۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة غافر، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٦ ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٧ رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ كَذَلِك حَقّت كلِمَت رَبِّك عَلى الّذِينَ كَفَرُوا أَنهُمْ أَصحَب النّارِ (6) الّذِينَ يحْمِلُونَ الْعَرْش وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسبِّحُونَ بحَمْدِ رَبهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَستَغْفِرُونَ لِلّذِينَ ءَامَنُوا رَبّنَا وَسِعْت كلّ شىْءٍ رّحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلّذِينَ تَابُوا وَ اتّبَعُوا سبِيلَك وَ قِهِمْ عَذَاب الجَْحِيمِ (7) رَبّنَا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنّتِ عَدْنٍ الّتى وَعَدتّهُمْ وَ مَن صلَحَ مِنْ ءَابَائهِمْ وَ أَزْوَجِهِمْ وَ ذُرِّيّتِهِمْ إِنّك أَنت الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَ قِهِمُ السيِّئَاتِ وَ مَن تَقِ السيِّئَاتِ يَوْمَئذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْت اللّهِ أَكْبرُ مِن مّقْتِكُمْ أَنفُسكمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلى الايمَنِ فَتَكْفُرُونَ (10)

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر كلمات ربك على الجمع و الباقون «كلمة ربك» على التوحيد.

الحجة

قال أبو علي الكلمة تقع مفردة على الكثرة فإذا كان كذلك استغني فيها عن الجمع كما تقول يعجبني قيامكم و قعودكم قال سبحانه لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا و ادعوا ثبورا كثيرا و قال إن أنكر الأصوات لصوت الحمير فأفرد الصوت مع الإضافة إلى الكثرة فكذلك الكلمة و قد قالوا قال قس في كلمته يعنون خطبته و من جمع فلأن هذه الأشياء و إن كانت تدل على الكثرة قد تجمع إذا اختلف أجناسها.

الإعراب

«أنهم أصحاب النار» يجوز أن يكون موضعه نصبا على تقدير بأنهم أو لأنهم و يجوز أن يكون رفعا على البدل من كلمة و «من حوله» معطوف على «الذين يحملون العرش» و «رحمة و علما» منصوبان على التمييز و «من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم» في موضع نصب عطفا على الهاء و الميم في و أدخلهم أي و أدخل من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم الجنة أيضا و يجوز أن يكون عطفا على الهاء و الميم في وعدتهم أي وعدت من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم و قوله «لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون» لا يجوز أن يكون إذ ظرفا لمقت الله لأن المصدر لا يجوز أن يحال بينه و بين معموله بالأجنبي و لا يجوز أن يكون ظرفا للمقت الثاني في قوله «من مقتكم أنفسكم» لأن الدعاء إلى الإيمان

كان في الدنيا و مقتهم أنفسهم يكون في الآخرة و لا يجوز أن يكون ظرفا لتدعون لأن تدعون في موضع جر بالإضافة و المضاف إليه لا يجوز أن يعمل في المضاف فالوجه أن يتعلق الظرف بفعل مضمر دلت عليه الجملة تقديره مقتم إذ تدعون أو يتعلق بالمقت الثاني على تقدير تسمية الشيء بما يؤول إليه.

المعنى

ثم قال سبحانه «و كذلك» أي و مثل ما حق على الأمم المكذبة من العقاب «حقت كلمة ربك» أي العذاب «على الذين كفروا» من قومك أي أصروا على كفرهم «أنهم» أي لأنهم أو بأنهم «أصحاب النار» عن الأخفش ثم أخبر سبحانه عن حال المؤمنين و أنه تستغفر لهم الملائكة مع عظم منزلتهم عند الله تعالى فحالهم بخلاف أحوال من تقدم ذكرهم من الكفار فقال «الذين يحملون العرش» عبادة لله و امتثالا لأمره «و من حوله» يعني الملائكة المطيفين بالعرش و هم الكروبيون و سادة الملائكة «يسبحون بحمد ربهم» أي ينزهون ربهم عما يصفه به هؤلاء المجادلون و قيل يسبحونه بالتسبيح المعهود و يحمدونه على إنعامه «و يؤمنون به» أي و يصدقون به و يعترفون بوحدانيته «و يستغفرون» أي و يسألون الله المغفرة «للذين آمنوا» من أهل الأرض أي صدقوا بوحدانية الله و اعترفوا بإلهيته و بما يجب الاعتراف به يقولون في دعائهم لهم «ربنا وسعت كل شيء رحمة و علما» أي وسعت رحمتك و علمك كل شيء و المراد بالعلم المعلوم كما في قوله «و لا يحيطون بشيء من علمه» أي بشيء من معلومه على التفصيل فجعل العلم في موضع المعلوم و المعنى أنه لا اختصاص لمعلوماتك بل أنت عالم بكل معلوم و لا تختص رحمتك حيا دون حي بل شملت جميع الحيوانات و في هذا تعليم الدعاء ليبدأ بالثناء عليه قبل السؤال «فاغفر للذين تابوا» من الشرك و المعاصي «و اتبعوا سبيلك» الذي دعوت إليه عبادك و هو دين الإسلام «و قهم» أي و ادفع عنهم «عذاب الجحيم» و في هذه الآية دلالة على أن إسقاط العقاب عند التوبة تفضل من الله تعالى إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج فيه إلى مسألتهم بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة «ربنا و أدخلهم» مع قبول توبتهم و وقايتهم النار «جنات عدن التي وعدتهم» على ألسن أنبيائك «و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم» ليكمل أنسهم و يتم سرورهم «إنك أنت العزيز» القادر على من يشاء «الحكيم» في أفعالك «و قهم السيئات» أي و قهم عذاب السيئات و يجوز أن يكون العذاب هو السيئات و سماه السيئات اتساعا كما قال و جزاء سيئة سيئة مثلها «و من تق السيئات يومئذ فقد رحمته» أي و من تصرف عنه شر معاصيه فتفضلت عليه يوم القيامة

بإسقاط عذابها فقد أنعمت عليه «و ذلك هو الفوز العظيم» أي الظفر بالبغية و الفلاح العظيم ثم عاد الكلام إلى من تقدم ذكرهم من الكفار فقال عز اسمه «إن الذين كفروا ينادون» أي يناديهم الملائكة يوم القيامة «لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون» و المقت أشد العداوة و البغض و المعنى أنهم لما رأوا أعمالهم و نظروا في كتابهم و أدخلوا النار مقتوا أنفسهم لسوء صنيعهم فنودوا لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم عن مجاهد و قتادة و السدي و قيل إنهم لما تركوا الإيمان و صاروا إلى الكفر فقد مقتوا أنفسهم أعظم المقت و هذا كما يقول أحدنا لصاحبه إذا كنت لا تبالي بنفسك فمبالاتي بك أقل و ليس يريد أنه لا يبالي بنفسه بل يريد أنه يفعل فعل من هو كذلك عن البلخي.