۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة فصلت، آية ١٢

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١ فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢ فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣ إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤ فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ثمّ استَوَى إِلى السمَاءِ وَ هِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لهََا وَ لِلأَرْضِ ائْتِيَا طوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طائعِينَ (11) فَقَضاهُنّ سبْعَ سمَوَاتٍ فى يَوْمَينِ وَ أَوْحَى فى كلِّ سمَاءٍ أَمْرَهَا وَ زَيّنّا السمَاءَ الدّنْيَا بِمَصبِيحَ وَ حِفْظاً ذَلِك تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضوا فَقُلْ أَنذَرْتُكمْ صعِقَةً مِّثْلَ صعِقَةِ عَادٍ وَ ثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتهُمُ الرّسلُ مِن بَينِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللّهَ قَالُوا لَوْ شاءَ رَبّنَا لأَنزَلَ مَلَئكَةً فَإِنّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ (14) فَأَمّا عَادٌ فَاستَكبرُوا فى الأَرْضِ بِغَيرِ الحَْقِّ وَ قَالُوا مَنْ أَشدّ مِنّا قُوّةً أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّ اللّهَ الّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشدّ مِنهُمْ قُوّةً وَ كانُوا بِئَايَتِنَا يجْحَدُونَ (15)

الإعراب

طوعا و كرها مصدران وضعا موضع الحال التقدير ائتيا تطيعان إطاعة أو

تكرهان كرها و طائعين يدل على ذلك و هو منصوب على الحال.

«سبع سماوات» أيضا منصوب على الحال بعد الفراغ من الفعل.

المعنى

ثم ذكر سبحانه خلق السماوات فقال «ثم استوى إلى السماء و هي دخان» أي ثم قصد إلى خلق السماء و كانت السماء دخانا و قال ابن عباس كانت بخار الأرض و أصل الاستواء الاستقامة و القصد للتدبير المستقيم تسوية له و قيل معناه ثم استوى أمره إلى السماء عن الحسن «فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين» قال ابن عباس أتت السماء بما فيها من الشمس و القمر و النجوم و أتت الأرض بما فيها من الأنهار و الأشجار و الثمار و ليس هناك أمر بالقول على الحقيقة و لا جواب لذلك القول بل أخبر الله سبحانه عن اختراعه السماوات و الأرض و إنشائه لهما من غير تعذر و لا كلفة و لا مشقة بمنزلة ما يقال للمأمور افعل فيفعل من غير تلبث و لا توقف فعبر عن ذلك بالأمر و الطاعة و هو كقوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون و إنما قال «أتينا طائعين» و لم يقل أتينا طائعتين لأن المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء عن قطرب و قيل أنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال و كل في فلك يسبحون و مثله كثير في كلامهم قال:

{فأجهشت للبوباة حين رأيته --- وكبر للرحمن حين رآني} {فقلت له أين الذين رأيتهم --- بجنبك في خفض و طيب زمان}

فقال مضوا و استودعوني بلادهم

و من ذا الذي يبقى على الحدثان و قال آخر:

{ألا أنعم صباحا أيها الرسم و أنطق --- وحدث حديث الحي إن شئت و أصدق}

و قد ذكرنا فيما تقدم من أمثال ذلك ما فيه كفاية و قوله سبحانه «ثم استوى إلى السماء» يفيد أنه خلق السماء بعد الأرض و خلق الأقوات فيها و قال سبحانه في موضع آخر و الأرض بعد ذلك دحاها و على هذا فتكون الفائدة فيه أن الأرض كانت مخلوقة غير مدحوة فلما خلق الله السماء دحا بعد ذلك الأرض و بسطها و إنما جعل الله السماء أولا دخانا ثم سموات أطباقا ثم زينها بالمصابيح ليدل ذلك على أنه سبحانه قادر لنفسه لا يعجزه شيء.

عالم لذاته لا يخفى عليه شيء. غني لا يحتاج و كلما سواه محتاج إليه سبحانه و تعالى «فقضاهن» أي صنعهن و أحكمهن و فرغ من خلقهن «سبع سماوات في يومين» يوم الخميس و الجمعة قال السدي إنما سمي جمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات و الأرض «و أوحى في كل سماء أمرها» أي خلق فيها ما أراده من ملك و غيره عن السدي و قتادة و قيل معناه و أمر في كل سماء بما أراد عن مقاتل و قيل و أوحى إلى أهل كل سماء من الملائكة ما أمرهم به من العبادة عن علي بن عيسى «و زينا السماء الدنيا بمصابيح» سمي الكواكب مصابيح لأنه يقع الاهتداء بها كقوله «و بالنجم هم يهتدون» «و حفظا» أي و حفظناها من استماع الشياطين قيل بالكواكب حفظا «ذلك» الذي ذكر «تقدير العزيز» في ملكه لا يمتنع عليه شيء «العليم» بمصالح خلقه لا يخفى عليه شيء ثم عقب سبحانه دلائل التوحيد بذكر الوعيد لأهل الشرك و الجحود من العبيد فقال «فإن أعرضوا» عن الإيمان بك بعد هذا البيان «فقل» يا محمد لهم مخوفا إياهم «أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود» أي استعدوا للعذاب فقد خوفتكم عذابا مثل عذاب عاد و ثمود لما أعرضوا عن الإيمان و الصاعقة المهلكة من كل شيء و هي في العرف اسم للنار التي تنزل من السماء فتحرق «إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم و من خلفهم».

إذ متعلقة بقوله «صاعقة» و التقدير نزلت بهم حين أتتهم الرسل من قبلهم و من بعدهم عن ابن عباس يعني به الرسل الذين جاءوا آباءهم و الرسل الذين جاءوهم في أنفسهم لأنهم كانوا خلف من جاء آباءهم من الرسل فيكون الهاء و الميم في من خلفهم للرسل و قيل معناه أن منهم من تقدم زمانهم و منهم من تأخر قال البلخي و يجوز أن يكون المراد: أتاهم أخبار الرسل من هاهنا و من هاهنا «ألا تعبدوا» أي أرسلناهم بأن لا تعبدوا «إلا الله» وحده و لا تشركوا بعبادته غيره «قالوا» أي فقال المشركون عند ذلك «لو شاء ربنا» أن نؤمن به و نخلع الأنداد «لأنزل ملائكة» تدعونا إلى ذلك و لم يبعث بشرا مثلنا و كأنهم أنفوا من الانقياد لبشر مثلهم و جهلوا أن الله تعالى يبعث الأنبياء على حسب ما يعلمه من مصالح عباده و يعلم من يصلح للقيام بأعباء النبوة «فإنا بما أرسلتم به كافرون» أي أظهروا الكفر بهم و الجحود ثم فصل سبحانه أخبارهم فقال «فأما عاد فاستكبروا» أي تجبروا و عتوا «في الأرض» و تكبروا على أهلها «بغير الحق» أي بغير حق جعله الله لهم بل للكفر المحض و الظلم الصراح «و قالوا من أشد منا قوة» اغتروا

بقوتهم لما هددهم بالعذاب فقالوا نحن نقدر على دفعه بفضل قوتنا إذ لا أحد أشد منا قوة فقال الله سبحانه ردا عليهم «أ و لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة» أي أ و لم يعلموا أن الله الذي خلقهم و خلق فيهم هذه القوة أعظم اقتدارا منهم فلو شاء أهلكهم «و كانوا بآياتنا» أي بدلالاتنا «يجحدون» ينكرونها و لا يعترفون بها.