۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحزاب، آية ١٦

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١ وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢ وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣ وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤ وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦ قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧ ۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨ أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩ يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

هُنَالِك ابْتُلىَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزَالاً شدِيداً (11) وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَ الّذِينَ فى قُلُوبهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسولُهُ إِلا غُرُوراً (12) وَ إِذْ قَالَت طائفَةٌ مِّنهُمْ يَأَهْلَ يَثرِب لا مُقَامَ لَكمْ فَارْجِعُوا وَ يَستَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنهُمُ النّبىّ يَقُولُونَ إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَ مَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً (13) وَ لَوْ دُخِلَت عَلَيهِم مِّنْ أَقْطارِهَا ثُمّ سئلُوا الْفِتْنَةَ لاَتَوْهَا وَ مَا تَلَبّثُوا بهَا إِلا يَسِيراً (14) وَ لَقَدْ كانُوا عَهَدُوا اللّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلّونَ الأَدْبَرَ وَ كانَ عَهْدُ اللّهِ مَسئُولاً (15) قُل لّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتّعُونَ إِلا قَلِيلاً (16) قُلْ مَن ذَا الّذِى يَعْصِمُكم مِّنَ اللّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سوءاً أَوْ أَرَادَ بِكمْ رَحْمَةً وَ لا يجِدُونَ لهَُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيّا وَ لا نَصِيراً (17) قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكمْ وَ الْقَائلِينَ لاخْوَنِهِمْ هَلُمّ إِلَيْنَا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْس إِلا قَلِيلاً (18) أَشِحّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الخَْوْف رَأَيْتَهُمْ يَنظرُونَ إِلَيْك تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالّذِى يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَب الخَْوْف سلَقُوكم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحّةً عَلى الخَْيرِ أُولَئك لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَط اللّهُ أَعْمَلَهُمْ وَ كانَ ذَلِك عَلى اللّهِ يَسِيراً (19) يحْسبُونَ الأَحْزَاب لَمْ يَذْهَبُوا وَ إِن يَأْتِ الأَحْزَاب يَوَدّوا لَوْ أَنّهُم بَادُونَ فى الأَعْرَابِ يَسئَلُونَ عَنْ أَنبَائكُمْ وَ لَوْ كانُوا فِيكُم مّا قَتَلُوا إِلا قَلِيلاً (20)

القراءة

قرأ حفص «لا مقام لكم» بضم الميم و الباقون بفتحها و قرأ أهل الحجاز «لأتوها» بغير مد و الباقون لآتوها بالمد و قرأ يعقوب يسائلون بالتشديد و المد و الباقون «يسئلون» بالتخفيف و في الشواذ قراءة ابن عباس و ابن يعمر و قتادة إن بيوتنا عورة و ما هي بعورة بكسر الواو في الموضعين و قراءة الحسن ثم سولوا الفتنة مرفوعة السين و لا يجعل فيها ياء و لا يمدها و قراءة ابن عباس لو أنهم بدى في الأعراب.

الحجة

قال أبو علي المقام يحتمل أمرين ( أحدهما ) لا موضع إقامة لكم و هذا أشبه لأنه في معنى لا مقام بفتح الميم أي ليس لكم موضع تقومون فيه ( و الآخر ) لا إقامة لكم و من قصر «لأتوها» فلأنك تقول أتيت الشيء إذا فعلته تقول أتيت الخير و تركت الشر و معنى «ثم سئلوا الفتنة لأتوها» سئلوا فعل الفتنة لفعلوها و من قرأ لآتوها فالمعنى لأعطوها أي لم يمتنعوا فيها و المعنى لو قيل لهم كونوا على المسلمين و مع المشركين لفعلوا ذلك و من قرأ يسائلون فإنه يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضا فأدغم التاء في السين و من قرأ عورة بكسر الواو فإنه شاذ من طريق الاستعمال و ذلك لتحرك الواو بعد الفتحة و القياس أن تقول عارة كما قالوا رجل مال و امرأة مالة و كبش صاف و نعجة صافة و مثل عورة في صحة الواو و قولهم رجل عوز لا مال له و قول الأعشى:

{و قد غدوت إلى الحانوت يتبعني --- شاو مشل شلول شلشل شول}

و قوله سولوا من قولهم سأل يسأل كخاف يخاف فالعين على هذه اللغة واو و حكى أبو زيد قولهم هما يتساولان كما يقال يتقاومان و الأقيس على هذا أن يقال سيلوا كعيدوا و قيل و اللغة الأخرى إشمام الضمة نحو سئلوا و اللغة الثالثة سولوا على إخلاص ضمة فعل إلا أنه أردأ اللغات قال الشاعر:

و قول لا أهل له و لا مال أي و قيل و قال آخر:

{نوط إلى صلب شديد الحل}

أي نيط و قوله بدى جمع باد فهو مثل غاز و غزى.

اللغة

يقال هنا للقريب من المكان و هنالك للبعيد و هناك للمتوسط بين القريب و البعيد و سبيله سبيل ذا و ذلك و ذاك و الزلزال الاضطراب العظيم و الزلزلة اضطراب الأرض و قيل إنه مضاعف زل و زلزلة غيره و الشدة قوة تدرك بالحاسة لأن القوة التي هي القدرة لا تدرك بالحاسة و إنما تعلم بالدلالة فلذلك يوصف تعالى بأنه قوي و لا يوصف بأنه شديد و الغرور إيهام المحبوب بالمكروه و الغرور الشيطان قال الحرث بن حلزة:

{لم يغروكم غرورا و لكن --- يرفع الآل جمعهم و الضحاء}

و يثرب اسم أرض المدينة قال أبو عبيدة إن مدينة الرسول في ناحية من يثرب و قيل يثرب هي المدينة نفسها و ذكر المرتضى علم الهدى قدس الله روحه أن من أسماء المدينة يثرب و طيبة و طابة و الدار و السكينة و جائزة المحبورة و المحبة و المحبوبة و العذراء و المرحومة و القاصمة و يندد فذلك ثلاثة عشر اسما و العورة كل شيء يتخوف منه في ثغر أو حرب و مكان معور و دار معورة إذا لم تكن حريزة.

القطر الناحية و الجانب و جمعه الأقطار و يقال طعنه فقطره إذا ألقاه على أحد قطريه أي أحد شقيه و التعويق التثبيت و العوق الصرف و رجل عوق و عوقة يعوق الناس عن الخير.

و البأس الحرب و أصله الشدة.

و الأشحة جمع شحيح و الشح البخل مع حرص يقال شح يشح و يشح بضم الشين و فتحها.

و السلق أصله الضرب و سلق أي صاح و منه خطيب مسلق و مصلق فصيح و سلقته بالكلام أسمعته المكروه و في الحديث

ليس منا من سلق أو حلق أو رفع صوته عند المصيبة و قيل هو أن تصك وجهها و معنى حلق أي يحلق رأسه و شعره عند المصيبة.

و الحديد ضد الكليل و الجمع حداد.

و الأحزاب الجماعات واحدها حزب و تحزبوا أي تجمعوا من مواضع و البادي الذي ينزل البادية و منه الحديث من بدا جفا أي من نزل البادية كان فيه جفوة الإعراب و البداوة الخروج إلى البادية بفتح الباء و كسرها قال القطامي:

{و من تكن الحضارة أعجبته --- فأي أناس بادية ترانا}

الإعراب

الضمير في دخلت عائد إلى البيوت «إلا يسيرا» تقديره إلا تلبسا يسيرا أو زمانا يسيرا فهو صفة ظرف زمان محذوف «و إذا لا تمتعون» لم يعمل إذا لوقوعه بين الواو و الفعل و قد أعملت بعد أن في قول الشاعر:

{لا تتركني فيهم شطيرا --- إني إذا أهلك أو أطيرا}

«و لا يأتون» جملة معطوفة على صلة الموصول أي الذين يعوقون و لا يأتون و قوله «إلا قليلا» تقديره إلا زمانا قليلا و إن شئت إلا إتيانا قليلا أشحة منصوب على الحال في الموضعين و قيل هو نصب على الذم كالذي يغشى عليه من الموت أي تدور أعينهم دورانا مثل دوران أعين الذي يغشى عليه من الموت فالكاف صفة مصدر محذوف و قد حذف بعد الكاف المضاف و المضاف إليه.

هلم معناه أقبل و تعال و أهل الحجاز يقولون للواحد و الاثنين و الجمع و المذكر و المؤنث هلم بلفظ الواحد و إنما هي لم ضمت إليها هاء التي للتنبيه ثم حذفت الألف منها إذا صارا شيئا واحدا كقولهم ويلمه و أصله ويل لأمه فلما جعلوهما شيئا واحدا حذفوا و غيروا و أما بنو تميم فيصرفونه تصريف الفعل يقولون هلم يا رجل و هلما و هلموا و هلمي يا امرأة و هلما و هلممن يا نساء إلا أنهم يفتحون آخر الواحد البتة.

المعنى

لما وصف سبحانه شدة الأمر يوم الخندق قال «هنالك ابتلي المؤمنون» أي اختبروا و امتحنوا ليظهر لك حسن إيمانهم و صبرهم على ما أمرهم الله به من جهاد أعدائه فظهر من كان ثابتا قويا في الإيمان و من كان ضعيفا فيه «و زلزلوا زلزالا شديدا» أي حركوا بالخوف تحريكا شديدا و أزعجوا إزعاجا عظيما و ذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا لا يستقر على مكانه قال الجبائي منهم من اضطرب خوفا على نفسه من القتل و منهم من اضطرب عليه دينه

###

«و إذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض» أي شك عن الحسن و قيل ضعف في الإيمان «ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا» قال ابن عباس إن المنافقين قالوا يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى و قيصر و نحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء هذا و الله الغرور «و إذ قالت طائفة منهم» يعني عبد الله بن أبي و أصحابه عن السدي و قيل هم بنو سالم من المنافقين عن مقاتل و قيل إن القائل لذلك أوس بن قبطي و من وافقه على رأيه عن يزيد بن رومان «يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا» أي لا إقامة لكم هاهنا أو لا مكان لكم تقومون فيه للقتال إذا فتح الميم فارجعوا إلى منازلكم بالمدينة و أرادوا الهرب من عسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «و يستأذن فريق منهم النبي» في الرجوع إلى المدينة و هم بنو حارثة و بنو سلمة «يقولون إن بيوتنا عورة» ليست بحريزة، مكشوفة ليست بحصينة عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه بيوتنا خالية من الرجال نخشى عليها السراق عن الحسن و قيل قالوا بيوتنا مما يلي العدو و لا نأمن على أهلينا عن قتادة فكذبهم الله تعالى فقال «و ما هي بعورة» بل هي رفيعة السمك حصينة عن الصادق (عليه السلام) «إن يريدون» أي ما يريدون «إلا فرارا» و هربا من القتال و نصرة المؤمنين «و لو دخلت» أي و لو دخلت البيوت أو دخلت المدينة «عليهم» أي و لو دخل هؤلاء الذين يريدون القتال و هم الأحزاب على الذين يقولون إن بيوتنا عورة و هم المنافقون «من أقطارها» أي من نواحي المدينة أو البيوت «ثم سئلوا الفتنة لأتوها» أي ثم دعوا هؤلاء إلى الشرك لأشركوا فالمراد بالفتنة الشرك عن ابن عباس «و ما تلبثوا بها إلا يسيرا» أي و ما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا عن قتادة و قيل معناه و ما أقاموا بالمدينة بعد إعطائهم الكفر إلا قليلا حتى يعاجلهم الله بالعذاب عن الحسن و الفراء ثم ذكرهم الله سبحانه عهدهم مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالثبات في المواطن فقال «و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل» أي من قبل الخندق «لا يولون الأدبار» أي بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و حلفوا له أنهم ينصرونه و يدفعون عنه كما يدفعون عن نفوسهم و لا يرجعون عن مقاتلة العدو و لا ينهزمون قال مقاتل يريد ليلة العقبة «و كان عهد الله مسئولا» يسألون عنهم في الآخرة و إنما جاء بلفظ الماضي تأكيدا ثم قال سبحانه «قل» يا محمد للذين استأذنوك في الرجوع و اعتلوا بأن بيوتهم يخاف عليها «لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل» إن كان حضرت آجالكم فإنه لا بد من واحد منهما و إن هربتم فالهرب لا يزيد في آجالكم «و إذا لا تمتعون إلا قليلا» معناه و إن لم تحضر آجالكم و سلمتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم تمتعوا في الدنيا إلا أياما قلائل و إنما فرق بين الموت و القتل لأن القتل غير الموت فإن الموت ضد الحياة عند من أثبته معنى و انتفاء الحياة عند من لم يثبته معنى و القتل هو نقض البنية الحيوانية فالقتل يقدر عليه غير

الله تعالى و الموت لا يقدر عليه غيره «قل» يا محمد «من ذا الذي يعصمكم من الله» أي يدفع عنكم قضاء الله و يمنعكم من الله «إن أراد بكم سوءا» أي عذابا و عقوبة «أو أراد بكم رحمة» أي نصرا و عزا فإن أحدا لا يقدر على ذلك «و لا يجدون لهم من دون الله وليا» يلي أمورهم «و لا نصيرا» ينصرهم و يدفع عنهم ثم قال سبحانه «قد يعلم الله المعوقين منكم» و هم الذين يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و يثبطونهم و يشغلونهم لينصرفوا عنه و ذلك بأنهم قالوا لهم ما محمد و أصحابه إلا أكلة رأس و لو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان و هؤلاء الأحزاب «و القائلين لإخوانهم» يعني اليهود قالوا لإخوانهم المنافقين «هلم إلينا» أي تعالوا و أقبلوا إلينا و دعوا محمدا و قيل القائلون هم المنافقون قالوا لإخوانهم من ضعفة المسلمين لا تحاربوا و خلوا محمدا فإنا نخاف عليكم الهلاك «و لا يأتون البأس» أي و لا يحضرون القتال في سبيل الله «إلا قليلا» يخرجون رياء و سمعة قدر ما يوهمون أنهم معكم يعلم الله سبحانه أحوالهم لا يخفى عليه شيء منها عن السدي و قيل معناه و لا يحضرون القتال إلا كارهين تكون قلوبهم مع المشركين عن قتادة «أشحة عليكم» أي لا يأتون الناس أشحة عليكم أي بخلاء بالقتال معكم و قيل بخلاء بالنفقة في سبيل الله و النصرة عن قتادة و مجاهد و معناه لا ينصرونكم ثم أخبر عن جبنهم فقال «فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى» أي كعين الذي يغشى «عليه من الموت» و هو الذي قرب من حال الموت و غشيته أسبابه فيذهل و يذهب عقله و يشخص بصره فلا يطرف كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم و تحار أعينهم من شدة خوفهم «فإذا ذهب الخوف» و الفزع و جاء الأمن و الغنيمة «سلقوكم بألسنة حداد» أي آذوكم بالكلام و خاصموكم بألسنة سليطة ذربة عن الفراء و قيل معناه بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون أعطونا أعطونا فلستم بأحق بها منا عن قتادة قال فأما عند البأس فأجبن قوم و أخذلهم للحق و أما عند الغنيمة فأشح قوم و هو قوله «أشحة على الخير» أي بخلاء بالغنيمة يشاحون المؤمنين عند القسمة و قيل معناه بخلاء بأن يتكلموا بكلام فيه خير عن الجبائي «أولئك» يعني من تقدم وصفهم «لم يؤمنوا» كما آمن غيرهم و إلا لما فعلوا ذلك «فأحبط الله أعمالهم» لأنها لم تقع على الوجوه التي يستحق عليها الثواب إذ لم يقصدوا بها وجه الله تعالى و في هذا دلالة على صحة مذهبنا في الإحباط لأن المنافقين ليس لهم ثواب فيحبط فليس إلا أن

جهادهم الذي لم يقارنه إيمان لم يستحقوا عليه ثوابا «و كان ذلك» الإحباط أو كان نفاقهم «على الله يسيرا» أي هينا ثم وصف سبحانه هؤلاء المنافقين فقال «يحسبون الأحزاب لم يذهبوا» أي يظنون أن الجماعات من قريش و غطفان و أسد و اليهود الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينصرفوا و قد انصرفوا و إنما ظنوا ذلك لجبنهم و فرط حبهم قهر المسلمين «و إن يأت الأحزاب» أي و إن يرجع الأحزاب إليهم ثانية للقتال «يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم» أي يود هؤلاء المنافقون أن يكونوا في البادية مع الأعراب يسألون عن أخباركم و لا يكونوا معكم حذرا من القتل و تربصا للدوائر «و لو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا» أي و لو كان هؤلاء المنافقون معكم و فيكم لم يقاتلوا معكم إلا قدرا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم لا لينصروكم و يجاهدوا معكم و قيل معناه قتالا قليلا رياء و سمعة من غير احتساب و لو كان هؤلاء المنافقون معكم و فيكم لم يقاتلوا معكم إلا قدرا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم لا لينصروكم و يجاهدوا معكم و قيل معناه قتالا قليلا رياء و سمعة من غير احتساب و لو كان لله تعالى لم يكن قليلا عن الجبائي و مقاتل.