۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ٤٠

التفسير يعرض الآيات ٣٦ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦ وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧ وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨ وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩ لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

سبْحَنَ الّذِى خَلَقَ الأَزْوَجَ كلّهَا مِمّا تُنبِت الأَرْض وَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَ مِمّا لا يَعْلَمُونَ (36) وَ ءَايَةٌ لّهُمُ الّيْلُ نَسلَخُ مِنْهُ النهَارَ فَإِذَا هُم مّظلِمُونَ (37) وَ الشمْس تجْرِى لِمُستَقَرٍّ لّهَا ذَلِك تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَ الْقَمَرَ قَدّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتى عَادَ كالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشمْس يَنبَغِى لهََا أَن تُدْرِك الْقَمَرَ وَ لا الّيْلُ سابِقُ النهَارِ وَ كلّ فى فَلَكٍ يَسبَحُونَ (40)

القراءة

قرأ زيد عن يعقوب لمستقر لها بكسر القاف و الباقون بفتحها و قرأ أهل الحجاز و البصرة غير أبي جعفر و رويس و القمر بالرفع و الباقون بالنصب و روي عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) و أبي جعفر الباقر و جعفر الصادق (عليه السلام) و ابن عباس و ابن مسعود و عكرمة و عطاء بن أبي رباح لا مستقر لها بنصب الراء.

الحجة

قال أبو علي الرفع على تقدير و آية لهم القمر قدرناه منازل مثل قوله «و آية لهم الليل» فهو على هذا أشبه بالجمل التي قبلها و القول في آية أنه يرتفع بالابتداء و لهم صفة للنكرة و الخبر مضمر تقديره و آية لهم في الشاهد أو الوجود و قوله «الليل نسلخ منه النهار» و «القمر قدرناه منازل» تفسير للآية كما أن قوله تعالى لهم مغفرة تفسير للوعد و للذكر مثل حظ الأنثيين تفسير للوصية و من نصب فقد حمله على زيدا ضربته و أما قوله لا مستقر لها فظاهره العموم و المعنى الخصوص فهو بمنزلة قوله:

{أبكي لفقدك ما ناحت مطوقة --- و ما سما فنن يوما على ساق}

و المعنى لو عشت أبدا لبكيتك و كذلك قوله لا مستقر لها أي ما دامت السماوات على ما هي عليه فإذا زالت السماوات استقرت الشمس و بطل سيرها.

اللغة

السلخ إخراج الشيء من لباسه و منه إخراج الحيوان من جلده و منه قوله فانسلخ منها أي فخرج منها خروج الشيء مما لابسه و العرجون العذق الذي فيه الشماريخ

و هو العثكول و العثكال و الكباسة و القنو و هو فعلول قال رؤبة:

{في خدر مياس الدمى معرجن}

الإعراب

«و القمر قدرناه منازل» تقديره ذا منازل ثم حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و لا يجوز أن يكون بلا حذف لأن القمر غير المنازل و إنما يجري فيها و لا يجوز أن ينصب منازل على الظرف لأنه محدود و الفعل لا يصل إلى المحدود إلا بحرف جر نحو جلست في المسجد و لا يجوز جلست المسجد.

المعنى

ثم نزه سبحانه نفسه و عظمها دالا بذلك على أنه هو الذي يستحق منتهى الحمد و غاية الشكر فقال «سبحان الذي خلق الأزواج كلها» أي تنزيها و تعظيما و براءة عن السوء للذي خلق الأصناف و الأشكال من الأشياء فالحيوان على مشاكلة الذكر للأنثى و كذلك النخل و الحبوب إشكال و التين و الكرم و نحوهما إشكال فلذلك قال «مما تنبت الأرض» أي من سائر النبات «و من أنفسهم» أي و خلق منهم أولادا أزواجا ذكورا و إناثا «و مما لا يعلمون» مما في بطون الأرض و قعر البحار فلم يشاهدوه و لم يتصل خبره بهم «و آية لهم» أي و دلالة لهم أخرى «الليل نسلخ منه النهار» أي ننزع منه و نخرج ضوء الشمس فيبقى الهواء مظلما كما كان لأن الله سبحانه يضيء الهواء بضياء الشمس فإذا سلخ منه الضياء أي كشط و أزيل يبقى مظلما و قيل إنما قال سبحانه «نسلخ منه النهار» لأنه تعالى جعل الليل كالجسم لظلمته و جعل النهار كالقشر و لأن النهار عارض فهو كالكسوة و الليل أصل فهو كالجسم و قوله «فإذا هم مظلمون» أي داخلون في الليل لا ضياء لهم فيه «و الشمس تجري لمستقر لها» معناه و دلالة أخرى لهم الشمس و في قوله «لمستقر لها» أقوال ( أحدها ) أنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا فلا تزال تجري حتى تنقضي الدنيا عن جماعة من المفسرين قال أبو مسلم و معنى هذا و معنى لا مستقر لها واحد أي لا قرار لها إلى انقضاء الدنيا ( و ثانيها ) أنها تجري لوقت واحد لا تعدوه و لا يختلف عن قتادة ( و ثالثها ) أنها تجري إلى أقصى منازلها في الشتاء و الصيف لا تتجاوزها و المعنى أن لها في الارتفاع غاية لا تتجاوزها و لا تنقطع دونها و لها في الهبوط غاية لا تتجاوزها و لا تقصر عنها فهو مستقرها «ذلك تقدير العزيز» أي القادر الذي لا يعجزه شيء «العليم» الذي لا يخفي عليه شيء «و القمر قدرناه منازل» و هي ثمانية و عشرون منزلا ينزل كل يوم و ليلة منزلة منها لا يختلف حاله في ذلك إلى أن يقطع الفلك «حتى عاد كالعرجون القديم» أي عاد في آخر الشهر

دقيقا كالعذق اليابس العتيق ثم يخفي يومين آخر الشهر و إنما شبهه سبحانه بالعذق لأنه إذا مضت عليه الأيام جف و تقوس فيكون أشبه الأشياء بالهلال و قيل إن العذق يصير كذلك في كل ستة أشهر روى علي بن إبراهيم بإسناده قال دخل أبو سعيد المكاري و كان واقفيا على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال له أبلغ من قدرك إنك تدعي ما ادعاه أبوك فقال له أبو الحسن ما لك أطفأ الله نورك و أدخل الفقر بيتك أ ما علمت أن الله عز و جل أوحى إلى عمران إني واهب لك ذكرا يبريء الأكمه و الأبرص فوهب له مريم و وهب لمريم عيسى فعيسى من مريم و مريم من عيسى و مريم و عيسى شيء واحد و أنا من أبي و أبي مني و أنا و أبي شيء واحد فقال له أبو سعيد فأسألك عن مسألة قال سل و لا أخالك تقبل مني و لست من غنمي و لكن هلمها قال ما تقول في رجل قال عند موته كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله فقال أبو الحسن ما ملكه لستة أشهر فهو قديم و هو حر قال و كيف صار كذلك قال لأن الله تعالى يقول «و القمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» أسماه الله قديما و يعود كذلك لستة أشهر قال فخرج أبو سعيد من عنده و ذهب بصره و كان يسأل على الأبواب حتى مات «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر» في سرعة سيره لأن الشمس أبطأ سيرا من القمر فإنها تقطع منازلها في سنة و القمر يقطعها في شهر و الله سبحانه يجريهما إجراء التدوير باين بين فلكيهما و مجاريهما فلا يمكن أن يدرك أحدهما الآخر ما داما على هذه الصفة «و لا الليل سابق النهار» أي و لا يسبق الليل و النهار و قيل معناه لا يجتمع ليلتان ليس بينهما يوم بل تتعاقبان كما قدره الله تعالى عن عكرمة و روى العياشي في تفسيره بالإسناد عن الأشعث بن حاتم قال كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا (عليه السلام) و الفضل بن سهل و المأمون في إيوان الحبري بمرو فوضعت المائدة فقال الرضا (عليه السلام) إن رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال النهار خلق قبل أم الليل فما عندكم قال فأداروا الكلام فلم يكن عندهم في ذلك شيء فقال الفضل للرضا أخبرنا بها أصلحك الله قال نعم من القرآن أم من الحساب قال له الفضل من جهة الحساب فقال قد علمت يا فضل إن طالع الدنيا السرطان و الكواكب في مواضع شرفها فزحل في الميزان و المشتري في السرطان و الشمس في الحمل و القمر في الثور فذلك يدل على كينونة الشمس في الحمل في العاشر من الطالع في وسط السماء فالنهار خلق قبل الليل و في قوله تعالى «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر و لا الليل سابق النهار» أي قد سبقه النهار ثم قال «و كل» من الشمس و القمر و النجوم «في فلك يسبحون» يسيرون فيه بانبساط و كل ما انبسط في شيء فقد سبح فيه و منه السباحة في الماء و إنما قال «يسبحون» بالواو و النون لما أضاف إليها ما هو من فعل الآدميين كما قال ما لكم لا تنطقون لما وصفها بصفة من يعقل و قال

ابن عباس يسبحون أي يجري كل واحد منها في فلكة كما يدور المغزل في الفلكة.