مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عَادٍ وَ ثَمُودَ وَ الّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَ مَا اللّهُ يُرِيدُ ظلْماً لِّلْعِبَادِ (31) وَ يَقَوْمِ إِنى أَخَاف عَلَيْكمْ يَوْمَ التّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَ مَن يُضلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَ لَقَدْ جَاءَكمْ يُوسف مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَمَا زِلْتُمْ فى شكٍ مِّمّا جَاءَكم بِهِ حَتى إِذَا هَلَك قُلْتُمْ لَن يَبْعَث اللّهُ مِن بَعْدِهِ رَسولاً كذَلِك يُضِلّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسرِفٌ مّرْتَابٌ (34) الّذِينَ يجَدِلُونَ فى ءَايَتِ اللّهِ بِغَيرِ سلْطنٍ أَتَاهُمْ كبرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ وَ عِندَ الّذِينَ ءَامَنُوا كَذَلِك يَطبَعُ اللّهُ عَلى كلِّ قَلْبِ مُتَكَبرٍ جَبّارٍ (35)
القراءة
قرأ أبو عمرو و ابن ذكوان و قتيبة على كل قلب بالتنوين و الباقون «على كل قلب متكبر» على الإضافة و في الشواذ قراءة ابن عباس و الضحاك و أبي صالح و الكلبي يوم التناد بتشديد الدال.
الحجة
قال أبو علي من نون فإنه جعل المتكبر صفة لقلب فإذا وصف القلب بالتكبر كان صاحبه في المعنى متكبرا فكأنه أضاف التكبر إلى القلب كما أضيف الصعر إلى الخد في قوله تعالى و لا تصعر خدك للناس فكما يكون بتصعير الخد متكبرا كذلك يكون بالتكبر في القلب متكبرا بجملة و أما من أضافه فقال «على كل قلب متكبر» فلا يخلو من أن
يقدر الكلام على ظاهره أو يقدر فيه حذفا فإن تركه على ظاهره كان المعنى يطبع الله على كل قلب متكبر أي يطبع على جملة القلب من المتكبر و ليس المراد أن يطبع على كل قلبه فيعم الجميع بالطبع إنما المعنى إنه يطبع على القلب إذا كانت قلبا قلبا و الطبع علامة في جملة القلب كالختم عليه فإذا كان الحمل على الظاهر غير مستقيم علمت أن الكلام ليس على ظاهره و أنه حذف منه شيء و ذلك المحذوف إذا أظهرته كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر فيكون المعنى يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا من كل متكبر و يختم عليه و يؤكد ذلك أن في حرف ابن مسعود فيما زعموا على قلب كل متكبر و إظهار كل في حرفه يدل على أنه في حرف العامة أيضا مراد و حسن حذف كل لتقدم ذكره كما جاز ذلك في قوله:
{أ كل امرء تحسبين امرءا --- و نار توقد بالليل نارا}
و في قولهم ما كل سوداء تمرة و لا بيضاء شحمة فحذف كل التقدم ذكرها فكذلك في الآية و أما التناد بالتشديد فإنه تفاعل من ند يند إذا نفر.
اللغة
الجبار الذي يقتل على الغضب يقال أجبر فهو جبار مثل أدرك فهو دراك قال الفراء و لا ثالث لهما و قال ابن خالويه وجدت لهما ثالثا أسار فهو ستار.
المعنى
ثم فسر سبحانه ذلك فقال «مثل دأب قوم نوح و عاد و ثمود» و الدأب العادة و معناه إني أخاف عليكم مثل سنة الله في قوم نوح و عاد و ثمود و حالهم حين أهلكهم الله و استأصلهم جزاء على كفرهم «و الذين من بعدهم و ما الله يريد ظلما للعباد» و في هذا أوضح دلالة على فساد قول المجبرة القائلة بأن كل ظلم يكون في العالم فهو بإرادة الله تعالى ثم حذرهم عذاب الآخرة أيضا فقال «و يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد» حذف الياء للاجتزاء بالكسرة الدالة عليها و هو يوم القيامة ينادي فيه بعض الظالمين بعضا بالويل و الثبور و قيل إنه اليوم الذي ينادي فيه أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا الآية و ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله عن
الحسن و قتادة و ابن زيد و قيل ينادي فيه كل أناس بإمامهم «يوم تولون مدبرين» أي يوم تعرضون على النار فارين منها مقدرين أن الفرار ينفعكم و قيل منصرفين إلى النار بعد الحساب عن قتادة و مقاتل «ما لكم من الله من عاصم» أي مانع من عذاب الله «و من يضلل الله فما له من هاد» أي من يضلل الله عن طريق الجنة فما له من هاد يهديه إليها «و لقد جائكم يوسف» و هو يوسف بن يعقوب بعثه الله رسولا إلى القبط «من قبل» أي من قبل موسى «بالبينات» أي بالحجج الواضحات «فما زلتم في شك مما جائكم به» من عبادة الله تعالى وحده لا شريك له عن ابن عباس و قيل مما دعاكم إليه من الدين «حتى إذا هلك» أي مات «قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا» أي أقمتم على كفركم و ظننتم أن الله تعالى لا يجدد لكم إيجاب الحجة «كذلك» أي مثل ذلك الضلال «يضل الله من هو مسرف» على نفسه كافر و أصل الإسراف مجاوزة الحد «مرتاب» أي شاك في التوحيد و نبوة الأنبياء «الذين يجادلون في آيات الله» أي في دفع آيات الله و إبطالها و موضع الذين نصب لأنه بدل من قوله «من هو مسرف» و يجوز أن يكون رفعا بتقديم هم «بغير سلطان» أي بغير حجة «أتيهم كبر مقتا عند الله» أي كبر ذلك الجدال منهم عداوة عند الله «و عند الذين آمنوا» بالله و المعنى مقته الله تعالى و لعنه و أعد له العذاب و مقته المؤمنون و أبغضوه بذلك الجدال و أنتم جادلتم و خاصمتم في رد آيات الله مثلهم فاستحققتم ذلك «كذلك» أي مثل ما طبع على قلوب أولئك بأن ختم عليها علامة لكفرهم «يطبع الله على كل قلب متكبر جبار» يفعل ذلك عقوبة له على كفره و الجبار صفة للمتكبر و هو الذي يأنف من قبول الحق قيل و هو القتال.