۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة لقمان، آية ١٩

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦ يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧ وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨ وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ ١٩ أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَبُنىّ إِنهَا إِن تَك مِثْقَالَ حَبّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فى صخْرَةٍ أَوْ فى السمَوَتِ أَوْ فى الأَرْضِ يَأْتِ بهَا اللّهُ إِنّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَبُنىّ أَقِمِ الصلَوةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ اصبرْ عَلى مَا أَصابَك إِنّ ذَلِك مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17) وَ لا تُصعِّرْ خَدّك لِلنّاسِ وَ لا تَمْشِ فى الأَرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لا يحِب كلّ مخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَ اقْصِدْ فى مَشيِك وَ اغْضض مِن صوْتِك إِنّ أَنكَرَ الأَصوَتِ لَصوْت الحَْمِيرِ (19) أَ لَمْ تَرَوْا أَنّ اللّهَ سخّرَ لَكُم مّا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ أَسبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظهِرَةً وَ بَاطِنَةً وَ مِنَ النّاسِ مَن يجَدِلُ فى اللّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَ لا هُدًى وَ لا كِتَبٍ مّنِيرٍ (20)

القراءة

قد ذكرنا في سورة الأنبياء أن قراءة أهل المدينة مثقال حبة بالرفع و قراءة الباقين بالنصب و قرأ أهل الكوفة غير عاصم و أبو عمرو و نافع و لا تصاعر بالألف و الباقون «و لا تصعر» بالتشديد و قرأ أهل المدينة و البصرة غير يعقوب و حفص «نعمة» على الجمع و الباقون نعمة على الواحد و في الشواذ قراءة عبد الكريم الجزري فتكن في صخرة بكسر الكاف و قراءة يحيي بن عمارة و أصبغ بالصاد عليكم نعمة ظاهرة و باطنة.

الحجة

قال أبو علي من قرأ إن تك مثقال بالرفع فألحق علامة التأنيث بالفعل فلأن المثقال هو السيئة أو الحسنة فأنث على المعنى كما قال فله عشر أمثالها فأنث و من قرأ «مثقال» بالنصب فالمعنى أن تك المظلمة أو السيئة أو الحسنة مثقال حبة أتى بها الله و أثاب عليها أو عاقب و أما قوله «و لا تصعر» فإنه يشبه أن يكون لا تصعر و لا تصاعر بمعنى كما قال سيبويه في ضعف و ضاعف و قال أبو الحسن لا تصاعر لغة أهل الحجاز «و لا تصعر» لغة بني تميم و قال أبو عبيدة أصله من الصعر الذي يأخذ الإبل في رءوسها و أعناقها قال أبو علي فكأنه يقول لا تعرض عنهم و لا تزور كازورار الذي به هذا الداء الذي يلوي منه عنقه و يعرض بوجهه و النعم جمع نعمة فالنعم للكثير و نعم الله تعالى كثيرة و المفرد أيضا يدل على الكثرة قال «و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» و أما قوله «ظاهرة و باطنة» فلا ترجيح فيه لإحدى القراءتين على الأخرى أ لا ترى أن النعم توصف بالظاهرة و الباطنة كما توصف النعمة بذلك و من قرأ فتكن فهو من وكن الطائر

يكن إذا استقر في وكنه و منه قول امرء القيس:

{و قد أغتدي و الطير في وكناتها --- بمنجرد قيد الأوابد هيكل}

و قوله أصبغ أبدل فيه السين صادا لأجل الغين كما قالوا سالغ و صالغ.

المعنى

ثم عاد سبحانه إلى الإخبار عن لقمان و وصيته لابنه و أنه قال له «يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل» معناه أن فعلة الإنسان من خير أو شر إن كانت مقدار حبة خردل في الوزن و يجوز أن يكون الهاء في أنها ضمير القصة كما في قوله «فإنها لا تعمى الأبصار» قال الزجاج يروى أن ابن لقمان سأل لقمان فقال أ رأيت الحبة تكون في مقل البحر أي مغاص البحر يقال مقل يمقل إذا غاص أ يعلمها الله فقال إنها أي أن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل «فتكن في صخرة» أي فتكن تلك الحية في جبل عن قتادة و المعنى في صخرة عظيمة لأن الحبة فيها أخفى و أبعد من الاستخراج «أو في السماوات أو في الأرض» ذكر السماوات و الأرض بعد ذكر الصخرة و إن كان لا بد و إن تكون الصخرة في الأرض على وجه التأكيد كما قال «اقرأ باسم ربك الذي خلق» ثم قال «خلق الإنسان» و قال السدي هذه الصخرة ليست في السماوات و لا في الأرض هي تحت سبع أرضين و هذا قول مرغوب عنه «يأت بها الله» أي يحضرها الله يوم القيامة و يجازي عليها أي يأت بجزاء ما وازنها من خير أو شر و قيل معناه يعلمها الله فيأتي بها إذا شاء كذلك قليل العمل من خير أو شر يعلمه الله فيجازي عليه فهو مثل قوله «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره» و روى العياشي بالإسناد عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اتقوا المحقرات من الذنوب فإن لها طالبا لا يقولن أحدكم أذنب و استغفر الله إن الله تعالى يقول «إن تك مثقال حبة من خردل» الآية «إن الله لطيف» باستخراجها «خبير» بمستقرها عن قتادة و قيل اللطيف العالم بالأمور الخفية و الخبير العالم بالأشياء كلها «يا بني» إنما صغر اسمه في هذه المواضيع للرقة و الشفقة لا للتحقير «أقم الصلوة» أي أد الصلاة المفروضة في ميقاتها بشروطها «و أمر بالمعروف» و هو الطاعة

«و أنه عن المنكر» و هو كل معصية و قبيح سواء كان من القبائح العقلية أو الشرعية فإن المعروف ما يدعو إليه العقل و الشرع و المنكر ما يزجر عنه العقل و الشرع «و اصبر على ما أصابك» من المشقة و الأذى في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عن علي (عليه السلام) و قيل ما أصابك من شدائد الدنيا و مكارهها من الأمراض و غيرها عن الجبائي «إن ذلك من عزم الأمور» أي من العقد الصحيح على فعل الحسن بدلا من القبيح و العزم الإرادة المتقدمة للفعل بأكثر من وقت و هو العقد على الأمر لتوطين النفس على فعله و التلون في الرأي يناقض العزم و قيل معناه أن ذلك من الأمور التي يجب الثبات و الدوام عليها و قيل العزم القوة و الحزم الحذر و منه المثل الأخير في عزم بغير حزم و قيل الحزم التأهب للأمر و العزم النفاد فيه و منه قيل في المثل رو بحزم فإذا استوضحت فاعزم «و لا تصعر خدك للناس» أي و لا تمل وجهك من الناس تكبرا و لا تعرض عمن يكلمك استخفافا به و هذا معنى قول ابن عباس و أبي عبد الله (عليه السلام) يقال أصاب البعير صعر أي داء يلوي منه عنقه فكان المعنى لا تلزم خدك للصعر لأنه لا داء للإنسان أدوى من الكبر قال:

{و كنا إذا الجبار صعر خده --- أقمنا له من درئه فتقوما}

و قيل هو أن يكون بينك و بين إنسان شيء فإذا لقيته أعرضت عنه عن مجاهد و قيل هو أن يسلم عليك فتلوي عنقك تكبرا عن عكرمة «و لا تمش في الأرض مرحا» أي بطرا و خيلاء «إن الله لا يحب كل مختال فخور» أي كل متكبر فخور على الناس «و اقصد في مشيك» أي اجعل في مشيك قصدا مستويا على وجه السكون و الوقار كقوله «الذين يمشون على الأرض هونا» قال قتادة معناه تواضع في مشيك و قال سعيد بن جبير و لا تختل في مشيك «و اغضض من صوتك» أي أنقص من صوتك إذا دعوت و ناجيت ربك عن عطا و قيل لا تجهر كل الجهر و اخفض صوتك و لا ترفعه مطاولا به «إن أنكر الأصوات لصوت الحمير» أي أقبح الأصوات صوت الحمير أوله زفير و آخره شهيق عن قتادة يقال وجه منكر أي قبيح.

أمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي و النطق و روي عن زيد بن علي أنه قال أراد صوت الحمير من الناس و هم الجهال شبههم بالحمير كما شبههم بالأنعام في قوله «أولئك كالأنعام» و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال هي العطسة المرتفعة القبيحة و الرجل يرفع

صوته بالحديث رفعا قبيحا إلا أن يكون داعيا أو يقرأ القرآن ثم ذكر سبحانه نعمه على خلقه و نبههم على معرفتها فقال «أ لم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات» من الشمس و القمر و النجوم «و ما في الأرض» من الحيوان و النبات و غير ذلك مما تنتفعون به و تتصرفون فيه بحسب ما تريدون «و أسبغ عليكم» أي أوسع عليكم و أتم عليكم نعمه «ظاهرة و باطنة» فالظاهرة ما لا يمكنكم جحده من خلقكم و إحيائكم و أقداركم و خلق الشهوة فيكم و غيرها من ضروب النعم و الباطنة ما لا يعرفها إلا من أمعن النظر فيها و قيل الباطنة مصالح الدين و الدنيا مما يعلمه الله و غاب عن العباد علمه عن ابن عباس و في رواية الضحاك عنه قال سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه فقال يا ابن عباس أما ما ظهر فالإسلام و ما سوى الله من خلقك و ما أفاض عليك من الرزق و أما ما بطن فستر مساوىء عملك و لم يفضحك به يا ابن عباس إن الله تعالى يقول ثلاثة جعلتهن للمؤمن و لم تكن له صلاة المؤمنين عليه من بعد انقطاع عمله و جعلت له ثلث ماله أكفر به عنه خطاياه و الثالث سترت مساوىء عمله و لم أفضحه بشيء منه و لو أبديتها عليه لنبذه أهله فمن سواهم و قيل الظاهرة تخفيف الشرائع و الباطنة الشفاعة عن عطا و قيل الظاهرة نعم الدنيا و الباطنة نعم الآخرة و قيل الظاهرة نعم الجوارح و الباطنة نعم القلب عن الربيع و قيل الظاهرة ظهور الإسلام و النصر على الأعداء و الباطنة الأمداد بالملائكة عن مجاهد و قيل الظاهرة حسن الصورة و امتداد القامة و تسوية الأعضاء و الباطنة المعرفة عن الضحاك و قيل الظاهرة القرآن و الباطنة تأويله و معانيه و قال الباقر (عليه السلام) النعمة الظاهرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ما جاء به النبي من معرفة الله عز و جل و توحيده و أما النعمة الباطنة ولايتنا أهل البيت و عقد مودتنا و لا تنافي بين هذه الأقوال و كلها نعم الله تعالى و يجوز حمل الآية على الجميع «و من الناس من يجادل» أي يخاصم «في الله بغير علم» بما يقوله «و لا هدى» أي و لا دلالة و حجة «و لا كتاب منير» أي و لا كتاب من عند الله ظاهر واضح و قد مضى هذا مفسرا في سورة الحج.