۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ٢٥

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١ وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣ إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤ إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥ قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧ ۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨ إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩ يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

اتّبِعُوا مَن لا يَسئَلُكمْ أَجْراً وَ هُم مّهْتَدُونَ (21) وَ مَا لىَ لا أَعْبُدُ الّذِى فَطرَنى وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) ءَ أَتخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرّحْمَنُ بِضرٍّ لا تُغْنِ عَنى شفَعَتُهُمْ شيْئاً وَ لا يُنقِذُونِ (23) إِنى إِذاً لّفِى ضلَلٍ مّبِينٍ (24) إِنى ءَامَنت بِرَبِّكُمْ فَاسمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الجَْنّةَ قَالَ يَلَيْت قَوْمِى يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لى رَبى وَ جَعَلَنى مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَ مَا أَنزَلْنَا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السمَاءِ وَ مَا كُنّا مُنزِلِينَ (28) إِن كانَت إِلا صيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَمِدُونَ (29) يَحَسرَةً عَلى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رّسولٍ إِلا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ (30)

القراءة

قرأ أبو جعفر صيحة واحدة بالرفع و الباقون بالنصب و في الشواذ قراءة ابن مسعود و عبد الرحمن بن الأسود الأزقية قرأ الأعرج و مسلم بن جندب يا حسرة على العباد ساكنة الهاء و قراءة علي بن الحسين (عليهما السلام) و أبي بن كعب و ابن عباس و الضحاك و مجاهد يا حسرة العباد مضافا.

الحجة

قال ابن جني الرفع ضعيف لتأنيث الفعل فلا يقوى أن تقول ما قامت إلا هند و المختار ما قام إلا هند و ذلك أن الكلام محمول على معناه أي ما قام أحد إلا هند ثم إنه لما كان محصول الكلام قد كانت هناك صيحة واحدة جيء بالتأنيث حملا للظاهر عليه و مثله قراءة الحسن فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم بالتاء في ترى و عليه قول ذي الرمة:

{طوى النحز و الأجراز ما في غروضها --- فما بقيت إلا الصدور الجراشع}

و أما الزقية فمن زقا الطائر يزقو و يزقي زقاء و زقوا إذا صاح و هي الزقية و الزقوة و كأنه إنما استعمل هاهنا صياح الديك و نحوه تنبيها على أن البعث بما فيه من عظيم القدرة في استثارة الموتى من القبور سهل على الله تعالى كزقية زقاها طائر فهذا كقوله تعالى ما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة و أما من قرأ يا حسرة على العباد بسكون الهاء فيمكن أن يكون حسرة غيره معلقة بعلى فيحسن الوقف عليها ثم يعلق على بمضمر يدل عليه قوله حسرة فكأنه قال أ تحسر على العباد و مثل ذلك كثير في التنزيل و إذا كان حسرة معلقة بعلى أو موصوفة فلا يحسن الوقف عليها دونه و على هذا فيمكن أن يكون ذلك لتقوية المعنى في النفس و ذلك أنه موضع تنبيه و تذكير فطال الوقف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر المتعجب منه الدال على أنه قد بهره و ملك عليه لفظه و خاطره ثم قال من بعد على العباد و أما من قرأ يا حسرة العباد مضافا فإن فيه وجهين ( أحدهما ) أن يكون العباد فاعلين في المعنى كقوله يا قيام زيد و المعنى كان العباد إذا شاهدوا العذاب تحسروا ( و الآخر ) أن العباد مفعولون في المعنى و تدل عليه القراءة الظاهرة «يا حسرة على العباد» أي يتحسر عليهم من يعنيه أمرهم و هذا واضح و فتح أبو عمرو الياء من قوله «و ما لي لا أعبد» لئلا يكون الابتداء بلا أعبد و قرأ في النمل ما لي لا أرى الهدهد بسكون الياء.

المعنى

ثم ذكر سبحانه تمام الحكاية عن الرجل الذي جاءهم من أقصى المدينة فقال «اتبعوا من لا يسئلكم أجرا» أي و قال لهم اتبعوا معاشر الكفار من لا يطلبون منكم الأجر و لا يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى «و هم» مع ذلك «مهتدون» إلى طريق الحق سالكون سبيله قال فلما قال هذا أخذوه و رفعوه إلى الملك فقال له الملك أ فأنت تتبعهم فقال «و ما لي لا أعبد الذي فطرني» أي و أي شيء لي إذا لم أعبد خالقي الذي أنشأني و أنعم علي و هداني «و إليه ترجعون» أي تردون عند البعث فيجزيكم بكفركم ثم أنكر اتخاذ الأصنام و عبادتهم فقال «ء أتخذ من دونه آلهة» أعبدهم «إن يردن الرحمن بضر» أي إن أراد الله إهلاكي و الإضرار بي «لا تغن عني شفاعتهم شيئا» أي لا تدفع و لا تمنع شفاعتهم عني شيئا و المعنى لا شفاعة لهم فتغني «و لا ينقذون» أي و لا يخلصوني من ذلك الهلاك أو الضرر و المكروه «إني إذا لفي ضلال مبين» أي إني إن فعلت ذلك في عدوك عن الحق واضح و الوجه في هذا الاحتجاج أن العبادة لا يستحقها إلا الله سبحانه المنعم بأصول النعم و بما لا توازيه نعمة منعم «إني آمنت بربكم» الذي خلقكم و أخرجكم من العدم إلى الوجود «فاسمعون» أي فاسمعوا قولي و أقبلوه عن وهب و قيل أنه خاطب بذلك الرسل أي فاسمعوا ذلك مني حتى تشهدوا لي به عند الله عن ابن مسعود قال ثم إن قومه لما سمعوا ذلك القول منه وطاوه بأرجلهم حتى مات فأدخله الله الجنة و هو حي فيها يرزق و هو قوله «قيل أدخل الجنة» و قيل رجموه حتى قتلوه عن قتادة و قيل إن القوم لما أرادوا أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء الدنيا و هلاك الجنة عن

الحسن و مجاهد و قال أن الجنة التي دخلها يجوز هلاكها و قيل إنهم قتلوه إلا أن الله سبحانه أحياه و أدخله الجنة فلما دخلها «قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي» تمنى أن يعلم قومه بما أعطاه الله تعالى من المغفرة و جزيل الثواب ليرغبوا في مثله و ليؤمنوا لينالوا ذلك و في تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و صاحب يس و مؤمن آل فرعون فهم الصديقون علي أفضلهم «و جعلني من المكرمين» أي من المدخلين الجنة و الإكرام هو إعطاء المنزلة الرفيعة على وجه التبجيل و الإعظام و في هذا دلالة على نعيم القبر لأنه إنما قال ذلك و قومه أحياء و إذا جاز نعيم القبر جاز عذاب القبر فإن الخلاف فيهما واحد و ما في قوله «بما غفر لي ربي» مصدرية و المعنى بمغفرة الله لي و يجوز أن يكون معناه بالذي غفر لي به ربي فيكون اسما موصولا و يجوز أن يكون المعنى بأي شيء غفر لي ربي فيكون استفهاما يقال علمت بما صنعت هذا بإثبات الألف و بم صنعت هذا بحذفها إلا أن الحذف أجود في هذا المعنى ثم حكى سبحانه ما أنزله بقوله من العذاب و الاستئصال فقال «و ما أنزلنا على قومه من بعده» أي من بعد قتله أو من بعد رفعه «من جند من السماء» يعني الملائكة أي لم تنتصر منهم بجند من السماء و لم تنزل لإهلاكهم بعد قتلهم الرسل جندا من السماء يقاتلونهم «و ما كنا منزلين» أي و ما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم و قيل معناه و ما أنزلنا على قومه من بعده رسالة من السماء قطع الله عنهم الرسالة حين قتلوا رسله عن مجاهد و الحسن و المراد أن الجند هم ملائكة الوحي الذين ينزلون على الأنبياء ثم بين سبحانه بأي شيء كان هلاكهم فقال «إن كانت إلا صيحة واحدة» أي كان إهلاكهم عن آخرهم بأيسر أمر صيحة واحدة حتى هلكوا بأجمعهم «فإذا هم خامدون» أي ساكنون قد ماتوا قيل أنهم لما قتلوا حبيب بن مري النجار غصب الله عليهم فبعث جبرائيل حتى أخذ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت «يا حسرة على العباد» معناه يا ندامة على العباد في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الدنيا ثم بين سبب الحسرة فقال «ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءؤن» عن مجاهد و هذا من قول الله سبحانه و المعنى أنهم حلوا محل من يتحسر عليه و قيل إن المعنى يا ويلا على العباد عن ابن عباس و يحتمل أن يكون ذلك من كلام الرجل المذكور و قال أبو العالية إنهم لما عاينوا العذاب قالوا يا حسرة على العباد يعني على الرسل حيث لم نؤمن بهم فتمنوا الإيمان و ندموا حين لم تنفعهم الندامة قال الزجاج إذا قال قائل ما الفائدة في مناداة الحسرة و الحسرة مما لا تجيب فالفائدة في ذلك أن النداء باب تنبيه فإذا قلت للمخاطب أنا أعجب مما فعلت فقد أفدته أنك متعجب و إذا قلت وا عجباه مما فعلت و يا عجباه تفعل كذا كان دعاؤك العجب أبلغ في الفائدة و المعنى يا عجب أقبل فإنه من أوقاتك و كذلك إذا قلت ويل زيد لم فعل كذا ثم قلت يا ويل زيد لم فعل كذا كان أبلغ و كذلك في كتاب الله تعالى يا ويلتا و يا حسرتا و «يا حسرة على العباد» و الحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية بعده حتى يبقى قلبه حسيرا.