۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القصص، آية ٨٧

التفسير يعرض الآيات ٨٣ إلى ٨٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣ مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٤ إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٨٥ وَمَا كُنتَ تَرۡجُوٓاْ أَن يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبُ إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرٗا لِّلۡكَٰفِرِينَ ٨٦ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بَعۡدَ إِذۡ أُنزِلَتۡ إِلَيۡكَۖ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٨٧ وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۘ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

تِلْك الدّارُ الاَخِرَةُ نجْعَلُهَا لِلّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فى الأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعَقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ (83) مَن جَاءَ بِالحَْسنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِّنهَا وَ مَن جَاءَ بِالسيِّئَةِ فَلا يجْزَى الّذِينَ عَمِلُوا السيِّئَاتِ إِلا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (84) إِنّ الّذِى فَرَض عَلَيْك الْقُرْءَانَ لَرَادّك إِلى مَعَادٍ قُل رّبى أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالهُْدَى وَ مَنْ هُوَ فى ضلَلٍ مّبِينٍ (85) وَ مَا كُنت تَرْجُوا أَن يُلْقَى إِلَيْك الْكتَب إِلا رَحْمَةً مِّن رّبِّك فَلا تَكُونَنّ ظهِيراً لِّلْكَفِرِينَ (86) وَ لا يَصدّنّك عَنْ ءَايَتِ اللّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَت إِلَيْك وَ ادْعُ إِلى رَبِّك وَ لا تَكُونَنّ مِنَ الْمُشرِكينَ (87) وَ لا تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كلّ شىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الحُْكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)

النزول

قيل لما نزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجحفة في مسيرة إلى المدينة لما هاجر إليها اشتاق إلى مكة فأتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال أ تشتاق إلى بلدك و مولدك فقال نعم قال جبرائيل فإن الله يقول «إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد» يعني مكة ظاهرا عليها فنزلت الآية بالجحفة و ليست بمكية و لا مدنية و سميت مكة معادا لعوده إليها عن ابن عباس.

المعنى

«تلك الدار الآخرة» يعني الجنة «نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض» أي تجبرا و تكبرا على عباد الله و استكبارا عن عبادة الله «و لا فسادا» أي عملا بالمعاصي عن ابن جريج و مقاتل و روى زاذان عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يمشي في الأسواق وحده و هو دال يرشد الضال و يعين الضعيف و يمر بالبياع و البقال فيفتح عليه القرآن و يقرأ «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا» و يقول نزلت هذه الآية في أهل العدل و المواضع من الولاة و أهل القدرة من سائر الناس و روى أبو سلام الأعرج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا قال إن الرجل ليعجبه شراك نعله فيدخل في هذه الآية «تلك الدار الآخرة» الآية يعني أن من تكبر على غيره بلباس يعجبه فهو ممن يريد علوا في الأرض قال الكلبي يعني بقوله «فسادا» الدعاء إلى عبادة غير الله و قال عكرمة هو أخذ المال بغير حق «و العاقبة للمتقين» أي و العاقبة الجميلة المحمودة من الفوز بالثواب للذين اتقوا الشرك و المعاصي و قيل معناه الجنة لمن اتقى عقاب الله بأداء فرائضه و اجتناب معاصيه «من جاء بالحسنة فله خير منها» مضى تفسيره «و من جاء بالسيئة فلا يجزي الذين عملوا السيئات إلا ما يعملون» أي لا يزاد في عقابهم على قدر استحقاقهم بخلاف الزيادة في الفضل على الثواب المستحق فإنه يكون تفضلا فهو مثل قوله و من جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها «إن الذي فرض عليك القرآن» خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المعنى أن الذي أوجب عليك الامتثال بما تضمنه القرآن و أنزله عليك «لرادك إلى معاد» أي يردك إلى مكة عن ابن عباس و مجاهد و الجبائي و على هذا فيكون في الآية دلالة على صحة النبوة لأنه أخبر به من غير شرط و لا استثناء و جاء المخبر مطابقا للخبر قال القتيبي معاد الرجل بلده لأنه يتصرف في البلاد ثم يعود إليه و قيل «إلى معاد» إلى الموت عن ابن عباس في رواية أخرى و عن أبي سعيد الخدري قيل إلى المرجع يوم القيامة أي يعيدك بعد الموت كما بدأك عن الحسن و الزهري و عكرمة و أبي مسلم و قيل إلى الجنة عن مجاهد و أبي صالح فالمعنى أنه مميتك و باعثك و مدخلك الجنة و الظاهر يقتضي أنه العود إلى مكة لأن ظاهر العود يقتضي ابتداء ثم عودا إليه على أنه يجوز أن يقال الجنة معاد و إن لم يتقدم له فيها كون كما قال سبحانه في الكفار ثم إن مرجعهم لألى

الجحيم ثم ابتدأ سبحانه كلاما آخر فقال «قل» يا محمد «ربي أعلم من جاء بالهدى» الذي يستحق به الثواب «و من هو في ضلال مبين» أي و من لم يجيء بالهدى و ضل عنه أي لا يخفى عليه المؤمن و الكافر و من هو على الهدى و من هو ضال عنه و تأويله قل ربي يعلم أني جئت بالهدى من عنده و إنكم في ضلال سينصرني عليكم ثم ذكر نعمه فقال «و ما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب» أي و ما كنت يا محمد ترجو فيما مضى أن يوحي الله إليك و يشرفك بإنزال القرآن عليك «إلا رحمة من ربك» قال الفراء هذا من الاستثناء المنقطع و معناه إلا أن ربك رحمك و أنعم به عليك و أراد بك الخير كذلك ينعم عليك بردك إلى مكة فاعرف هذه النعم و قيل معناه و ما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين و قصصهم تتلوها على أهل مكة و لم تشهدها و لم تحضرها بدلالة قوله و ما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا أي أنك تتلو على أهل مكة قصص مدين و موسى و لم تكن هناك ثاويا مقيما و كذلك قوله و ما كنت بجانب الغربي و أنت تتلو قصصهم و أمرهم فهذه رحمة من ربك «فلا تكونن ظهيرا للكافرين» أي معينا لهم و في هذا دلالة على وجوب معاداة أهل الباطل و في هذه الآية و ما بعدها و إن كان الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فالمراد غيره و قد روي عن ابن عباس أنه كان يقول القرآن كله إياك أعني و اسمعي يا جارة «و لا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك» أي و لا يمنعك هؤلاء الكفار عن اتباع آيات الله التي هي القرآن و الدين بعد إذ نزلت إليك تعظيما لذكرك و تفخيما لشأنك «و ادع إلى ربك» أي إلى طاعة ربك الذي خلقك و أنعم عليك و إلى توحيده «و لا تكونن من المشركين» أي لا تمل إليهم و لا ترض بطريقتهم و لا توال أحدا منهم «و لا تدع مع الله إلها آخر» أي لا تعبد معه غيره و لا تستدع حوائجك من جهة ما سواه «لا إله إلا هو» أي لا معبود إلا هو وحده لا شريك له «كل شيء هالك إلا وجهه» أي كل شيء فإن بائد إلا ذاته و هذا كما يقال هذا وجه الرأي و وجه الطريق و هذا معنى قول مجاهد «إلا هو» و في هذا دلالة على أن الأجسام تفنى ثم تعاد على ما قاله الشيوخ في الفناء و الإعادة و قيل معناه كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه فإن ذلك يبقى ثوابه عن عطا و ابن عباس و عن أبي العالية و الكلبي و هو اختيار الفراء و أنشد:

{أستغفر الله ذنبا لست محصيه --- رب العباد إليه الوجه و العمل}

أي إليه أوجه العمل و على هذا يكون وجه الله ما وجه إليه من الأعمال «له الحكم» أي له القضاء النافذ في خلقه و قيل له الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره «و إليه ترجعون» أي تردون في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.

النظم

اتصل قوله تلك الدار الآخرة الآية بما قبله على معنى أنه سبحانه كما حرم نعم الدنيا عليهم بالهلاك كذلك يحرم عليهم نعم الآخرة و أما وجه اتصال قوله إن الذي فرض عليك القرآن الآية بما قبله فقد ذكر فيه من حمل المعاد على البعث أنه اتصل بقوله تلك الدار الآخرة و من حمله على العود إلى مكة قال إنه لما بين سبحانه وعده لأم موسى رد موسى عليها مع شرف النبوة كذلك وعده ربه العودة إلى مكة مع الشرف العظيم و قد أنجز وعده كما أنجز وعده هناك و يكون معنى الكلام أن الذي أنزل القرآن بذلك الوعد سينجز هذا الوعد و اتصل قوله قل ربي أعلم من جاء بالهدى على معنى أنه أمره بأن يقول لهم ربي أعلم بالصادق و الكاذب لا يلتبس عليه شيء.