۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الصافات، آية ١٣٧

التفسير يعرض الآيات ١٣٣ إلى ١٤٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٣ إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٣٦ وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ ١٣٧ وَبِٱلَّيۡلِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٣٨ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩ إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١ فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢ فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤ ۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥ وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ ١٤٦ وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧ فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ إِنّ لُوطاً لّمِنَ الْمُرْسلِينَ (133) إِذْ نجّيْنَهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلا عجُوزاً فى الْغَبرِينَ (135) ثُمّ دَمّرْنَا الاَخَرِينَ (136) وَ إِنّكمْ لَتَمُرّونَ عَلَيهِم مّصبِحِينَ (137) وَ بِالّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (138) وَ إِنّ يُونُس لَمِنَ الْمُرْسلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلى الْفُلْكِ الْمَشحُونِ (140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الحُْوت وَ هُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْ لا أَنّهُ كانَ مِنَ الْمُسبِّحِينَ (143) لَلَبِث فى بَطنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سقِيمٌ (145) وَ أَنبَتْنَا عَلَيْهِ شجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَ أَرْسلْنَهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَئَامَنُوا فَمَتّعْنَهُمْ إِلى حِينٍ (148)

القراءة

قرأ جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) و يزيدون بالواو و الوجه فيه ظاهر.

اللغة

الغابر الباقي قليلا بعد ما مضى و منه الغبار لأنه يبقى بعد ذهاب التراب قليلا و التدمير الإهلاك على وجه التنكيل و الآبق الفأر إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه و قد أبق يأبق إباقا و المشحون المملوء و المساهمة المقارعة مأخوذ من إلقاء السهام و دحضت حجته أي سقطت و أدحضها الله مأخوذ من الدحض و هو الزلق لأنه يسقط المار فيه قال الشاعر:

{و حدت كما حاد البعير عن الدحض}

و الالتقام ابتلاع اللقمة يقال لقمه و التقمه و تلقمه بمعنى

و ألام الرجل فهو مليم أتى بما يلام عليه قال لبيد:

{سفها عذلت و لمت غير مليم --- و هداك قبل اليوم غير حكيم}

و العراء الفضاء الذي لا يواريه شجر و لا غيره و قيل العراء وجه الأرض الخالي قال:

{و رفعت رجلا لا أخاف عثارها --- و نبذت بالبلد العراء ثيابي}

و اليقطين كل شجرة تبقى من الشتاء إلى الصيف ليس لها ساق قال أمية بن أبي الصلت:

{فأنبت يقطينا عليه برحمة --- من الله لو لا الله ألقي ضاحيا}

و هو يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة راسخ و القطاني من الحبوب التي تقيم في البيت مثل الحمص و العدس و الخلو و أحدها قطنية و قطينة.

الإعراب

«مصبحين» حال من قوله «تمرون» «بالليل» الجار و المجرور أيضا في موضع نصب عطفا عليه تقديره لتمرون عليه مصبحين و ممسين.

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم خبر لوط فقال «و إن لوطا لمن المرسلين» أي رسولا من جملة من أرسله الله إلى خلقه داعيا لهم إلى طاعته و منبها لهم على وحدانيته «إذ نجيناه و أهله أجمعين» إذ يتعلق بمحذوف و كأنه قيل اذكر يا محمد إذ نجيناه أي خلصناه و من آمن به من قومه من عذاب الاستئصال «إلا عجوزا في الغابرين» أي في الباقين الذين أهلكوا استثنى من جملة قومه امرأته فقال «ثم دمرنا الآخرين» أي أهلكناهم «و إنكم لتمرون عليهم مصبحين و بالليل» هذا خطاب لمشركي العرب أي تمرون في ذهابكم و مجيئكم إلى الشام على منازلهم و قراهم بالنهار و بالليل «أ فلا تعقلون» فتعتبرون بهم و من كثر مروره بموضع العبر فلم يعتبر كان ألوم ممن قل ذلك عنه و المعنى أ فلا تتفكرون فيما نزل بهم لتجتنبوا ما كانوا يفعلونه من الكفر و الضلال و الوجه في ذكر قصص الأنبياء و تكريرها التشويق إلى مثل ما كانوا عليه من مكارم الأخلاق و محاسن الخلال و صرف الخلق عما كان عليه الكفار من مساوىء الخصال و مقابح الأفعال «و إن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون» أي فر من قومه إلى السفينة المملوءة من الناس و الأحمال خوفا من أن ينزل العذاب بهم و هو مقيم فيهم «فساهم» يونس القوم بأن ألقوا السهام على سبيل القرعة

أي قارعهم «فكان من المدحضين» أي من المقروعين عن الحسن و ابن عباس و قيل من المسهومين عن مجاهد و المراد من الملقين في البحر و اختلف في سبب ذلك فقيل إنهم أشرفوا على الغرق فرأوا أنهم إن طرحوا واحدا منهم في البحر لم يغرق الباقون و قيل إن السفينة احتبست فقال الملاحون إن هاهنا عبدا آبقا فإن من عادة السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فذلك اقترعوا فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات فعلموا أنه المطلوب فألقى نفسه في البحر و قيل إنه لما وقعت القرعة عليه ألقوه في البحر «فالتقمه الحوت» أي ابتلعه و قيل إن الله سبحانه أوحى إلى الحوت أني لم أجعل عبدي رزقا لك و لكني جعلت بطنك مسجدا له فلا تكسرن له عظما و لا تخدشن له جلدا «و هو مليم» أي مستحق للوم لوم العتاب لا لوم العقاب على خروجه من بين قومه من غير أمر ربه و عندنا أن ذلك إنما وقع منه تركا للمندوب و قد يلام الإنسان على ترك المندوب و من جوز الصغيرة على الأنبياء قال قد وقع ذلك صغيرة مكفرة و اختلف في مدة لبثه في بطن الحوت فقيل كانت ثلاثة أيام عن مقاتل بن حيان و قيل سبعة أيام عن عطا و قيل عشرين يوما عن الضحاك و قيل أربعين يوما عن السدي و مقاتل بن سليمان و الكلبي «فلو لا أنه كان من المسبحين» أي كان من المصلين في حال الرخاء فنجاه الله عند البلاء عن قتادة و قيل كان تسبيحه أنه كان يقول لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين عن سعيد بن جبير و قيل من المسبحين أي من المنزهين الله عما لا يليق به و لا يجوز في صفته الذاكرين له «للبث في بطنه إلى يوم يبعثون» أي لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة «فنبذناه بالعراء» أي فطرحناه بالمكان الخالي الذي لا نبت فيه و لا شجر و قيل بالساحل ألهم الله سبحانه الحوت حتى قذفه و رماه من جوفه على وجه الأرض «و هو سقيم» أي مريض حين ألقاه الحوت «و أنبتنا عليه شجرة من يقطين» و هو القرع عن ابن مسعود و قيل هو كل نبت يبسط على وجه الأرض و لا ساق له عن ابن عباس و الحسن و روي عن ابن مسعود قال خرج يونس من بطن الحوت كهيئة فرخ ليس عليه ريش فاستظل بالشجر من الشمس «و أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون» قيل إن الله سبحانه أرسله إلى أهل نينوى من أرض الموصل عن قتادة و كانت رسالته هذه بعد ما نبذه الحوت عن ابن عباس فعلى هذا يجوز أن يكون أرسل إلى قوم بعد قوم و يجوز أن يكون أرسل إلى الأولين بشريعة فآمنوا بها و قيل في معنى أو من قوله «أو يزيدون» وجوه ( أحدها ) أنه على طريق الإبهام على المخاطبين كأنه قال أرسلناه إلى إحدى العدتين ( و ثانيها ) أن أو تخيير كان الرائي خير بين أن يقول هم مائة ألف أو يزيدون عن سيبويه و المعنى أنهم كانوا عددا لو نظر إليهم الناظر لقال هم مائة ألف أو يزيدون ( و ثالثها ) أن أو بمعنى الواو كأنه قال و يزيدون عن بعض الكوفيين

و قال بعضهم معناه بل يزيدون و هذان القولان الأخيران غير مرضيين عند المحققين و أجود الأقوال الثاني و اختلف في الزيادة على مائة ألف كم هي فقيل عشرون ألفا عن ابن عباس و مقاتل و قيل بضع و ثلاثون ألفا عن الحسن و الربيع و قيل سبعون ألفا عن مقاتل بن حيان «فآمنوا فمتعناهم إلى حين» حكى سبحانه عنهم أنهم آمنوا بالله و راجعوا التوبة فكشف عنهم العذاب و متعهم بالمنافع و اللذات إلى انقضاء آجالهم.