۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة محمد، آية ١١

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١ إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢ وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ذَلِك بِأَنّ اللّهَ مَوْلى الّذِينَ ءَامَنُوا وَ أَنّ الْكَفِرِينَ لا مَوْلى لهَُمْ (11) إِنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ جَنّتٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ وَ الّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتّعُونَ وَ يَأْكلُونَ كَمَا تَأْكلُ الأَنْعَمُ وَ النّارُ مَثْوًى لهُّمْ (12) وَ كَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشدّ قُوّةً مِّن قَرْيَتِك الّتى أَخْرَجَتْك أَهْلَكْنَهُمْ فَلا نَاصِرَ لهَُمْ (13) أَ فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِّن رّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سوءُ عَمَلِهِ وَ اتّبَعُوا أَهْوَاءَهُم (14) مّثَلُ الجَْنّةِ الّتى وُعِدَ الْمُتّقُونَ فِيهَا أَنهَرٌ مِّن مّاءٍ غَيرِ ءَاسِنٍ وَ أَنهَرٌ مِّن لّبنٍ لّمْ يَتَغَيرْ طعْمُهُ وَ أَنهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لّذّةٍ لِّلشرِبِينَ وَ أَنهَرٌ مِّنْ عَسلٍ مّصفّى وَ لهَُمْ فِيهَا مِن كلِّ الثّمَرَتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِّن رّبهِمْ كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فى النّارِ وَ سقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)

القراءة

قرأ ابن كثير أسن مقصورا و الباقون «آسن» بالمد و قرأ علي (عليه السلام) و ابن عباس أمثال الجنة على الجمع.

الحجة

قال أبو زيد يقال أسن الماء يأسن أسونا إذا تغير و أسن الرجل يأسن أسنا إذا غشي عليه من ريح خبيثة و ربما مات منها قال:

{التارك القرن مصفرا أنامله ---تميل في الرمح ميل المائح الأسن}

قال أبو عبيدة الأسن المتغير فحجة ابن كثير أن اسم الفاعل من فعل يفعل على فعل و قال أبو الحسن أسن إنما هو للحال التي تكون عليها و من قرأ «آسن» على فاعل فإنما يريد أن ذلك لا يصير إليه فيما يستقبل و قوله أمثال الجنة فيه دليل على أن القراءة العامة التي هي مثل في معنى الكثرة لما فيه من معنى المصدرية.

اللغة

المثوى المنزل من قولهم ثوى بالمكان ثواء إذا أقام به و يقال للمرأة أم المثوى أي ربة المنزل و المثل و المثل بمعنى مثل الشبه و الشبه و البدل و البدل و الأمعاء جمع معي و في الحديث المؤمن يأكل في معي واحد و الكافر يأكل في سبعة أمعاء و فيه وجوه من التأويل ( أحدها ) أنه قال علي (عليه السلام) في رجل معين ( و الثاني ) أن المعنى يأكل المؤمن فيسمي الله تعالى فيبارك في أكله ( و الثالث ) أن المؤمن يضيق عليه في الدنيا و الكافر يصيب منها ( و الرابع ) أنه مثل لزهد المؤمن في الدنيا و حرص الكافر عليها و هذا أحسن الوجوه.

الإعراب

قال الزجاج «مثل الجنة» مبتدأ و خبره محذوف تقديره مثل الجنة التي وعد المتقون مما قد عرفتموه من الدنيا جنة فيها أنهار إلى آخره و قوله «كمن هو خالد في النار» تقديره أ فمن كان على بينة من ربه و أعطي هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله و هو خالد في النار.

المعنى

ثم قال سبحانه «ذلك» أي الذي فعلناه في الفريقين «بأن الله مولى الذين آمنوا» يتولى نصرهم و حفظهم و يدفع عنهم «و أن الكافرين لا مولى لهم» ينصرهم و لا أحد يدفع عنهم لا عاجلا و لا آجلا ثم ذكر سبحانه حال الفريقين فقال «إن الله يدخل الذين آمنوا و عملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار» أي من تحت أشجارها و أبنيتها «و الذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الأنعام» أي سيرتهم سيرة الأنعام آثروا لذات الدنيا و شهواتها و أعرضوا عن العبر يأكلون للشبع و يتمتعون لقضاء الوطر «و النار مثوى لهم» أي موضع مقامهم يقيمون فيها ثم خوفهم و هددهم سبحانه فقال «و كأين من قرية هي أشد قوة من قريتك» يا محمد يعني مكة «التي أخرجتك» أي أخرجك أهلها و المعنى كم من رجال هم أشد من أهل مكة و لهذا قال «أهلكناهم» فكنى عن الرجال عن ابن عباس «فلا ناصر لهم» يدفع عنهم إهلاكنا إياهم و المعنى فمن الذي يؤمن هؤلاء أن أفعل بهم مثل ذلك ثم قال سبحانه على وجه التهجين و التوبيخ للكفار و المنافقين «أ فمن كان على بينة من ربه» أي على يقين من دينه و على حجة واضحة من اعتقاده في التوحيد و الشرائع «كمن زين له سوء عمله» زين له الشيطان المعاصي و أغواه «و اتبعوا أهواءهم» أي شهواتهم و ما تدعوهم إليه طباعهم و هو وصف لمن زين له سوء عمله و هم المشركون و قيل هم المنافقون عن ابن زيد و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) ثم وصف الجنات التي وعدها المؤمنين بقوله «مثل الجنة التي وعد المتقون» تقدم تفسيره في سورة الرعد «فيها أنهار من ماء غير آسن» أي غير متغير لطول المقام كما تتغير مياه الدنيا

«و أنهار من لبن لم يتغير طعمه» فهو غير حامض و لا قارص و لا يعتريه شيء من العوارض التي تصيب الألبان في الدنيا «و أنهار من خمر لذة للشاربين» أي لذيذة يلتذون بشربها و لا يتأذون بها و لا بعاقبتها بخلاف خمر الدنيا التي لا تخلو من المزازة و السكر و الصداع «و أنهار من عسل مصفى» أي خالص من الشمع و الرغوة و القذى و من جميع الأذى و العيوب التي تكون لعسل الدنيا «و لهم فيها من كل الثمرات» أي مما يعرفون اسمها و مما لا يعرفون اسمها مبرأة من كل مكروه يكون لثمرات الدنيا «و مغفرة من ربهم» أي و لهم مع هذا مغفرة من ربهم و هو أنه يستر ذنوبهم و ينسيهم سيئاتهم حتى لا يتنغص عليهم نعيم الجنة «كمن هو خالد في النار» أي من كان في هذه النعيم كمن هو خالد في النار «و سقوا ماء حميما» شديد الحر «فقطع أمعاءهم» إذا دخل أجوافهم و قيل أن قوله «كمن هو خالد في النار» معطوف على قوله «كمن زين له سوء عمله» أي كمن زين له سوء عمله و من هو خالد في النار فحذف الواو كما يقال قصدني فلان شتمني ظلمني.