۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ص، آية ٥٣

التفسير يعرض الآيات ٤٥ إلى ٥٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥ إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧ وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨ هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩ جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠ مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١ ۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣ إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ اذْكُرْ عِبَدَنَا إِبْرَهِيمَ وَ إِسحَقَ وَ يَعْقُوب أُولى الأَيْدِى وَ الأَبْصرِ (45) إِنّا أَخْلَصنَهُمْ بخَالِصةٍ ذِكرَى الدّارِ (46) وَ إِنهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصطفَينَ الأَخْيَارِ (47) وَ اذْكُرْ إِسمَعِيلَ وَ الْيَسعَ وَ ذَا الْكِفْلِ وَ كلّ مِّنَ الأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَ إِنّ لِلْمُتّقِينَ لَحُسنَ مَئَابٍ (49) جَنّتِ عَدْنٍ مّفَتّحَةً لهُّمُ الأَبْوَب (50) مُتّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَكِهَةٍ كثِيرَةٍ وَ شرَابٍ (51) وَ عِندَهُمْ قَصِرَت الطرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِْسابِ (53) إِنّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نّفَادٍ (54)

القراءة

قرأ ابن كثير وحده و اذكر عبدنا إبراهيم و الباقون «عبادنا» و قرأ أهل المدينة و هشام بخالصة ذكرى الدار غير منون على الإضافة و الباقون بالتنوين و خلافهم في «و اليسع» مذكور في سورة الأنعام و قرأ ابن كثير و أبو عمرو ما يوعدون بالياء و ابن كثير وحده يقرأ في سورة ق بالياء أيضا و الباقون بالتاء في الموضعين و في الشواذ قراءة الحسن و الثقفي أولي الأيد بغير ياء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ عبدنا فإنه اختصه بالإضافة على وجه التكرمة له و الاختصاص بالمنزلة الشريفة كما قيل في مكة بيت الله و من قرأ «عبادنا» أجرى هذا الوصف على غيره من الأنبياء أيضا و جعل ما بعده بدلا من العباد و الأول جعل إبراهيم بدلا و ما بعده معطوفا على المفعول به المذكور و قوله «بخالصة ذكرى الدار» يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون ذكرى بدلا من الخالصة تقديره إنا أخلصناهم بالذكرى الدار و يجوز أن يقدر في قوله «ذكرى» التنوين فيكون الدار في موضع نصب تقديره بأن يذكروا الدار بالتأهب للآخرة ( و الثاني ) أن لا يقدر البدل و لكن يكون الخالصة مصدرا فيكون مثل قوله من دعاء الخير و يكون المعنى بخالصة تذكر الدار و يقوي هذا الوجه ما روي من قراءة الأعمش بخالصتهم ذكرى الدار و هذا يقوي النصب فكأنه قال بأن أخلصوا تذكير الدار فإذا نونت خالصة احتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون المعنى بأن خلصت لهم ذكرى الدار فيكون ذكرى في موضع رفع بأنه فاعل ( و الآخر ) أن يقدر المصدر الذي هو خالصة من الإخلاص فحذفت الزيادة فيكون المعنى بإخلاص ذكرى فيكون ذكرى في موضع نصب و الدار يجوز أن يعني بها الدنيا و يجوز أن يعني بها الآخرة و الذي يدل على أنه يجوز أن يراد بها الدنيا قوله تعالى في الحكاية عن إبراهيم و اجعل لي لسان صدق في الآخرين و قوله و جعلنا لهم لسان صدق فاللسان هو القول الحسن و الثناء عليه لا الجارحة كما في قول الشاعر

{ندمت على لسان فأت مني --- فليت بأنه في جوف عكم}

و كذلك قول الآخر

{إني أتاني لسان لا أسر به --- من علو لا كذب فيه و لا سخر}

و قوله تعالى «و تركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم و سلام على نوح في العالمين» و المعنى أبقينا عليهم الثناء الجميل في الدنيا فالدار في هذا التقدير ظرف و القياس أن يتعدى الفعل و المصدر إليه بالحرف و لكنه على ذهبت الشام عند سيبويه

و كما عسل الطريق الثعلب ( و أما ) جواز كون الدار الآخرة في قوله «أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار» فيكون ذلك بإخلاصهم ذكرى الدار و يكون ذكرهم لها وجل قلوبهم منها و من حسابها كما قال و هم من الساعة مشفقون فالدار على هذا مفعول بها و ليست كالوجه المتقدم و أما من أضاف فقال بخالصة ذكرى الدار فإن الخالصة تكون على ضروب تكون للذكر و غير الذكر فإذا أضيفت إلى ذكرى اختصت الخالصة بهذه الإضافة فتكون هذه الإضافة إلى المفعول به كأنه بإخلاصهم ذكرى الدار أي بأن أخلصوا ذكرها و الخوف منها لله و يكون على إضافة المصدر الذي هو الخالصة إلى الفاعل تقديره بأن خلصت لهم ذكرى الدار و الدار على هذا يحتمل الوجهين اللذين تقدما من كونها للآخرة و الدنيا فأما قوله و قالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا فيجوز في خالصة وجهان ( أحدهما ) أن يكون مصدرا كالعاقبة ( و الآخر ) أن يكون وصفا و كلا الوجهين يحتمل الآية فيجوز أن يكون ما في بطون هذه الأنعام ذات خلوص و يجوز أن يكون الصفة و أنث على المعنى لأنه كثرة و المراد به الأجنة و المضامين فيكون التأنيث على هذا و من قرأ الليسع جعله اسما على صورة الصفات كالحارث و العباس أ لا ترى أن فيعلا مثل ضيغم و حيدر كثير في الصفات و وجه قراءة من قرأ «و اليسع» أن الألف و اللام قد يدخلان الكلمة على وجه الزيادة كما حكى أبو الحسن الخمسة عشر درهما قال

{و لقد جنيتك أكمؤا و عساقلا --- و لقد نهيتك عن بنات الأوبر}

و بنات الأوبر ضرب من الكمأة معرفة فأدخل في المعرفة الألف و اللام على وجه

الزيادة فكذلك التي تكون في اليسع و من قرأ «هذا ما توعدون» بالتاء فعلى معنى قل للمتقين هذا ما توعدون و الياء على معنى «و إن للمتقين لحسن مآب» هذا ما يوعدون و الياء أعم لأنه يصلح أن يدخل فيه الغيب من الأنبياء و أما في سورة ق فنحو هذا و أزلفت الجنة للمتقين هذا ما توعدون أيها المتقون على الرجوع من الغيبة إلى الخطاب أو على قل لهم هذا ما توعدون و الياء على إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما وعدوا كأنه هذا ما يوعدون أيها النبي و من قرأ أولي الأيد بغير ياء فإنه يحتمل أن يكون أراد الأيدي فحذف الياء تخفيفا كقوله يوم يدع الداع و نحو ذلك و يحتمل أن يكون أراد بالأيد القوة في طاعة الله و يدل عليه أنه مقرون بالأبصار أي البصر بما يحظى عند الله و على هذا فالأيدي هنا إنما هي جمع اليد التي هي القوة لا التي هي الجارحة و لا النعمة لكنه كقولك له يد في الطاعة.

الإعراب

قال الزجاج جنات بدل من حسن مآب «مفتحة لهم الأبواب» أي مفتحة لهم الأبواب منها و قال بعضهم مفتحة لهم أبوابها و المعنى واحد إلا أن على تقدير العربية الأبواب منها أجود أن يجعل الألف و اللام بدلا من الهاء و الألف لأن معنى الألف و اللام ليس من معنى الهاء و الألف في شيء لأن الهاء و الألف اسم و الألف و اللام دخلتا للتعريف و لا يبدل حرف جاء بمعنى من اسم و لا ينوب عنه قال أبو علي مفتحة صفة لجنات عدن و في مفتحة ضمير يعود إلى جنات و الأبواب بدل من ذلك الضمير لأنك تقول فتحت الجنان إذا فتحت أبوابها فيكون من بدل البعض من الكل نحو ضربت زيدا رأسه و في القرآن و فتحت السماء فكانت أبوابا و ليس جنات عدن معرفة إذ ليس عدن بعلم و إنما هو بمنزلة جنات إقامة و قوله «هذا» خبر مبتدإ محذوف تقديره الأمر هذا و يجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي هذا أمرهم.

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم حديث الأنبياء فقال «و اذكر» يا محمد لقومك و أمتك «عبادنا إبراهيم و إسحاق و يعقوب» ليقتدوا بهم في حميد أفعالهم و كريم خلالهم فيستحقوا بذلك حسن الثناء في الدنيا و جزيل الثواب في العقبي كما استحق أولئك و إذا قرىء عبدنا فيكون التقدير و اذكر عبدنا إبراهيم خصه بشرف الإضافة إلى نفسه و اذكر إسحاق و يعقوب وصفهم جميعا فقال «أولي الأيدي» أي ذوي القوة على العبادة «و الأبصار» الفقه في الدين عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و معناه أولي العلم و العمل فالأيدي العمل و الأبصار العلم عن أبي مسلم و قيل أولي الأيدي أولي النعم على عباد الله بالدعاء إلى الدين و الأبصار جمع البصر و هو العقل «إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار»

أي جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم ذكرى الدار و الخالصة بمعنى الخلوص و الذكرى بمعنى التذكير أي خلص لهم تذكير الدار و هو أنهم كانوا يتذكرونها بالتأهب لها و يزهدون في الدنيا كما هو عادة الأنبياء و قيل المراد بالدار الدنيا عن الجبائي و أبي مسلم أي خصصناهم بالذكر في الأعقاب من بين أهل الدنيا «و إنهم عندنا» و بحسب ما سبق في علمنا «لمن المصطفين» للنبوة و تحمل أعباء الرسالة «الأخيار» جمع خير كالأموات جمع ميت و هو الذي يفعل الأفعال الكثيرة الحسنة و قيل هي جمع خير فيكون كالأقيال جمع قيل و هذا مثل قوله و لقد اخترناهم على علم على العالمين «و اذكر إسماعيل و اليسع و ذا الكفل» أي اذكر لأمتك هؤلاء أيضا ليقتدوا بهم و يسلكوا طريقتهم و قد تقدم ذكرهم «و كل من الأخيار» قد اختارهم الله للنبوة «هذا ذكر» أي شرف لهم و ذكر جميل و ثناء حسن يذكرون به في الدنيا أبدا «و إن للمتقين لحسن مآب» أي حسن مرجع و منقلب يرجعون في الآخرة إلى ثواب الله و مرضاته ثم فسر حسن المآب بقوله «جنات عدن» فهي في موضع جر على البدل أي جنات إقامة و خلود «مفتحة لهم الأبواب» أي يجدون أبوابها مفتوحة حين يردونها و لا يحتاجون إلى الوقوف عند أبوابها حتى تفتح و قيل معناه لا يحتاجون إلى مفاتيح بل تفتح بغير مفتاح و تغلق بغير مغلاق قال الحسن تكلم يقال انفتحي انغلقي و قيل معناه إنها معدة لهم غير ممنوعين منها و إن لم تكن أبوابها مفتوحة قبل مصيرهم إليها كما يقول الرجل و لغيره متى نشطت لزيارتي فالباب مفتوح و الدست مطروح «متكئين فيها» أي مستندين فيها إلى المساند جالسين جلسة الملوك «يدعون فيها بفاكهة كثيرة و شراب» أي يتحكمون في ثمارها و شرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم «و عندهم قاصرات الطرف» أي و عندهم في هذه الجنان أزواج قصرن طرفهن على أزواجهن راضيات بهم ما لهن في غيرهم رغبة و القاصر نقيض الماد يقال فلان قاصر طرفه عن فلان و ماد عينه إلى فلان قال امرؤ القيس:

{من القاصرات الطرف لو دب محول --- من الذر فوق الأتب منها لأثرا}

«أتراب» أي أقران على سن واحد ليس فيهن عجوز و لا هرمة و قيل أمثال و أشباه عن مجاهد أي متساويات في الحسن و مقدار الشباب لا يكون لواحدة على صاحبتها فضل في ذلك و قيل أتراب على مقدار سن الأزواج كل واحدة منهن ترب زوجها لا تكون أكبر منه قال

الفراء الترب اللدة مأخوذ من اللعب بالتراب و لا يقال إلا في الإناث قال عمر بن أبي ربيعة:

{أبرزوها مثل المهاة تهادى --- بين عشر كواعب أتراب}

«و هذا» يعني ما ذكر فيما تقدم «ما توعدون» أي يوعد به المتقون أو يخاطبون فيقال لهم هذا القول «ليوم الحساب» أي ليوم الجزاء «إن هذا» الذي ذكرنا «لرزقنا» أي عطاؤنا الجاري المتصل «ما له من نفاد» أي فناء و انقطاع لأنه على سبيل الدوام عن قتادة و قيل أنه ليس لشيء في الجنة نفاد ما أكل من ثمارها خلف مكانه مثله و ما أكل من حيوانها و طيرها عاد مكانه حيا عن ابن عباس.