۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة العنكبوت، آية ٥٧

التفسير يعرض الآيات ٥٦ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦ كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩ وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَعِبَادِى الّذِينَ ءَامَنُوا إِنّ أَرْضى وَسِعَةٌ فَإِيّىَ فَاعْبُدُونِ (56) كلّ نَفْسٍ ذَائقَةُ الْمَوْتِ ثمّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لَنُبَوِّئَنّهُم مِّنَ الجَْنّةِ غُرَفاً تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ (58) الّذِينَ صبرُوا وَ عَلى رَبهِمْ يَتَوَكلُونَ (59) وَ كَأَيِّن مِّن دَابّةٍ لا تحْمِلُ رِزْقَهَا اللّهُ يَرْزُقُهَا وَ إِيّاكُمْ وَ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ (60)

القراءة

قرأ يرجعون بالياء يحيي عن أبي بكر و هشام و الباقون بالتاء و قرأ أهل الكوفة

غير عاصم لنثوينهم بالثاء و الباقون «لنبوئنهم» بالباء.

الحجة

قال أبو علي أما يرجعون بالياء فلان الذي قبله على لفظ الغيبة و «ترجعون» على أنه انتقل من الغيبة إلى الخطاب مثل إياك نعبد بعد قوله الحمد لله و حجة من قرأ «لنبوئنهم» بالباء قوله «و لقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق» و «إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت» و تكون اللام هنا زائدة كزيادتها في قوله «ردف لكم» و يجوز أن يكون بوأنا لدعاء إبراهيم (عليه السلام) و يكون المفعول محذوفا أي بوأنا لدعائه ناسا مكان البيت و من قرأ لنثوينهم فحجته قوله «و ما كنت ثاويا في أهل مدين» أي مقيما نازلا فيهم قال الأعشى:

{أثوى و قصر ليلة ليزودا --- ومضى و أخلف من قتيلة موعدا}

و قال حسان:

{ثوى في قريش بضع عشرة حجة}

أي أقام فيهم فإذا تعدى بحرف جر فزيدت عليه الهمزة وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر و ليس في الآية حرف جر قال أبو الحسن قرأ الأعمش لنثوينهم من الجنة غرفا و لا يعجبني لأنك لا تقول أثويته الدار قال أبو علي و وجهه أنه كان في الأصل لنثوينهم من الجنة في غرف كما يقول لننزلنهم من الجنة في غرف و حذف الجار كما حذف من قولك أمرتك الخير فافعل ما أمرت به و يقوي ذلك أن الغرف و إن كانت أماكن مختصة فقد أجريت المختصة من هذه الحروف مجرى غير المختص نحو قوله:

كما عسل الطريق الثعلب ) و نحو ذهبت الشام عند سيبويه.

الإعراب

خالدين نصب على الحال من الهاء و الميم.

«الذين صبروا» في موضع جر صفة للعالمين و يكون المخصوص بالمدح محذوفا أي نعم أجر العاملين الصابرين المتوكلين أجرهم و يجوز أن يكون المضاف محذوفا أي نعم أجر العاملين أجر الذين صبروا فحذف المخصوص بالمدح و أقام المضاف إليه مقامه.

«و كأين من دابة لا تحمل رزقها الله».

موضع كأين مرفوع.

و من دابة في موضع التبيين له.

و قوله «لا تحمل رزقها» صفة للمجرور و يكون قوله الله مبتدأ و يرزقها خبره و الجملة خبر كأين.

النزول

قيل نزلت الآية الأولى في المستضعفين من المؤمنين بمكة أمروا بالهجرة عنها عن مقاتل و الكلبي و نزل قوله «و كأين من دابة لا لا تحمل رزقها» في جماعة كانوا بمكة يؤذيهم المشركون فأمروا بالهجرة إلى المدينة فقالوا كيف نخرج إليها و ليس لنا بها دار و لا عقار و من يطعمنا و من يسقينا.

المعنى

ثم بين سبحانه أنه لا عذر لعباده في ترك طاعته فقال «يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة» يبعد أقطارها فاهربوا من أرض يمنعكم أهلها من الإيمان و الإخلاص في عبادتي و قال أبو عبد الله (عليه السلام) معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى غيرها و قيل معناه إن أرض الجنة واسعة عن الجبائي و أكثر المفسرين على القول الأول «فإياي فاعبدون» أي اعبدوني خالصا و لا تطيعوا أحدا من خلقي في معصيتي و إياي منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده و قد مر بيانه و قيل إن دخول الفاء للجزاء و التقدير إن ضاق بكم موضع فاعبدوني و لا تعبدوا غيري إن أرضي واسعة أمر سبحانه المؤمنين إذا كانوا في بلد لا يلتئم فيه لهم أمر دينهم أن ينتقلوا عنه إلى غيره ثم خوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة فقال «كل نفس ذائقة الموت» أي كل نفس أحياها الله بحياة خلقها فيه ذائقة مرارة الموت بأي أرض كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت «ثم إلينا ترجعون» بعد الموت فنجازيكم بأعمالكم ثم ذكر سبحانه ثواب من هاجر فقال «و الذين آمنوا و عملوا الصالحات» يعني المهاجرين «لنبوئنهم» أي لننزلنهم «من الجنة غرفا» أي علالي عاليات «تجري من تحتها الأنهار» قال ابن عباس لنسكننهم غرف الدر و الزبرجد و الياقوت و لننزلنهم قصور الجنة «خالدين فيها» يبقون فيها ببقاء الله «نعم أجر العاملين» لله تلك الغرف ثم وصفهم فقال «الذين صبروا» على دينهم فلم يتركوه لشدة نالتهم و أذى لحقهم و صبروا على مشاق الطاعات «و على ربهم يتوكلون» في مهمات أمورهم و مهاجرة دورهم ثم قال «و كأين من دابة لا تحمل رزقها» أي و كم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا عن الحسن و قيل معناه لا تطيق حمل رزقها لضعفها و تأكل بأفواهها عن مجاهد و قيل إن الحيوان أجمع من البهائم و الطيور و غيرهما مما يدب على وجه الأرض لا تدخر القوت لغدها إلا ابن آدم و النملة و الفأرة بل تأكل منه قدر كفايتها فقط عن ابن عباس «الله يرزقها و إياكم» أي يرزق تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها و يرزقكم أيضا فلا تتركوا الهجرة بهذا السبب و عن عطا عن ابن عمر قال خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر و يأكل فقال يا ابن عمر ما لك لا تأكل فقلت لا أشتهيه يا رسول الله قال لكني أشتهيه و هذه صبح رابعة منذ لم أذق

طعاما و لو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى و قيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت مع قوم يخبئون رزق سنتهم لضعف اليقين فو الله ما برحنا حتى نزلت هذه الآية «و كأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها و إياكم و هو السميع العليم» أي السميع لأقوالكم عند مفارقة أوطانكم العليم بأحوالكم لا يخفى عليه شيء من سركم و إعلانكم.