۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ص، آية ٦٦

التفسير يعرض الآيات ٦٢ إلى ٧٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢ أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣ إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤ قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦ قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ ٦٧ أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ ٦٨ مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩ إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ قَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنّا نَعُدّهُم مِّنَ الأَشرَارِ (62) أَتخَذْنَهُمْ سِخْرِياّ أَمْ زَاغَت عَنهُمُ الأَبْصرُ (63) إِنّ ذَلِك لحََقّ تخَاصمُ أَهْلِ النّارِ (64) قُلْ إِنّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللّهُ الْوَحِدُ الْقَهّارُ (65) رَب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّرُ (66) قُلْ هُوَ نَبَؤٌا عَظِيمٌ (67) أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضونَ (68) مَا كانَ لىَ مِنْ عِلْمِ بِالْمَلا الأَعْلى إِذْ يخْتَصِمُونَ (69) إِن يُوحَى إِلىّ إِلا أَنّمَا أَنَا نَذِيرٌ مّبِينٌ (70)

القراءة

قرأ أهل العراق غير عاصم اتخذناهم موصولة الهمزة و الباقون «اتخذناهم» بقطع الهمزة و قرأ أهل المدينة و الكوفة غير عاصم سخريا بضم السين و الباقون بكسرها و قرأ أبو جعفر إن يوحى إلي إلا إنما بكسر الألف و الباقون «أنما» بالفتح.

الحجة

قال أبو علي في إلحاق همزة الاستفهام في قوله «اتخذناهم سخريا» بعض البعد لأنهم قد علموا أنهم اتخذوهم سخريا و كيف يستقيم أن يستفهم عنه و يدل على علمهم بذلك أنه قد أخبر عنهم بذلك في قوله فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري فالجملة التي هي «اتخذناهم سخريا» صفة للنكرة فأما وجه فتح الهمزة فإنه يكون على التقرير و عودلت بأم لأنها على لفظ الاستفهام كما عودلت بأم في قوله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم و إن لم يكن استفهاما في المعنى و كذلك قولهم ما أبالي أ زيدا ضربت أم عمرا فإن قلت فما الجملة المعادلة بقوله «أم زاغت عنهم الأبصار» في قول من كسر الهمزة في قوله

«اتخذناهم» فالقول فيه أن الجملة المعادلة لأم محذوفة و المعنى أ تراهم أم زاغت عنهم الأبصار و كذلك قوله أم كان من الغائبين لأن المعنى أخبروني عن الهدهد أ حاضر هو أم كان من الغائبين هذا قول أبي الحسن و يجوز عندي في قوله تعالى «قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار أم من هو قانت آناء الليل» أن تكون المعادلة لأم محذوفة تقديره أ فأصحاب النار خير أم من هو قانت و حكي عن أبي عمر و أنه قال ما كان من مثل العبودية فسخري مضموم و ما كان من مثل الهزء فسخري مكسور السين و قد تقدم ذكر هذا قال ابن جني من قرأ إنما فعلى الحكاية فكأنه قال إن يقال لي إلا إنما أنا نذير مبين و هذا كما تقول لصاحبك أنت قلت أنك شجاع و نحو ذلك قول الشاعر:

{تنادوا بالرحيل غدا --- و في ترحالهم نفسي}

قال و أجاز أبو علي ثلاثة أضرب من الإعراب بالرحيل و الرحيل و الرحيل رفعا و نصبا و جرا فمن رفع أو نصب فقد وفى الحكاية اللفظ المقول البتة فكأنهم قالوا الرحيل غدا فأما الجر فعلى إعمال الباء فيه و هو معنى ما قالوه و لكن حكيت منه قولك غدا وحده و هو خبر المبتدأ أو في موضع رفع لأنه خبر المبتدأ و لا يكون ظرفا لتنادوا لأن الفعل الماضي لا يعمل في الزمان الآتي و إذا قال بالرحيل غدا فإن غدا يجوز أن يكون ظرفا لنفس الرحيل و يجوز أن يكون ظرفا لفعل آخر نصب الرحيل أي يحدث الرحيل غدا.

المعنى

ثم حكى سبحانه عن أهل النار أيضا بقوله «و قالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار» أي يقولون ذلك حين ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم فيها معهم و هم المؤمنون عن الكلبي و قيل نزلت في أبي جهل و الوليد بن المغيرة و ذويهما يقولون ما لنا لا نرى عمارا و خبابا و صهيبا و بلالا الذين كنا نعدهم في الدنيا من جملة الذين يفعلون الشر و القبيح و لا يفعلون الخير عن مجاهد و روى العياشي بالإسناد عن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال أن أهل النار يقولون «ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار» يعنونكم لا يرونكم في النار لا يرون و الله أحدا منكم في النار «اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار» معناه أنهم يقولون لما لم يروهم في النار اتخذناهم هزوءا في الدنيا فأخطأنا أم عدلت عنهم أبصارنا فلا نراهم و هم معنا في النار «إن ذلك لحق» أي إن ما ذكر قبل هذا لحق أي كائن لا محالة ثم بين ما هو فقال «تخاصم أهل النار» يعني تخاصم الأتباع

و القادة أو مجادلة أهل النار بعضهم لبعض على ما أخبر عنهم ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «قل» يا محمد «إنما أنا منذر» أي مخوف من معاصي الله و محذر من عقابه «و ما من إله» يحق له العبادة «إلا الله الواحد القهار» لجميع خلقه المتعالي بسعة مقدوراته فلا يقدر أحد على الخلاص من عقوبته إذا أراد عقابه «رب السماوات و الأرض و ما بينهما» من الإنس و الجن و كل خلق «العزيز» الذي لا يغلبه شيء و لا يمتنع منه شيء «الغفار» لذنوب عباده مع قدرته على عقابهم «قل» يا محمد «هو نبأ عظيم» اختلف فيه فقيل يعني القرآن هو حديث عظيم لأنه كلام الله المعجز و لأن فيه أنباء الأولين «أنتم عنه» أي عن تدبره و العمل به «معرضون» عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و السدي و قيل خبر القيامة خبر عظيم أنتم عنه معرضون أي عن الاستعداد لها غافلون و بها مكذبون عن الحسن و قيل معناه النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم عن الزجاج يعني ما أنبأهم به من قصص الأولين أنهم عنه معرضون لا يتفكرون فيه فيعلموا صدقي في نبوتي قال و يدل على صحة هذا المعنى قوله «ما كان لي من علم بالملأ الأعلى» يعني الملائكة «إذ يختصمون» يعني ما ذكر من قوله إني جاعل في الأرض خليفة إلى آخر القصة و هو قول ابن عباس و قتادة و السدي أي فما علمت ما كانوا فيه إلا بوحي من الله تعالى و روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال قال لي ربي أ تدري فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت لا قال اختصموا في الكفارات و الدرجات فأما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات و نقل الأقدام إلى الجماعات و انتظار الصلاة بعد الصلاة و أما الدرجات فإفشاء السلام و إطعام الطعام و الصلاة بالليل و الناس نيام «إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين» معناه ما كان لي من علم باختصام الملائكة فيما ذكرنا لو لا أن الله تعالى أخبرني به لم يمكنني إخباركم و لكن ما يوحى إلي إلا الإنذار البين الواضح و قيل معناه ليس يوحى إلي إلا إني نذير مبين مخوف مظهر للحق.