۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ٤٥

التفسير يعرض الآيات ٤١ إلى ٥٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١ وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢ وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣ إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥ وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ ءَايَةٌ لهُّمْ أَنّا حَمَلْنَا ذُرِّيّتهُمْ فى الْفُلْكِ الْمَشحُونِ (41) وَ خَلَقْنَا لهَُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَ إِن نّشأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صرِيخَ لهَُمْ وَ لا هُمْ يُنقَذُونَ (43) إِلا رَحْمَةً مِّنّا وَ مَتَعاً إِلى حِينٍ (44) وَ إِذَا قِيلَ لهَُمُ اتّقُوا مَا بَينَ أَيْدِيكُمْ وَ مَا خَلْفَكمْ لَعَلّكمْ تُرْحَمُونَ (45) وَ مَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبهِمْ إِلا كانُوا عَنهَا مُعْرِضِينَ (46) وَ إِذَا قِيلَ لهَُمْ أَنفِقُوا مِمّا رَزَقَكمُ اللّهُ قَالَ الّذِينَ كفَرُوا لِلّذِينَ ءَامَنُوا أَ نُطعِمُ مَن لّوْ يَشاءُ اللّهُ أَطعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلا فى ضلَلٍ مّبِينٍ (47) وَ يَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ (48) مَا يَنظرُونَ إِلا صيْحَةً وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يخِصمُونَ (49) فَلا يَستَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر و يعقوب و سهل ذرياتهم على الجمع و الباقون «ذريتهم» على التوحيد و قرأ ابن كثير و ورش و محمد بن حبيب عن الأعمش و روح و زيد عن يعقوب يخصمون بفتح الياء و الخاء و تشديد الصاد و قرأ أبو عمرو بفتح الخاء أيضا إلا أنه يشمه الفتح و لا يشبعه و قرأ أهل المدينة غير ورش يخصمون ساكنة الخاء مشددة الصاد و قرأ حمزة يخصمون ساكنة الخاء خفيفة الصاد و الباقون «يخصمون» بفتح الياء و كسر الخاء و تشديد الصاد.

الحجة

من قرأ يخصمون حذف الحركة من التاء المدغم في يختصمون و ألقاها

على الساكن الذي قبلها و هو الخاء و هذا أحسن الوجوه بدلالة قولهم رد و فر و عض ألقوا حركة العين على الساكن الذي قبلها و من قرأ «يخصمون» حذف الحركة من الحرف المدغم إلا أنه لم يلقها على الساكن الذي قبلها كما ألقاه في الأول فالتقى الساكنان فحرك الحرف الذي قبل المدغم بالكسر و من قرأ يخصمون جمع بين الساكنين الخاء و الحرف المدغم قال أبو علي و من زعم أن ذلك ليس في طاقة اللسان فقد ادعى ما يعلم فساده بغير استدلال و أما من قرأ يخصمون و تقديره يخصم بعضهم بعضا فحذف المضاف و حذف المفعول به و يجوز أن يكون المعنى يخصمون مجادلهم عند أنفسهم فحذف المفعول به و معنى يخصمون يغلبون في الخصام خصومهم.

اللغة

الحمل منع الشيء أن يذهب إلى جهة السفل و الفلك السفن لأنها تدور في الماء و منه الفلكة لأنها تدور في المغزل و الفلك لأنها تدور بالنجوم و فلك ثدي المرأة إذا استدار و المشحون المملوء و شحنت الثغر بالرجال أشحنه شحنا إذا ملأته و منه الشحنة لأنه يملأ بهم البلد.

الإعراب

«رحمة منا» نصب على أنه مفعول له و «متاعا» عطف عليه و يمكن أن يكون على معنى إلا أن نرحمهم رحمة و نمتعهم متاعا.

المعنى

ثم امتن سبحانه على خلقه بذكر فنون نعمه دالا بذلك على وحدانيته فقال «و آية لهم» أي و حجة و علامة لهم على اقتدارنا «أنا حملنا ذريتهم» يعني آباءهم و أجدادهم الذين هؤلاء من نسلهم «في الفلك المشحون» يعني سفينة نوح المملوءة من الناس و ما يحتاج إليه من فيها فسلموا من الغرق فانتشر منهم بشر كثير و يسمى الآباء ذرية من ذرأ الله الخلق لأن الأولاد خلقوا منهم و سمي الأولاد ذرية لأنهم خلقوا من الآباء عن الضحاك و قتادة و جماعة من المفسرين و قيل الذرية هم الصبيان و النساء و الفلك هي السفن الجارية في البحار و خص الذرية بالحمل في الفلك لضعفهم و لأنه لا قوة لهم على السفر كقوة الرجال فسخر الله لهم السفن ليمكن الحمل في البحر و الإبل ليمكن الحمل في البر يقول القائل حملني فلان إذا أعطاه ما يحمل أو هداه إلى ما يحمل عليه قال الشاعر:

{ألا فتى عنده خفان يحملني --- عليهما إنني شيخ على سفر}

«و خلقنا لهم من مثله ما يركبون» أي و خلقنا لهم من مثل سفينة نوح سفنا يركبون فيها كما ركب نوح يعني السفن التي عملت بعد سفينة نوح مثلها على صورتها و هيئتها عن

ابن عباس و غيره و قيل إن المراد به الإبل و هي سفن البر عن مجاهد و قيل مثل السفينة من الدواب كالإبل و البقر و الحمير عن الجبائي «و إن نشأ نغرقهم» أي و إن نشأ إذا حملناهم في السفن نغرقهم بتهييج الرياح و الأمواج «فلا صريخ لهم» أي لا مغيث لهم «و لا هم ينقذون» أي و لا يخلصون من الغرق إذا أردناه «إلا رحمة منا و متاعا إلى حين» أي إلا أن نرحمهم بأن نخلصهم في الحال من أهوال البحر و نمتعهم إلى وقت ما قدرناه لتقضى آجالهم و قيل معناه بقيناهم نعمة منا عليهم و إمتاعا إلى مدة «و إذا قيل لهم» أي للمشركين «اتقوا ما بين أيديكم» من أمر الآخرة فاعملوا لها «و ما خلفكم» من أمر الدنيا فاحذروها و لا تغتروا بها «لعلكم ترحمون» أي لتكونوا على رجاء الرحمة من الله تعالى عن ابن عباس و قيل معناه اتقوا ما مضى من الذنوب و ما يأتي من الذنوب عن مجاهد أي اتقوا عذاب الله بالتوبة للماضي و الاجتناب للمستقبل و قيل اتقوا العذاب المنزل على الأمم الماضية و ما خلفكم من عذاب الآخرة عن قتادة و روى الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال معناه اتقوا ما بين أيديكم من الذنوب و ما خلفكم من العقوبة و جواب إذا محذوف تقديره إذا قيل لهم هذا أعرضوا و يدل على هذا المحذوف قوله «و ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين» أي أعرضوا عن الداعي و عن التفكر في الحجج و في المعجزات و من في قوله «من آية» هي التي تزاد في النفي للاستغراق و من الثانية للتبعيض أي ليس تأتيهم آية آية آية كانت إلا ذهبوا عنها و أعرضوا عن النظر فيها و ذلك سبيل من ضل عن الهدى و خسر الدنيا و الآخرة «و إذا قيل لهم» أيضا «أنفقوا مما رزقكم الله» في طاعته و أخرجوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم «قال الذين كفروا للذين آمنوا أ نطعم من لو يشاء الله أطعمه» احتجوا في منع الحقوق بأن قالوا كيف نطعم من يقدر الله على إطعامه و لو شاء الله إطعامه أطعمه فإذا لم يطعم دل على أنه لم يشأ إطعامه و ذهب عليهم إن الله سبحانه إنما تعبدهم بذلك لما لهم فيه من المصلحة فأمر الغني بالإنفاق على الفقير ليكسب به الأجر و الثواب و اختلف في هؤلاء الذين قالوا ذلك فقيل هم اليهود حين أمروا بإطعام الفقراء عن الحسن و قيل هم مشركو قريش قال لهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أطعمونا من أموالكم ما زعمتم أنه لله و ذلك قوله هذا لله بزعمهم عن مقاتل و قيل هم الزنادقة الذين أنكروا الصانع تعلقوا بقوله «رزقكم الله» فقالوا إن كان هو الرزاق فلا فائدة في التماس الرزق منا و قد رزقنا و حرمكم فلم تأمرون بإعطاء من حرمه الله «إن أنتم إلا في ضلال مبين» هذا من قول الكفار لمن أمرهم بالإطعام عن قتادة و قيل أنه من قول الله تعالى لهم حين ردوا هذا بالجواب عن علي بن عيسى «و يقولون متى هذا الوعد» الذي تعدنا به من نزول العذاب بنا «إن كنتم صادقين» في ذلك أنت و أصحابك و هذا استهزاء

منهم بخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و خبر المؤمنين فقال تعالى في جوابهم «ما ينظرون» أي ما ينتظرون «إلا صيحة واحدة» يريد النفخة الأولى عن ابن عباس يعني أن القيامة تأتيهم بغتة «تأخذهم» الصيحة «و هم يخصمون» أي يختصمون في أمورهم و يتبايعون في الأسواق و في الحديث تقوم الساعة و الرجلان قد نشرا ثوابهما يتبايعانه فما يطويانه حتى تقوم و الرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم و الرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم و قيل و هم يختصمون هل ينزل بهم العذاب أم لا «فلا يستطيعون توصية» يعني أن الساعة إذا أخذتهم بغتة لم يقدروا على الإيصاء بشيء «و لا إلى أهلهم يرجعون» أي و لا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق و هذا إخبار عما يلقونه في النفخة الأولى عند قيام الساعة.