۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة السجدة، آية ٨

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦ ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩ وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ذَلِك عَلِمُ الْغَيْبِ وَ الشهَدَةِ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ (6) الّذِى أَحْسنَ كلّ شىْءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الانسنِ مِن طِينٍ (7) ثُمّ جَعَلَ نَسلَهُ مِن سلَلَةٍ مِّن مّاءٍ مّهِينٍ (8) ثُمّ سوّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِن رّوحِهِ وَ جَعَلَ لَكُمُ السمْعَ وَ الأَبْصرَ وَ الأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مّا تَشكُرُونَ (9) وَ قَالُوا أَ ءِذَا ضلَلْنَا فى الأَرْضِ أَ ءِنّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدِ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبهِمْ كَفِرُونَ (10)

القراءة

قرأ أهل الكوفة و نافع و سهل «خلقه» بفتح اللام و الباقون خلقه بسكون اللام و في الشواذ قراءة الزهري و بدا خلق الإنسان بغير همز و قرأ علي و ابن عباس و أبان بن سعيد بن العاص و الحسن بخلاف أ إذا ضللنا بالضاد مكسورة اللام و قرأ الحسن صللنا بالصاد أيضا مفتوحة اللام.

الحجة

قال أبو علي خلقه منتصب على أنه مصدر دل عليه ما تقدم من قوله «أحسن كل شيء» فأما الضمير الذي أضيف خلق إليه فلا يخلو من أن يكون ضمير اسم الله تعالى أو يكون كناية عن المفعول فالذي يدل عليه نظائره أن الضمير لاسم الله تعالى لأنه مصدر لم يسند الفعل المنتصب عنه إلى فاعل ظاهر و ما كان من هذا النحو أضيف المصدر فيه إلى الفاعل نحو صنع الله و وعد الله و كتاب الله عليكم فكما أضيف هذه المصادر إلى الفاعل فكذلك يكون خلقه مضافا إلى ضمير الفاعل لأن قوله «أحسن كل شيء خلقه» يدل على خلق كل شيء.

فإن قلت كيف يدل قوله «أحسن كل شيء» على خلق كل شيء و قد نجد أشياء حسنة مما لم يخلقها قيل هذا كما قال خالق كل شيء فأطلق اللفظ عاما و روي أن عكرمة سئل عن قوله تعالى «أحسن كل شيء خلقه» فقال إن است القرد ليست بحسنة و لكنه أبرم خلقها أي أتقن و ما قلناه من أن انتصاب خلقه من المصدر الذي دل عليه فعل متقدم مذهب سيبويه و يجوز أن يكون خلقه بدل من قوله «كل شيء» فيصير التقدير الذي أحسن خلق كل شيء و من قال «أحسن كل شيء خلقه» كان خلقه وصفا للنكرة المتقدمة و موضع الجملة يحتمل وجهين النصب على أن يكون صفة لكل و الجر على أن يكون صفة لشيء و ترك الهمزة في بدأ محمول على البدل لا على التخفيف القياسي و مثله بيت الكتاب:

{راحت بمسلمة البغال عشية --- فارعي فزارة لا هناك المرتع}

و تقول على البدل أبديت إذا أخبرت عن نفسك و تقول على التخفيف بدأت بالألف بلا همزة و قد مر القول في اختلافهم في قوله «أ إذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد» و موضع إذا نصب بما دل عليه قوله «أ إنا لفي خلق جديد» لأن هذا الكلام يدل على نعاد و التقدير نعاد إذا ضللنا في الأرض قال أبو عبيدة معناه همدنا في الأرض و قال غيره صرنا ترابا فلم يتبين شيء من خلقنا و قوله صللنا بالصاد من قولهم صل اللحم إذا نتن يصل و يصل و المعنى إذا دفنا في الأرض وصلت أجسامنا و قيل أن معناه من الصلة و هي الأرض اليابسة و منه الصلصال.

المعنى

ثم أكد سبحانه ما تقدم من دلائل وحدانيته و أعلام ربوبيته فقال «ذلك عالم الغيب و الشهادة» أي الذي يفعل ذلك و يقدر عليه هو العالم بما يشاهد و ما لا يشاهد و بما غاب عن الخلق و ما حضر «العزيز» المنيع في ملكه «الرحيم» بأهل طاعته «الذي أحسن كل شيء خلقه» أي أحكم كل شيء خلقه و أتقنه عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه علم كيف يخلق كل شيء قبل أن خلقه من غير أن يعلمه أحد عن مقاتل و السدي من قولهم فلان يحسن كذا أي يعلمه و قيل الذي جعل كل شيء في خلقه حسنا حتى جعل الكلب في خلقه حسنا عن ابن عباس و المعنى أنه أحسن خلقه من جهة الحكمة فكل شيء خلقه و أوجده فيه وجه من وجوه الحكمة تحسنه و في هذا دلالة على أن الكفر و القبائح لا يجوز أن يكون من خلقه «و بدأ خلق الإنسان من طين» أي ابتدأ خلق آدم الذي هو أول البشر من طين كان ترابا ثم صار طينا ثم صلصالا ثم حيوانا «ثم جعل نسله» أي نسل الإنسان الذي هو آدم يعني ولده «من سلالة» و هي الصفوة التي تنسل من غيرها و يسمى ماء الرجل سلالة لانسلاله من صلبه «من ماء مهين» أي ضعيف عن قتادة و قيل حقير مهان أشار إلى أنه من شيء حقير لا قيمة له و إنما يصير ذا قيمة بالعلم و العمل «ثم سوية» أي جعله بشرا سويا و عدله و رتب جوارحه «و نفخ فيه» أي في ذلك المخلوق «من روحه» أضاف الروح إلى نفسه إضافة اختصاص و ملك على وجه التشريف ثم قال سبحانه مخاطبا لذريته «و جعل لكم» أيها الخلق «السمع و الأبصار» لتسمعوا المسموعات و تبصروا

المبصرات «و الأفئدة» أي و جعل لكم القلوب لتعقلوا بها «قليلا ما تشكرون» أي تشكرون نعم الله قليلا من كثير و ما مزيدة و يجوز أن يكون ما مصدرية فيكون تقديره قليلا شكركم لهذه النعم «و قالوا» يعني منكري البعث «أ إذا ضللنا في الأرض» أي غبنا في الأرض و صرنا ترابا و كل شيء غلب عليه غيره حتى يغيب فيه فقد ضل قال الأخطل:

{فكنت القذا في موج أكدر مزبد --- قذف الآتي به فضل ضلالا}

و قيل إن معنى ضللنا هلكنا عن قتادة و مجاهد «أ إنا لفي خلق جديد» أي نبعث و نحيي فهو استفهام معناه الإنكار و المعنى كيف نخلق جديدا و نعاد بعد أن هلكنا و تفرقت أجسامنا ثم قال سبحانه «بل هم» أي هؤلاء الكفار «بلقاء ربهم» أي ما وعد ربهم به من الثواب و العقاب «كافرون» أي جاحدون فلهذا قالوا هذا القول.