۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزمر، آية ٤٧

التفسير يعرض الآيات ٤٦ إلى ٥٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦ وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧ وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨ فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩ قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قُلِ اللّهُمّ فَاطِرَ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَ الشهَدَةِ أَنت تحْكمُ بَينَ عِبَادِك فى مَا كانُوا فِيهِ يخْتَلِفُونَ (46) وَ لَوْ أَنّ لِلّذِينَ ظلَمُوا مَا فى الأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَ بَدَا لهَُم مِّنَ اللّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يحْتَسِبُونَ (47) وَ بَدَا لهَُمْ سيِّئَات مَا كسبُوا وَ حَاقَ بِهِم مّا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ (48) فَإِذَا مَس الانسنَ ضرّ دَعَانَا ثمّ إِذَا خَوّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنّا قَالَ إِنّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمِ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَ لَكِنّ أَكْثرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالهََا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنى عَنهُم مّا كانُوا يَكْسِبُونَ (50)

المعنى

لما قدم سبحانه ذكر الأدلة فلم ينظروا فيها و المواعظ فلم يتعظوا بها أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحاكمهم إليه ليفعل بهم ما يستحقونه فقال «قل» يا محمد ادع بهذا الدعاء «اللهم فاطر السماوات و الأرض» أي يا خالقهما و منشئهما «عالم الغيب و الشهادة» أي يا عالم ما غاب علمه عن جميع الخلق و عالم ما شهدوه و علموه «أنت تحكم بين عبادك» يوم القيامة «فيما كانوا فيه يختلفون» في دار الدنيا من أمر دينهم و دنياهم و تفصل بينهم بالحق في الحقوق و المظالم أي فاحكم بيني و بين قومي بالحق و في هذا بشارة للمؤمنين بالظفر و النصر لأنه سبحانه إنما أمره به للإجابة لا محالة و عن سعيد بن المسيب أنه قال إني لأعرف موضع آية لم يقرأها أحد قط فسأل الله شيئا إلا أعطاه قوله «قل اللهم فاطر السماوات و الأرض» الآية ثم أخبر سبحانه عن وقوع العقاب بالكفار بأن قال «و لو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا و مثله معه» زيادة عليه «لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة» و قد مضى تفسيره «و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» أي ظهر لهم يوم القيامة من صنوف العذاب ما لم يكونوا ينتظرونه و لا يظنونه واصلا إليهم و لم يكن في حسابهم قال السدي ظنوا أعمالهم حسنات فبدت لهم سيئات و قيل إن محمد بن المنكدر جزع عند الموت فقيل له أ تجزع قال أخذتني آية من كتاب الله عز و جل «و بدا لهم» الآية أخذتني أن يبدو لي من الله ما لم أحتسب «و بدا لهم» أي و ظهر لهم أيضا «سيئات ما كسبوا» أي جزاء سيئات أعمالهم «و حاق بهم» أي نزل بهم «ما كانوا به يستهزءؤن» و هو كل ما ينذرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما كانوا ينكرونه و يكذبون به ثم أخبر عن شدة تقلب الإنسان من حال إلى حال فقال «فإذا مس الإنسان ضر» من مرض أو شدة «دعانا» و استغاث بنا مسلما مخلصا في كشفه علما بأنه لا يقدر غيرنا عليه «ثم إذا خولناه نعمة منا» أي أعطيناه نعمة من الصحة في الجسم و السعة في الرزق أو غير ذلك من النعم «قال إنما أوتيته على علم» قيل فيه وجوه ( أحدها ) قال إنما أوتيته بعلمي و جلدي و حيلتي عن الحسن و الجبائي فيكون هذا إشارة إلى جهلهم بمواضع المنافع و المضار ( و ثانيها ) على علم على خبر علمه الله عندي عن قتادة و مقاتل ( و ثالثها ) على علم يرضاه عني فلذلك أتاني ما أتاني من النعم ثم قال ليس الأمر على ما يقولونه «بل هي فتنة» أي بلية و اختبار يبتليه الله بها فيظهر كيف شكره أو صبره في مقابلتها فيجازيه بحسبها و قيل معناه هذه النعمة فتنة أي عذاب لهم إذا أضافوها إلى أنفسهم و قيل معناه هذه المقالة التي قالوها فتنة لهم لأنهم يعاقبون عليها «و لكن أكثرهم لا يعلمون» البلوى من النعمي و قيل لا يعلمون أن النعم كلها من الله و إن حصلت بأسباب من جهة العبد «قد قالها» أي قد قال مثل هذه الكلمة و هذه المقالة «الذين من قبلهم» مثل قارون حيث قال

إنما أوتيته على علم عندي «فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون» أي فلم ينفعهم ما كانوا يجمعونه من الأموال بل صارت وبالا عليهم.