوب من العجم و القبائل من العرب و الأسباط من بني إسرائيل و روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) «لتعارفوا» أي جعلناكم كذلك لتعارفوا فيعرف بعضكم بعضا بنسبه و أبيه و قومه و لو لا ذلك لفسدت المعاملات و خربت الدنيا و لما أمكن نقل حديث

«إن أكرمكم عند الله أتقاكم» أي إن أكثركم ثوابا و أرفعكم منزلة عند الله أتقاكم لمعاصيه و أعملكم بطاعته و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال يقول الله تعالى يوم القيامة أمرتكم فضيعتم ما عهدت إليكم فيه و رفعتم أنسابكم فاليوم أرفع نسبي و أضع أنسابكم أين المتقون «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» و روي أن رجلا سأل عيسى بن مريم أي الناس أفضل فأخذ قبضتين من تراب فقال أي هاتين أفضل الناس خلقوا من تراب فأكرمهم أتقاهم أبو بكر البيهقي بالإسناد عن عباية بن ربعي عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله عز و جل جعل الخلق قسمين فجعلني في خيرهم قسما و ذلك قوله «و أصحاب اليمين» و «أصحاب الشمال» فأنا من أصحاب اليمين و أنا خير أصحاب اليمين ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا و ذلك قوله «فأصحاب الميمنة» و «أصحاب المشأمة» و «السابقون السابقون» فأنا من السابقين و أنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة و ذلك قوله «و جعلناكم شعوبا و قبائل» الآية فإني أتقي ولد آدم و لا فخر و أكرمهم على الله و لا فخر ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا و ذلك قوله عز و جل «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا» فأنا و أهل بيتي مطهرون من الذنوب «إن الله عليم» بأعمالكم «خبير» بأحوالكم لا يخفى عليه شيء من ذلك «قالت الأعراب آمنا» و هم قوم من بني أسد أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سنة جدية و أظهروا الإسلام و لم يكونوا مؤمنين في السر إنما كانوا يطلبون الصدقة و المعنى أنهم قالوا صدقنا بما جئت به فأمره الله سبحانه أن يخبرهم بذلك ليكون آية معجزة له فقال «قل لم تؤمنوا» أي لم تصدقوا على الحقيقة في الباطن «و لكن قولوا أسلمنا» أي أنقدنا و استسلمنا مخافة السبي و القتل عن سعيد بن جبير و ابن زيد ثم بين سبحانه أن الإيمان محله القلب دون اللسان فقال «و لما يدخل الإيمان في قلوبكم» قال الزجاج الإسلام إظهار الخضوع و القبول لما أتى به الرسول و بذلك يحقن الدم فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد و تصديق بالقلب فذلك الإيمان و صاحبه المؤمن المسلم حقا فأما من أظهر قبول الشريعة و استسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم و باطنه غير مصدق و قد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله «و لما يدخل الإيمان في قلوبكم» أي لم تصدقوا بعد بما أسلمتم تعوذا من القتل فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر و المسلم التام الإسلام مظهر للطاعة و هو مع ذلك مؤمن بها و الذي أظهر الإسلام تعوذا من القتل غير مؤمن في الحقيقة إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين و روى أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال الإسلام علانية و الإيمان في القلب و أشار إلى صدره «و إن تطيعوا الله و رسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا» أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا عن ابن عباس و مقاتل «إن الله غفور رحيم».