۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفتح، آية ٣

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١ لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤ لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِنّا فَتَحْنَا لَك فَتْحاً مّبِيناً (1) لِّيَغْفِرَ لَك اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنبِك وَ مَا تَأَخّرَ وَ يُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك وَ يهْدِيَك صِرَطاً مّستَقِيماً (2) وَ يَنصرَك اللّهُ نَصراً عَزِيزاً (3) هُوَ الّذِى أَنزَلَ السكِينَةَ فى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيزْدَادُوا إِيمَناً مّعَ إِيمَنهِمْ وَ للّهِ جُنُودُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (4) لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ جَنّتٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَ يُكفِّرَ عَنْهُمْ سيِّئَاتهِمْ وَ كانَ ذَلِك عِندَ اللّهِ فَوْزاً عَظِيماً (5)

اللغة

الفتح ضد الأغلاق و هو الأصل ثم استعمل في مواضع فمنها الحكم و القضاء و يسمى الحاكم فتاحا و الفتاحة الحكومة و منها النصر و الاستفتاح الاستنصار و منها فتح البلدان و منها العلم و قوله و عنده مفاتح الغيب من ذلك.

المعنى

«إنا فتحنا لك فتحا مبينا» أي قضينا لك قضاء ظاهرا عن قتادة و قيل معناه يسرنا لك يسرا بينا عن مقاتل و قيل معناه أعلمناك علما ظاهرا فيما أنزلناه عليك من القرآن و أخبرناك به من الدين و قيل معناه أرشدناك إلى الإسلام و فتحنا لك أمر الدين عن الزجاج ثم اختلف في هذا الفتح على وجوه:

( أحدها ) أن المراد به فتح مكة وعدها الله ذلك عام الحديبية عند انكفائه منها عن أنس و قتادة و جماعة من المفسرين قال قتادة نزلت هذه الآية عند مرجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية بشر في ذلك الوقت بفتح مكة و تقديره إنا فتحنا لك مكة أي قضينا لك بالنصر على أهلها و عن جابر قال ما كنا نعلم فتح مكة إلا يوم الحديبية

( و ثانيها ) إن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية و كان فتحا بغير قتال قال الفراء الفتح قد يكون صلحا و معنى الفتح في اللغة فتح المنغلق و الصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله و قال الزهري لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية و ذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم و أسلم في ثلاث سنين خلق كثير فكثر بهم سواد الإسلام و قال الشعبي بويع بالحديبية و ذلك بيعة الرضوان و أطعم نخيل خيبر و ظهرت الروم على فارس و فرح المسلمون بظهور أهل الكتاب و هم الروم على المجوس إذ كان فيه مصداق قول الله تعالى إنهم سيغلبون و «يبلغ الهدي محله» و الحديبية بئر روي أنه نفذ ماؤها فظهر فيها من أعلام النبوة ما اشتهرت به الروايات قال البراء بن عازب تعدون أنتم الفتح فتح مكة و قد كان فتح مكة فتحا و نحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أربع عشرة مائة و الحديبية بئر فنزحناها فما ترك منها قطرة فبلغ ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض و دعا ثم صبه فيها و تركها ثم إنها أصدرتنا نحن و ركابنا و في حديث سلمة بن الأكوع إما دعا و إما بزق فيها فجاشت فسقينا و أسقينا و عن محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج لزيارة البيت لا يريد حربا فذكر الحديث إلى أن قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انزلوا فقالوا يا رسول الله ما بالوا ذي ماء فأخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كنانته سهما فأعطاه رجلا من أصحابه فقال له أنزل في بعض هذه القلب فأغرزه في جوفه ففعل فجاش بالماء الرواء حتى ضرب الناس بعطن و عن عروة و ذكر خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال و خرجت قريش من مكة فسبقوه إلى بلدح و إلى الماء فنزلوا عليه فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قد سبق نزل على الحديبية و ذلك في حر شديد و ليس فيها إلا بئر واحدة فأشفق القوم من الظمأ و القوم كثير فنزل فيها رجال يمتحونها و دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدلو من ماء فتوضأ و مضمض فاه ثم مج فيه و أمر أن يصب في البئر و نزع سهما من كنانته و ألقاه في البئر فدعا الله تعالى ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها و هم جلوس على شفتها و روى سالم بن أبي الجعد قال قلت لجابر كم كنتم يوم الشجرة قال كنا ألفا و خمسمائة و ذكر عطشا أصابهم قال فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بماء في تور فوضع يده فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون قال فشربنا وسعنا و كفانا قال قلت كم كنتم قال لو كنا مائة ألف كفانا كنا ألفا و خمسمائة

( و ثالثها ) أن المراد بالفتح هنا فتح خيبر عن مجاهد و العوفي و روي عن مجمع بن حارثة الأنصاري كان أحد القراء قال شهدنا الحديبية مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزءون الأباعر فقال بعض الناس لبعض ما بال الناس قالوا أوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرجنا نوجف فوجدنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقفا على راحلته عند كراع الغميم فلما اجتمع الناس إليه قرأ «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» السورة فقال عمر أ فتح هو يا رسول الله قال نعم و الذي نفسي بيده إنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل فيها أحد إلا من شهدها

( و رابعها ) أن الفتح الظفر على الأعداء كلهم بالحجج و المعجزات الظاهرة و إعلاء كلمة الإسلام «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر» قد قيل فيه أقوال كلها غير موافق لما يذهب إليه أصحابنا أن الأنبياء معصومون من الذنوب كلها صغيرها و كبيرها قبل النبوة و بعدها

( فمنها ) أنهم قالوا معناه ما تقدم من معاصيك قبل النبوة و ما تأخر عنها

( و منها ) قولهم ما تقدم الفتح و ما تأخر عنه

( و منها ) قولهم ما وقع و ما لم يقع على الوعد بأنه يغفره له إذا وقع

( و منها ) قولهم ما تقدم من ذنب أبويك آدم و حواء ببركتك و ما تأخر من ذنوب أمتك بدعوتك و الكلام في ذنب آدم كالكلام في ذنب نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) و من حمل ذلك على الصغائر التي تقع محبطة عندهم فالذي يبطل قولهم إن الصغائر إذا سقط عقابها وقعت مكفرة فكيف يجوز أن يمن الله سبحانه على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يغفرها له و إنما يصح الامتنان و التفضل منه سبحانه بما يكون له المؤاخذة به لا بما لو عاقب به لكان ظالما عندهم فوضح فساد قولهم و لأصحابنا فيه وجهان من التأويل ( أحدهما ) أن المراد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب أمتك و ما تأخر بشفاعتك و أراد بذكر التقدم و التأخر ما تقدم زمانه و ما تأخر كما يقول القائل لغيره صفحت عن السالف و الآنف من ذنوبك و حسنت إضافة ذنوب أمته إليه للاتصال و السبب بينه و بين أمته و يؤيد هذا الجواب ما رواه المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) قال سأله رجل عن هذه الآية فقال و الله ما كان له ذنب و لكن الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ما تقدم من ذنبهم و ما تأخر و روى عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) عن قول الله سبحانه «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر» قال ما كان له ذنب و لا هم بذنب و لكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له ( و الثاني ) ما ذكره المرتضى قدس الله روحه أن الذنب مصدر و المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل و المفعول معا فيكون هنا مضافا إلى المفعول و المراد ما تقدم من ذنبهم إليك في منعهم إياك عن مكة و صدهم لك عن المسجد الحرام و يكون معنى المغفرة على هذا التأويل الإزالة و النسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه أي يزيل الله تعالى ذلك عنك و يستر عليك تلك الوصمة بما يفتح لك من مكة فستدخلها فيما بعد و لذلك جعله جزاء على جهاده و غرضا في الفتح و وجها له قال و لو أنه أراد مغفرة ذنوبه لم يكن قوله «إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله» معنى معقول لأن المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح فلا يكون غرضا فيه و أما قوله «ما تقدم» و «ما تأخر» فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك و بقومك و قيل أيضا في ذلك وجوه أخر

( منها ) إن معناه لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك

( و منها ) أن المراد بالذنب هناك ترك المندوب و حسن ذلك لأن من المعلوم أنه ممن لا يخالف الأوامر الواجبة فجاز أن يسمى ذنبا منه ما لو وقع من غيره لم يسم ذنبا لعلو قدره و رفعة شأنه

( و منها ) أن القول خرج مخرج التعظيم و حسن الخطاب كما قيل في قوله عفا الله عنك و هذا ضعيف لأن العادة جرت في مثل هذا أن يكون على لفظ الدعاء و قوله «و يتم نعمته عليك» معناه و يتم نعمته عليك في الدنيا بإظهارك على عدوك و إعلاء أمرك و نصرة دينك و بقاء شرعك و في الآخرة برفع محلك فإن معنى إتمام النعمة فعل ما يقتضيها و تبقيتها على صاحبها و الزيادة فيها و قيل يتم نعمته عليك بفتح خيبر و مكة و الطائف «و يهديك صراطا مستقيما» أي و يثبتك على صراط يؤدي بسالكه إلى الجنة «و ينصرك الله نصرا عزيزا» النصر العزيز هو ما يمتنع به من كل جبار عند و عات مريد و قد فعل ذلك بنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ صير دينه أعز الأديان و سلطانه أعظم السلطان «هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين» و هي أن يفعل الله بهم اللطف الذي يحصل لهم عنده من البصيرة بالحق ما تسكن إليه نفوسهم و ذلك بكثرة ما ينصب لهم من الأدلة الدالة عليه فهذه النعمة التامة للمؤمنين خاصة و أما غيرهم فتضطرب نفوسهم لأول عارض من شبهة ترد عليهم إذ لا يجدون برد اليقين و روح الطمأنينة في قلوبهم و قيل هي النصرة للمؤمنين لتسكن بذلك قلوبهم و يثبتوا في القتال و قيل هي ما أسكن قلوبهم من التعظيم لله و لرسوله «ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم» أي يقينا إلى يقينهم بما يرون من الفتوح و علو كلمة الإسلام على وفق ما وعدوا و قيل ليزدادوا تصديقا بشرائع الإسلام و هو أنهم كلما أمروا بشيء من الشرائع و الفرائض كالصلاة و الصيام و الصدقات صدقوا به و ذلك بالسكينة التي أنزلها الله في قلوبهم عن ابن عباس و المعنى ليزدادوا معارف على المعرفة الحاصلة عندهم «و لله جنود السموات و الأرض» يعني الملائكة و الجن و الإنس و الشياطين عن ابن عباس و المعنى أنه لو شاء لأعانكم بهم و فيه بيان أنه لو شاء لأهلك المشركين لكنه عالم بهم و بما يخرج من أصلابهم فأمهلهم لعلمه و حكمته و لم يأمر بالقتال عن عجز و احتياج لكن ليعرض المجاهدين لجزيل الثواب «و كان الله عليما حكيما» فكل أفعاله حكمة و صواب «ليدخل المؤمنين و المؤمنات» تقديره إنا فتحنا لك ليغفر لك الله إنا فتحنا لك ليدخل المؤمنين و المؤمنات «جنات» و لذلك لم يدخل واو العطف في ليدخل إعلاما بالتفصيل «تجري من تحتها الأنهار» أي من تحت أشجارها الأنهار «خالدين فيها» أي دائمين مؤبدين لا يزول عنهم نعيمها «و يكفر عنهم سيئاتهم» أي عقاب معاصيهم التي فعلوها في دار الدنيا «و كان ذلك عند الله فوزا عظيما» أي ظفرا يعظم الله به قدره.