۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزمر، آية ١٦

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١ وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢ قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣ قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤ فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥ لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦ وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧ ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨ أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩ لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قُلْ إِنى أُمِرْت أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مخْلِصاً لّهُ الدِّينَ (11) وَ أُمِرْت لأَنْ أَكُونَ أَوّلَ الْمُسلِمِينَ (12) قُلْ إِنى أَخَاف إِنْ عَصيْت رَبى عَذَاب يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مخْلِصاً لّهُ دِينى (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنّ الخَْسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلا ذَلِك هُوَ الخُْسرَانُ الْمُبِينُ (15) لهَُم مِّن فَوْقِهِمْ ظلَلٌ مِّنَ النّارِ وَ مِن تحْتهِمْ ظلَلٌ ذَلِك يخَوِّف اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتّقُونِ (16) وَ الّذِينَ اجْتَنَبُوا الطغُوت أَن يَعْبُدُوهَا وَ أَنَابُوا إِلى اللّهِ لهَُمُ الْبُشرَى فَبَشرْ عِبَادِ (17) الّذِينَ يَستَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتّبِعُونَ أَحْسنَهُ أُولَئك الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَ أُولَئك هُمْ أُولُوا الأَلْبَبِ (18) أَ فَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كلِمَةُ الْعَذَابِ أَ فَأَنت تُنقِذُ مَن فى النّارِ (19) لَكِنِ الّذِينَ اتّقَوْا رَبهُمْ لهَُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مّبْنِيّةٌ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ وَعْدَ اللّهِ لا يخْلِف اللّهُ الْمِيعَادَ (20)

اللغة

الظلة السترة العالية جمعها ظلل و الإنقاذ الإنجاء و الغرف المنازل الرفيعة واحدها غرفة.

الإعراب

ذلك مبتدأ و «يخوف الله به عباده» خبره.

«أن يعبدوها» في موضع نصب بدل

من الطاغوت و التقدير و الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت و خبر «الذين اجتنبوا» قوله «لهم البشرى» و البشرى ترتفع بالظرف لجريه خبرا على المبتدأ قال الزجاج «أ فمن حق عليه كلمة العذاب أ فأنت تنقذ من في النار» معناه الشرط و الجزاء و ألف الاستفهام هنا معناها معنى التوقيف و الألف الثانية جاءت مؤكدة معادة لما طال الكلام و المعنى أ فمن حق عليه كلمة العذاب أ فأنت تنقذه و مثله أ يعدكم أنكم إذا متم و كنتم ترابا و عظاما أنكم مخرجون أعاد أن الثانية و المعنى إنكم إذا متم و كنتم ترابا و عظاما تخرجون و يكون على وجه آخر على أنه حذف الخبر و في الكلام دليل على المحذوف على معنى أ فمن حق عليه كلمة العذاب يتخلص منه أو ينجو منه أ فأنت تنقذ أي لا يقدر أحد أن ينقذه.

المعنى

ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «قل» يا محمد لهؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم «إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين» أي موحدا له لا أعبد معه سواه و العبادة الخالصة هي التي لا يشوبها شيء من المعاصي «و أمرت» أيضا «لأن أكون أول المسلمين» فيكون لي فضل السبق و ثوابه «قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم» أي عذاب يوم القيامة «قل» لهم «الله أعبد مخلصا له ديني» و طاعتي «فاعبدوا» أنتم معاشر الكفار «ما شئتم من دونه» من الأصنام و هذا على وجه التهديد لهم بذلك «قل» لهم «إن الخاسرين» في الحقيقة هم «الذين خسروا أنفسهم و أهليهم يوم القيامة» فلا ينتفعون بأنفسهم و لا يجدون في النار أهلا كما كان لهم في الدنيا أهل فقد فاتتهم المنفعة بأنفسهم و أهليهم عن مجاهد و ابن زيد و قيل خسروا أنفسهم بأن قذفوها بين أطباق الجحيم و خسروا أهليهم الذين أعدوا لهم في جنة النعيم عن الحسن قال ابن عباس إن الله تعالى جعل لكل إنسان في الجنة منزلا و أهلا فمن عمل بطاعته كان له ذلك و من عصاه صار إلى النار و دفع منزله و أهله إلى من أطاع فذلك قوله أولئك هم الوارثون «ألا ذلك هو الخسران المبين» أي البين الظاهر الذي لا يخفى «لهم من فوقهم ظلل من النار» أي سرادقات و أطباق من النار و دخانها نعوذ بالله منها «و من تحتهم ظلل» أي فرش و مهد و قيل إنما سمي ما تحتهم من النار ظللا لأنها ظلل لمن تحتهم إذ النار أدراك و هم بين أطباقها و قيل إنما أجري اسم الظلل على قطع النار على سبيل التوسع و المجاز لأنها في مقابلة ما لأهل الجنة من الظلل و المراد أن النار تحيط بجوانبهم «ذلك يخوف الله به عباده» أي ذلك الذي وصف من العذاب يخوف الله به عباده و رحمة لهم ليتقوا عذابه بامتثال أوامره ثم أمرهم بالاتقاء فقال «يا عباد فاتقون» فقد أنذرتكم و ألزمتكم الحجة و إنما حذف الياء في الموضعين لأن الكسرة تدل عليها «و الذين اجتنبوا الطاغوت» أي الأوثان و الشيطان و قيل كل من دعا إلى عبادة غير الله

تعالى و إنما أنث للجماعة و في قراءة الحسن اجتنبوا الطواغيت «أن يعبدوها» أي اجتنبوا عبادتها «و أنابوا إلى الله» أي تابوا إليه فأقلعوا عما كانوا عليه «لهم البشرى» أي البشارة و هي الإعلام بما يظهر به السرور في بشرة وجوههم جزاء على ذلك و روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أنتم هم و من أطاع جبارا فقد عبده ثم قال سبحانه مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «فبشر» يا محمد «عباد» اجتزأ بالكسرة عن الياء «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» أي أولاه بالقبول و العمل به و أرشده إلى الحق و قيل فيتبعون أحسن ما يؤمرون به و يعملون به عن السدي و روي عن أبي الدرداء قال لو لا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوما واحدا الظمأ بالهواجر و السجود في جوف الليل و مجالسة أقوام ينتقون من خير الكلام كما ينتقي طيب التمر و قيل معناه يستمعون القرآن و غيره فيتبعون القرآن عن الزجاج و قيل يستمعون ما في القرآن و السنة من الطاعات و المباحات فيتبعون الطاعة التي هي أحسن إذ يستحق الثواب عليه أكثر و هو أن يأخذ بأفضل الأمرين كما أن القصاص حق و العفو أفضل فيأخذون بالعفو «أولئك الذين هداهم الله» أي هؤلاء الذين هذه صفتهم هم الذين هداهم الله فاهتدوا به إلى الحق «و أولئك هم أولو الألباب» أي ذوو العقول الذين انتفعوا بعقولهم و قال عبد الرحمن بن زيد نزل قوله «و الذين اجتنبوا الطاغوت» الآيتين في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله زيد بن عمرو بن نفيل و أبي ذر الغفاري و سلمان الفارسي «أ فمن حق عليه كلمة العذاب أ فأنت تنقذ من في النار» اختلف في تقديره فقيل معناه أ فمن وجب عليه وعيد الله بالعقاب أ فأنت تخلصه من النار فاكتفى بذكر من في النار عن الضمير العائد إلى المبتدأ عن الزجاج و الأخفش و قيل تقديره أ فأنت تنقذ من في النار منهم و أتى بالاستفهام مرتين توكيدا للتنبيه على المعنى و قال ابن الأنباري الوقف على قوله «كلمة العذاب» و التقدير كمن وجبت له الجنة ثم يبتدىء أ فأنت تنقذ و أراد بكلمة العذاب قوله لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين و إنما قال ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لحرصه على إسلام المشركين و المعنى أنك لا تقدر على إدخال الإسلام في قلوبهم شاءوا أم أبوا فلا عليك إذا لم يؤمنوا فإنما أتوا ذلك من قبل نفوسهم و هذا كقوله فلعلك باخع نفسك على آثارهم الآية ثم بين سبحانه ما أعده للمؤمنين كما بين ما أعده للكفار فقال «لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف» أي قصور في الجنة «من فوقها غرف» قصور «مبنية» و هذا في مقابلة قوله «لهم من فوقهم ظلل من النار و من تحتهم ظلل» فإن في الجنة منازل رفيعة بعضها فوق بعض و ذلك أن النظر من الغرف إلى الخضر و المياه أشهى و ألذ «تجري من تحتها الأنهار» أي من تحت الغرف «وعد الله» أي وعدهم الله تلك الغرف و المنازل وعدا «لا يخلف الله الميعاد».