۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الصافات، آية ٩٤

التفسير يعرض الآيات ٨٣ إلى ١٠٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ ٨٣ إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ ٨٤ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥ أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧ فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ ٨٨ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ ٨٩ فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠ فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١ مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢ فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣ فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤ قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦ قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧ فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩ رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ إِنّ مِن شِيعَتِهِ لابْرَهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبّهُ بِقَلْبٍ سلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَا ذَا تَعْبُدُونَ (85) أَ ئفْكاً ءَالِهَةً دُونَ اللّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظنّكم بِرَب الْعَلَمِينَ (87) فَنَظرَ نَظرَةً فى النّجُومِ (88) فَقَالَ إِنى سقِيمٌ (89) فَتَوَلّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلى ءَالِهَتهِمْ فَقَالَ أَ لا تَأْكلُونَ (91) مَا لَكمْ لا تَنطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضرْبَا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفّونَ (94) قَالَ أَ تَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَ اللّهُ خَلَقَكمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَناً فَأَلْقُوهُ فى الجَْحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فجَعَلْنَهُمُ الأَسفَلِينَ (98) وَ قَالَ إِنى ذَاهِبٌ إِلى رَبى سيهْدِينِ (99) رَب هَب لى مِنَ الصلِحِينَ (100)

القراءة

قرأ حمزة وحده يزفون بضم الياء و الباقون بفتحها و في الشواذ قراءة الحسن فراغ عليهم سفقا و قراءة عبد الله بن زيد يزفون خفيفة الفاء.

الحجة

زفت الإبل تزف إذا أسرعت و قراءة حمزة يزفون أي يحملون غيرهم على الزفيف قال الأصمعي أزففت الإبل حملتها على أن تزف و هو سرعة المشي و مقاربة الخطو و المفعول محذوف على قراءته و قيل أيضا أن أزف لغة في زف و لما يزفون بالتخفيف فذهب قطرب إلى أنها تخفيف يزفون كقوله و قرن في بيوتكن أي اقررن قال الهذلي:

{و زفت الشول من برد العشي كما --- زف النعام إلى حفانه الروح}

و الظاهر أن يزفون من وزف يزف مثل وعد يعد و أما قوله سفقا فهو من قولهم سفقت الباب و صفقته و الصاد أعرف و روي عن الحسن بالصاد أيضا.

اللغة

الشيعة الجماعة التابعة لرئيس لهم و صار بالعرف عبارة عن شيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذين كانوا معه على أعدائه و بعده مع من قام مقامه من أبنائه و روى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ليهنكم الاسم قلت و ما هو قال الشيعة قلت إن الناس يعيروننا بذلك قال أما تسمع قول الله سبحانه «و إن من شيعته لإبراهيم» و قوله فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه و الروغ الميل من جهة إلى جهة يقال راغ يروغ روغا و روغانا أي حاد و الرواغ الحياد قال عدي بن زيد:

{حين لا ينفع الرواغ و لا --- ينفع إلا المصادق النحرير}

الإعراب

آلهة بدل من قوله «إفكا» و إفكا مفعول تريدون.

«فما ظنكم» ما مبتدأ و ظنكم خبره و قوله «ضربا» مصدر فعل محذوف و التقدير يضربهم ضربا و الباء في قوله «باليمين» متعلق بذلك المحذوف و «يزفون» حال من أقبلوا «و الله خلقكم» في موضع نصب على الحال من تعبدون و التقدير أ تعبدون ما تنحتون مخلوقين.

«هب لي» مفعوله محذوف أي ولدا.

المعنى

ثم أتبعه سبحانه و تعالى بقصة إبراهيم (عليه السلام) فقال «و إن من شيعته لإبراهيم» أي و إن من شيعة نوح إبراهيم يعني أنه على منهاجه و سنته في التوحيد و العدل و اتباع الحق عن مجاهد و قيل إن معناه و إن من شيعة محمد إبراهيم كما قال أنا حملنا ذريتهم أي ذرية من هو أب لهم فجعلهم ذرية لهم و قد سبقوهم عن الفراء «إذ جاء ربه بقلب سليم» أي حين صدق الله و آمن به بقلب سليم خالص من الشرك بريء من المعاصي و الغل و الغش، على ذلك عاش و عليه مات و قيل بقلب سليم من كل ما سوى الله تعالى لم يتعلق بشيء غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذ قال لأبيه و قومه» حين رآهم يعبدون الأصنام من دون الله على وجه التهجين لفعالهم و التقريع لهم «ما ذا تعبدون» أي أي شيء تعبدون «أ إفكا آلهة» الإفك هو أشنع الكذب و أفظعه و أصله قلب الشيء عن جهته التي هي له فلذلك كان الكذب إفكا و إنما قال آلهة على اعتقاد المشركين و توهمهم الفاسد في إلهية الأصنام لما اعتقدوا أنها تستحق العبادة ثم أكد التقريع بقوله «دون الله تريدون» أي تريدون عبادة آلهة دون عبادة الرحمن فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه لأن الإرادة لا يصح تعلقها إلا

بما يصح حدوثه و الأجسام مما لا يصح أن تراد «فما ظنكم برب العالمين» أن يصنع بكم مع عبادتكم غيره و قيل معناه كيف تظنون برب تأكلون رزقه و تعبدون غيره و قيل معناه ما تظنون بربكم إنه على أي صفة و من أي جنس من أجناس الأشياء حين شبهتم به هذه الأصنام و فيه إشارة إلى أنه لا يشبه شيئا «فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم» اختلف في معناه على أقوال ( أحدها ) أنه (عليه السلام) نظر في النجوم فاستدل بها على وقت حمى كانت تعتاده فقال «إني سقيم» أراد أنه قد حضر وقت علته و زمان نوبتها فكأنه قال إني سأسقم لا محالة و حان الوقت الذي تعتريني فيه الحمى و قد يسمى المشارف للشيء باسم الداخل فيه قال الله تعالى إنك ميت و إنهم ميتون و لم يكن نظره في النجوم على حسب ما ينظره المنجمون طلبا للأحكام و مثله قول الشاعر:

{اسهري ما سهرت أم حكيم --- و اقعدي مرة لذاك و قومي} {و افتحي الباب و انظري في النجوم --- كم علينا من قطع ليل بهيم}

( و ثانيها ) أنه نظر في النجوم كنظرهم لأنهم كانوا يتعاطون علم النجوم فأوهمهم أنه يقول بمثل قولهم فقال عند ذلك «إني سقيم» فتركوه ظنا منهم أن نجمة يدل على سقمه و يجوز أن يكون الله تعالى أعلمه بالوحي أنه سيسقمه في وقت مستقبل و جعل العلامة على ذلك إما طلوع نجم على وجه مخصوص أو اتصاله بآخر على وجه مخصوص فلما رأى إبراهيم تلك الأمارة قال «إني سقيم» تصديقا بما أخبره الله تعالى ( و ثالثها ) أن معناه نظر في النجوم نظر تفكر فاستدل بها كما قصة الله تعالى في سورة الأنعام على كونها محدثة غير قديمة و لا آلهة و أشار بقوله «إني سقيم» على أنه في حال مهلة النظر و ليس على يقين من الأمر و لا شفاء من العلم و قد يسمى الشك بأنه سقم كما يسمى العلم بأنه شفاء و إنما زال عنه هذا السقم عند زوال الشك و كمال المعرفة عن أبي مسلم و هذا الوجه ضعيف لأن سياق الآية يمنع منه فإن قوله «إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه و قومه ما ذا تعبدون» إلى هذا الموضع من قصته يبين أنه (عليه السلام) لم يكن في زمان مهلة النظر و أنه كان كامل المعرفة خالص اليقين و البصيرة ( و رابعها ) أن معنى قوله «إني سقيم» إني سقيم القلب أو الرأي حزنا من إصرار القوم على عبادة الأصنام و هي لا تسمع و لا تبصر و يكون على هذا معنى نظره في النجوم فكرته في أنها محدثة مخلوقة مدبرة و تعجبه كيف ذهب على العقلاء ذلك من حالها حتى عبدوها و ما رواه العياشي بإسناده عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) أنهما قالا و الله ما كان سقيما و ما كذب فيمكن أن يحمل على أحد الوجوه التي ذكرناها و يمكن أن يكون على وجه التعريض بمعنى أن كل من كتب عليه

الموت فهو سقيم و إن لم يكن به سقم في الحال و ما روي أن إبراهيم (عليه السلام) كذب ثلاث كذبات قوله «إني سقيم» و قوله بل فعله كبيرهم هذا و قوله في سارة أنها أختي فيمكن أن يحمل أيضا على المعاريض أي سأسقم و فعله كبيرهم على ما ذكرناه في موضعه و سارة أخته في الدين و قد ورد في الخبر إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب و المعاريض أن يقول الرجل شيئا يقصد به غيره و يفهم عنه غير ما يقصده و لا يكون ذلك كذبا فإن الكذب قبيح بعينه و لا يجوز ذلك على الأنبياء لأنه يرفع الثقة بقولهم جل أمناء الله تعالى و أصفياؤه عن ذلك و قوله «فتولوا عنه مدبرين» إخبار عن قومه أنهم لما سمعوا قوله «إني سقيم» تركوه و أعرضوا عنه و خرجوا إلى عيدهم «فراغ إلى آلهتهم» معناه فمال إلى أصنامهم التي كانوا يدعونها آلهة «فقال أ لا تأكلون» خاطبها و إن كانت جمادا على وجه التهجين لعابديها و تنبيههم على أن من لا يتكلم و لا يقدر على الجواب كيف تصح عبادتها و كانوا صنعوا للأصنام طعاما تقربا إليها و تبركا بها فلما لم تجيبوه قال «ما لكم لا تنطقون» زيادة في تهجين عابديها كأنهم حاضرون لها أي ما لكم لا تجيبون و في هذا تنبيه على أنها جماد لا تأكل و لا تنطق فهي أخس الأشياء و أقلها «فراغ عليهم ضربا باليمين» أي فمال على الأصنام يضربها و يكسرها باليد اليمني لأنها أقوى على العمل عن الربيع بن أنس و قيل المراد باليمين القوة كما في قوله:

{تلقاها عرابة باليمين عن الفراء}

و هو قول السدي و قيل معناه بالقسم الذي سبق منه و هو قوله و تالله لأكيدن أصنامكم «فأقبلوا إليه يزفون» أي أقبلوا بعد الفراغ من عيدهم إلى إبراهيم يسرعون عن الحسن و ابن زيد و قيل يزفون زفيف النعام و هو حالة بين المشي و العدو عن مجاهد و في هذا دليل أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بأصنامهم فقصدوه مسرعين و حملوه إلى بيت أصنامهم و قالوا له أنت فعلت هذا بإلهتنا فأجابهم على وجه الحجاج عليهم بأن «قال أ تعبدون ما تنتحون» فهو استفهام معناه الإنكار و التوبيخ أي كيف يصح أن يعبد الإنسان ما يعمله بيده فإنهم كانوا ينحتون الأصنام بأيديهم «و الله خلقكم و ما تعملون» أي و خلق ما علمتم من الأصنام فكيف تدعون عبادته و تعبدون معمولكم و هذا كما يقال فلان يعمل الحصير و هذا الباب من عمل فلان النجار قال الحسن معناه و خلق أصل الحجارة التي تعملون منها الأصنام و هذا يجري مجرى قوله تلقف ما يأفكون و قوله تلقف ما صنعوا في أنه أراد المنحوت من الجسم هنا دون العرض الذي هو النحت كما أراد هناك المأفوك فيه و المصنوع فيه من الحبال و العصي دون العرض الذي هو فعلهم فليس لأهل الجبر تعلق بهذه الآية في الدلالة على أن الله سبحانه خالق لأفعال العباد لأن من المعلوم أن الكفار لم يعبدوا نحتهم

الذي هو فعلهم و إنما كانوا يعبدون الأصنام التي هي الأجسام و قوله «ما تنحتون» هو ما يعملون في المعنى على أن مبنى الآية على التقريع للكفار و الإزراء عليهم بقبيح فعلهم و لو كان معناه و الله خلقكم و خلق عبادتكم لكانت الآية إلى أن تكون عذرا لهم أقرب من أن تكون لوما و تهجينا و لكان لهم أن يقولوا و لم توبخنا على عبادتها و الله تعالى هو الفاعل لذلك فتكون الحجة لهم لا عليهم و لأنه قد أضاف العمل إليهم بقوله «تعملون» فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى و هذا تناقض و لما لزمتهم الحجة «قالوا ابنوا له بنيانا» قال ابن عباس بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا و عرضه عشرون ذراعا و ملاءوه نارا و طرحوه فيها و ذلك قوله «فألقوه في الجحيم» قال الزجاج كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم و قيل إن الجحيم النار العظيمة «فأرادوا به كيدا» أي حيلة و تدبيرا في إهلاكه و إحراقه بالنار «فجعلناهم الأسفلين» بأن أهلكناهم و نجينا إبراهيم و سلمناه و رددنا كيدهم عنه و قيل بأن أشرفوا عليه فرأوه سالما و تحققوا أن كيدهم لا ينفذ فيه و علموا أنهم مغلوبون «و قال» إبراهيم «إني ذاهب إلى ربي» قال ابن عباس معناه مهاجر إلى ربي أي أهجر ديار الكفار و أذهب إلى حيث أمرني الله تعالى بالذهاب إليه و هي الأرض المقدسة و قيل إني ذاهب إلى مرضاة ربي بعملي و نيتي عن قتادة «سيهدين» أي يهديني ربي فيما بعد إلى طريق المكان الذي أمرني بالمصير إليه أو إلى الجنة بطاعتي إياه قال مقاتل و هو أول من هاجر و معه لوط و سارة إلى الشام و إنما قال «سيهدين» ترغيبا لمن هاجر معه في الهجرة و توبيخا لقومه فلما قدم الأرض المقدسة سأل إبراهيم ربه الولد فقال «رب هب لي من الصالحين» أي ولدا صالحا من الصالحين كما تقول أكلت من الطعام فحذف لدلالة الكلام عليه.