بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الحَْكِيمِ (1) إِنّا أَنزَلْنَا إِلَيْك الْكتَب بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّهَ مخْلِصاً لّهُ الدِّينَ (2) أَلا للّهِ الدِّينُ الخَْالِص وَ الّذِينَ اتخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللّهِ زُلْفَى إِنّ اللّهَ يحْكُمُ بَيْنَهُمْ فى مَا هُمْ فِيهِ يخْتَلِفُونَ إِنّ اللّهَ لا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ كفّارٌ (3) لّوْ أَرَادَ اللّهُ أَن يَتّخِذَ وَلَداً لاصطفَى مِمّا يخْلُقُ مَا يَشاءُ سبْحَنَهُ هُوَ اللّهُ الْوَحِدُ الْقَهّارُ (4) خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الّيْلَ عَلى النهَارِ وَ يُكَوِّرُ النّهَارَ عَلى الّيْلِ وَ سخّرَ الشمْس وَ الْقَمَرَ كلّ يجْرِى لأَجَلٍ مّسمّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّرُ (5)
اللغة
التكوير طرح الشيء بعضه على بعض يقال كرر المتاع إذا ألقى بعضه على بعض و منه كور العمامة.
الإعراب
تنزيل مبتدأ و خبره من الله أي تنزيل الكتاب من الله لا من غيره كما تقول استقامة الناس من الأنبياء أي أنها لا تكون إلا منهم و يجوز أن يكون «تنزيل الكتاب» خبر مبتدإ محذوف و التقدير هذا تنزيل الكتاب فعلى هذا يجوز أن يكون من الله خبرا بعد خبر و يجوز أن يكون في موضع نصب لأنه يتعلق بتنزيل.
بالحق مفعول أنزلنا و يجوز أن يكون في موضع الحال و التقدير أنزلنا الكتاب محقين أو محقا فيكون ذو الحال نا من أنزلنا أو الكتاب.
زلفى في موضع نصب على المصدر و التقدير ليقربونا قربى و التقدير يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا فيكون يقولون خبر الذين اتخذوا لأنه مبتدأ أو يكون حالا من الضمير في اتخذوا و يكون الخبر قوله «إن الله يحكم بينهم» يكور يحتمل أن يكون حالا و يحتمل أن يكون استئناف كلام فلا يكون له محل.
المعنى
عظم الله سبحانه أمر القرآن و حث المكلفين على القيام بما فيه و اتباع أوامره و نواهيه بأن قال «تنزيل الكتاب من الله العزيز» المتعال عن المثل و الشبه
«الحكيم» في أفعاله و أقواله فوصف هنا نفسه بالعزة تحذيرا من مخالفة كتابه و بالحكمة إعلاما بأنه يحفظه حتى يصل إلى المكلفين من غير تغيير لشيء منه «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق» أي لم ننزله باطلا بغير غرض و قيل معناه بالأمر الحق أي بالدين الصحيح «فاعبد الله» أي توجه بعبادتك إلى الله وحده «مخلصا له الدين» من شرك الأوثان و الأصنام و الإخلاص أن يقصد العبد بنيته و عمله إلى خالقه لا يجعل ذلك لغرض الدنيا «ألا لله الدين الخالص» و الخالص هو الذي لا يشوبه الرياء و السمعة و لا وجه من وجوه الدنيا و الدين الخالص الإسلام عن الحسن و قيل هو شهادة أن لا إله إلا الله عن قتادة و قيل معناه إلا لله الطاعة بالعبادة التي يستحق بها الجزاء فهذا لله وحده لا يجوز أن يكون لغيره و قيل هو الاعتقاد الواجب في التوحيد و العدل و النبوة و الشرائع و الإقرار بها و العمل بموجبها و البراءة من كل دين سواها فهذا تفصيل قول الحسن أنه الإسلام «و الذين اتخذوا من دونه أولياء» أي زعموا أن لهم من دون الله مالكا يملكهم و هاهنا حذف يدل الكلام عليه أي يقولون «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» أي ليشفعوا لنا إلى الله و الزلفى القربى و هو اسم أقيم مقام المصدر «إن الله يحكم بينهم» يوم القيامة «فيما هم فيه يختلفون» من أمور الدين فيعاقب كلا منهم على قدر استحقاقه «إن الله لا يهدي» إلى طريق الجنة أو لا يحكم بهدايته إلى الحق «من هو كاذب» على الله و على رسوله «كفار» بما أنعم الله عليه جاحد لإخلاص العبادة لله و لم يرد به الهداية إلى الإيمان لقوله سبحانه و أما ثمود فهديناهم «لو أراد الله أن يتخذ ولدا» على ما يقوله هؤلاء من أن الملائكة بنات الله أو ما يقوله النصارى من أن المسيح ابن الله أو اليهود أن عزيرا ابن الله «لاصطفى» أي لاختار «مما يخلق ما يشاء» أي ما كان يتخذ الولد باختيارهم حتى يضيفوا إليه من شاءوا بل كان يختص من خلقه ما يشاء لذلك لأنه غير ممنوع من مراده و مثله قوله «لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا» ثم أخبر سبحانه أنه منزه عن اتخاذ الأولاد بقوله «سبحانه» أي تنزيها له عن ذلك «هو الله الواحد» لا شريك له و لا صاحبة و لا ولد «القهار» لخلقه بالموت و هو حي لا يموت ثم نبه سبحانه على كمال قدرته فقال «خلق السماوات و الأرض بالحق» أي لم يخلقهما باطلا لغير غرض بل خلقهما للغرض الحكمي «يكور الليل على النهار و يكور النهار على الليل» أي يدخل كل واحد منهما على صاحبه بالزيادة و النقصان فما يزيد في أحدهما ينقص من الآخر عن الحسن و جماعة من المفسرين و قيل يغشى هذا هذا كما قال يغشي الليل النهار و يولج الليل في النهار عن قتادة «و سخر الشمس و القمر» بأن أجراهما على وتيرة واحدة «كل يجري لأجل مسمى» أي إلى مدة قدرها الله لهما أن يجريا إليها
و قيل إلى قيام الساعة و قيل لأجل مسمى أي لوقت معلوم في الشتاء و الصيف هو المطلع و المغرب لكل واحد منهما «ألا هو العزيز الغفار» مر معناه و فائدة الآية أن من قدر على خلق السماوات و الأرض و تسخير الشمس و القمر و إدخال الليل في النهار فهو منزه عن اتخاذ الولد و الشريك فإن ذلك من صفة المحتاجين.