۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة سبأ، آية ٣٨

التفسير يعرض الآيات ٣٦ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦ وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧ وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨ قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩ وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قُلْ إِنّ رَبى يَبْسط الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ وَ يَقْدِرُ وَ لَكِنّ أَكْثرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) وَ مَا أَمْوَلُكمْ وَ لا أَوْلَدُكم بِالّتى تُقَرِّبُكمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ ءَامَنَ وَ عَمِلَ صلِحاً فَأُولَئك لهَُمْ جَزَاءُ الضعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَ هُمْ فى الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ (37) وَ الّذِينَ يَسعَوْنَ فى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُولَئك فى الْعَذَابِ محْضرُونَ (38) قُلْ إِنّ رَبى يَبْسط الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ وَ مَا أَنفَقْتُم مِّن شىْءٍ فَهُوَ يخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيرُ الرّزِقِينَ (39) وَ يَوْمَ يحْشرُهُمْ جَمِيعاً ثمّ يَقُولُ لِلْمَلَئكَةِ أَ هَؤُلاءِ إِيّاكمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40)

القراءة

قرأ حمزة وحده في الغرفة و الباقون «في الغرفات» على الجمع و قرأ يعقوب جزاء بالنصب.

الضعف بالرفع.

الحجة

حجة من قرأ الغرفة قوله تعالى أولئك يجزون الغرفة بما صبروا و في الجنة غرفات و غرف ) غير أن العرب قد تجتزىء بالواحد عن الجمع إذا كان اسم الجنس قالوا أهلك الناس الدينار و الدرهم و من قرأ «فأولئك لهم جزاء الضعف» فالتقدير فأولئك لهم الضعف جزاء في حال المجازاة فهو مصدر وضع موضع الحال أي مجزيين جزاء و يجوز أن يكون مفعولا له و أما إضافة جزاء إلى الضعف في القراءة المشهورة فهو على إضافته إلى المفعول.

الإعراب

«زلفى» في موضع نصب على المصدر تقديره تقربكم قربة و تقريبا و قوله «إلا من آمن» الموصول و الصلة في موضع نصب على البدل من الكاف و الميم في تقربكم و يجوز أن يكون نصبا على الاستثناء.

المعنى

لما حكى الله سبحانه عن الكفار أنهم قالوا ما نحن بمعذبين لأن الله تعالى أغنانا في الدنيا فلا يعذبنا في الآخرة قال رادا عليهم «قل» يا محمد «إن ربي» الذي خلقني «يبسط الرزق لمن يشاء» على ما يعلمه من مصلحته و مصلحة غيره «و يقدر» أي و يضيق أيضا على حسب المصلحة فبسط الرزق هو الزيادة فيه على قدر الكفاية و القدر تضييقه عن قدر الكفاية «و لكن أكثر الناس لا يعلمون» ذلك بجهلهم بالله و بحكمته فيظنون أن كثرة مال الإنسان يدل على كرامته عند الله تعالى ثم صرح بهذا المعنى فقال «و ما أموالكم» أي ليس أموالكم التي خولتموها «و لا أولادكم» التي رزقتموها «بالتي تقربكم عندنا زلفى» أي قربى عن مجاهد قال الأخفش أراد بالتي تقربكم عندنا تقريبا فزلفى اسم المصدر و قال الفراء التي يجوز أن يقع على الأموال و الأولاد و جاء الخبر بلفظ الواحدة و أن دخل فيه الأخرى «إلا من آمن و عمل صالحا» معناه لكن من آمن بالله و عرفه و صدق نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) و أطاعه فيما أمر به و انتهى عما نهاه عنه «فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا» أي يضاعف الله حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشرا إلى ما زاد و الضعف اسم جنس يدل على الكثير و القليل و يجوز أن يكون الأموال و الأولاد تقرب إلى الله تعالى زلفى بأن يكسب المؤمن المال مستعينا به على القيام بحق التكليف و يستولد الولد كذلك فيقر بأنه عند الله زلفى فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا و لا يكون بمعنى لكن و قيل أن جزاء الضعف أن يعطيهم في الآخرة مثل ما كان لهم في الدنيا من النعيم و الضعف المثل عن أبي مسلم

«و هم في الغرفات» أي في غرف الجنة و هي البيوت فوق الأبنية «آمنون» فيها لا يخافون شيئا مما يخاف مثله في دار الدنيا من الموت و الغير و الآفات و الأحزان «و الذين يسعون في آياتنا» أي يجتهدون في إبطال آياتنا و تكذيبها «معاجزين» لأنبيائنا و معاجزين أي مثبطين غيرهم عن أفعال البر «أولئك في العذاب محضرون قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و يقدر له» مر تفسيره و إنما كرره سبحانه لاختلاف الفائدة فالأول توبيخ للكافرين و هم المخاطبون به و الثاني وعظ للمؤمنين فكأنه قال ليس إغناء الكفار و إعطاؤهم بدلالة على كرامتهم و سعادتهم بل يزيدهم ذلك عقوبة و إغناء المؤمنين يجوز أن يكون زيادة في سعادتهم بأن ينفقوها في سبيل الله و يدل على ذلك قوله «و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه» أي و ما أخرجتم من أموالكم في وجوه البر فإنه سبحانه يعطيكم خلفه و عوضه إما في الدنيا بزيادة النعمة و إما في الآخرة بثواب الجنة يقال أخلف الله له و عليه إذا أبدل له ما ذهب عنه «و هو خير الرازقين» لأنه يعطي لمنافع عباده لا لدفع ضرر أو جر نفع لاستحالة المنافع و المضار عليه و قال الكلبي ما تصدقتم به في خير فهو يخلفه أما أن يجعله لكم في الدنيا أو يدخر لكم في الآخرة و روى أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال قال الله عز و جل لي أنفق أنفق عليك و روى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ينادي مناد كل ليلة لدوا للموت و ينادي مناد ابنوا للخراب و ينادي مناد اللهم هب للمنفق خلفا و ينادي مناد اللهم هب للممسك تلفا و ينادي مناد ليت الناس لم يخلقوا و ينادي مناد ليتهم إذ خلقوا فكروا فيما له خلقوا و عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال كل معروف صدقة و ما وقى به الرجل عرضه فهو صدقة و ما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية و عن أبي أمامة قال إنكم تؤولون هذه الآية في غير تأويلها «و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه» و قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول و إلا فصمتا إياكم و السرف في المال و النفقة و عليكم بالاقتصاد فما افتقر قوم قط اقتصدوا ثم قال سبحانه «و يوم يحشرهم جميعا» يعني يوم القيامة يجمع العابدين لغير الله و المعبودين من الملائكة للحساب «ثم يقول للملائكة أ هؤلاء» الكفار «إياكم كانوا يعبدون» أي كانوا يعبدونكم و يقصدونكم بالعبادة و على هذا وجه التقرير و الاستشهاد للملائكة على اعتقادات الكفار حتى تتبرأ الملائكة منهم و من عبادتهم كما قال سبحانه.

ء أنت قلت للناس اتخذوني و أمي إلهين من دون الله.

النظم

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنهم لما قالوا نحن أكثر أموالا و أولادا بين أن دعواهم مردودة و أنهم معذبون محجوجون.