أَ لَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَتٍ مخْتَلِفاً أَلْوَنهَا وَ مِنَ الْجِبَالِ جُدَدُ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مخْتَلِفٌ أَلْوَنهَا وَ غَرَابِيب سودٌ (27) وَ مِنَ النّاسِ وَ الدّوَاب وَ الأَنْعَمِ مخْتَلِفٌ أَلْوَنُهُ كَذَلِك إِنّمَا يخْشى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُا إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنّ الّذِينَ يَتْلُونَ كِتَب اللّهِ وَ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ أَنفَقُوا مِمّا رَزَقْنَهُمْ سِرّا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تجَرَةً لّن تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُم مِّن فَضلِهِ إِنّهُ غَفُورٌ شكورٌ (30)
اللغة
واحد الجدد جدة و أما الجدد فجمع جديد قال المبرد الجدد الطرائق و الخطوط قال امرؤ القيس:
{كان سراته و جدة متنه --- كنائن يجري بينهن دليص}
يعني الخطة السوداء في ظهر حمار الوحش و كل طريقة جدة و جادة و قال الفراء هي الطرائق تكون في الجبال كالعروق بيض و سود و حمر و الغربيب الشديد السواد الذي يشبه لون الغراب.
الإعراب
«مختلفا» صفة لثمرات و «ألوانها» مرفوع بأنه فاعله «مختلف ألوانه» خبر مبتدإ محذوف تقديره ما هو مختلف ألوانه فالهاء في ألوانه عائد إلى هو و يجوز أن يكون الهاء عائدا إلى موصوف لمختلف تقديره جنس مختلف ألوانه و هو الأصح «سرا و علانية» يجوز أن يكون نصبهما على الحال على تقدير أنفقوا مسرين و معلنين و يجوز أن يكون على صفة مصدر أنفق تقديره أنفقوا إنفاقا مسرا و معلنا و «يرجون» في موضع نصب على الحال.
المعنى
ثم عاد الكلام إلى ذكر دلائل التوحيد فقال سبحانه «أ لم تر أن الله أنزل من السماء ماء» أي غيثا و مطرا «فأخرجنا» أخبر عن نفسه بنون الكبرياء و العظمة «به» أي بذلك الماء «ثمرات» جمع ثمرة و هي ما تجتنى من الشجر «مختلفا ألوانها» و طعومها و روائحها اقتصر على ذكر الألوان لأنها أظهر و لدلالة الكلام على الطعوم و الروائح «و من الجبال جدد» أي و مما خلقنا من الجبال جدد «بيض و حمر» أي طرق بيض و طرق حمر «مختلف ألوانها و غرابيب سود» أي و من الجبال غرابيب سود على لون واحد لا خطط فيها قال الفراء و هذا على التقديم و التأخير تقديره و سود غرابيب لأنه يقال أسود غربيب و أسود حالك و أقول ينبغي أن يكون سود عطف بيان يبين غرابيب به و الأجود أن يكون تأكيدا إذ الغرابيب لا تكون إلا سودا فيكون كقولك رأيت زيدا زيدا و هذا أولى من أن يحمل على التقديم و التأخير «و من الناس» أيضا «و الدواب» التي تدب على وجه الأرض «و الأنعام» كالإبل و الغنم و البقر خلق «مختلف ألوانه كذلك» أي كاختلاف الثمرات و الجبال و تم الكلام ثم قال «إنما يخشى الله من عباده العلماء» أي ليس يخاف الله حق خوفه و لا يحذر معاصيه خوفا من نقمته إلا العلماء الذين يعرفونه حق معرفته و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال يعني بالعلماء من صدق قوله فعله و من لم يصدق فعله قوله فليس بعالم و عن ابن عباس قال يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي و عزتي و سلطاني و في الحديث أعلمكم بالله أخوفكم لله قال مسروق كفى بالمرء علما أن يخشى الله و كفى بالمرء
جهلا أن يعجب بعلمه و إنما خص سبحانه العلماء بالخشية لأن العالم أحذر لعقاب الله من الجاهل حيث يختص بمعرفة التوحيد و العدل و يصدق بالبعث و الحساب و الجنة و النار و متى قيل فقد نرى من العلماء من لا يخاف الله و يرتكب المعاصي ( فالجواب ) أنه لا بد من أن يخافه مع العلم به و إن كان يؤثر المعصية عند غلبة الشهوة لعاجل اللذة «إن الله» تعالى «عزيز» في انتقامه من أعدائه «غفور» لزلات أوليائه ثم وصف سبحانه العلماء فقال «إن الذين يتلون كتاب الله» أي يقرءون القرآن في الصلاة و غيرها أثنى سبحانه عليهم بقراءة القرآن قال مطرف بن عبد الله الشخير هذه آية القراء «و أقاموا الصلاة و أنفقوا مما رزقناهم» أي ملكناهم التصرف فيه «سرا و علانية» أي في حال سرهم و في حال علانيتهم و عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي قال قام رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله ما لي لا أحب الموت قال أ لك مال قال نعم قال فقدمه قال لا أستطيع قال فإن قلب الرجل مع ماله إن قدمه أحب أن يلحق به و إن أخره أحب أن يتأخر معه «يرجون تجارة لن تبور» أي راجين بذلك تجارة لن تكسد و لن تفسد و لن تهلك «ليوفيهم أجورهم» أي قصدوا بأعمالهم الصالحة و فعلوها لأن يوفيهم الله أجورهم بالثواب «و يزيدهم» على قدر استحقاقهم «من فضله أنه غفور» لذنوبهم «شكور» لحسناتهم عن الزجاج و قال الفراء خبر إن قوله «يرجون تجارة لن تبور» و روى ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال في قوله «و يزيدهم من فضله» هو الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليه معروفا في الدنيا و عن الضحاك قال يفسح لهم في قبورهم و قيل معنى شكور أنه يقبل اليسير و يثيب عليه الكثير تقول العرب أشكر من بروقة و تزعم أنها شجرة عارية من الورق تغيم السماء فوقها فتخضر و تورق من غير مطر.