۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القصص، آية ٨

التفسير يعرض الآيات ٧ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧ فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ ٨ وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩ وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ أَوْحَيْنَا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فى الْيَمِّ وَ لا تخَافى وَ لا تحْزَنى إِنّا رَادّوهُ إِلَيْكِ وَ جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسلِينَ (7) فَالْتَقَطهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكونَ لَهُمْ عَدُوّا وَ حَزَناً إِنّ فِرْعَوْنَ وَ هَمَنَ وَ جُنُودَهُمَا كانُوا خَطِئِينَ (8) وَ قَالَتِ امْرَأَت فِرْعَوْنَ قُرّت عَينٍ لى وَ لَك لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ (9) وَ أَصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسى فَرِغاً إِن كادَت لَتُبْدِى بِهِ لَوْ لا أَن رّبَطنَا عَلى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و حزنا بضم الحاء و سكون الزاي و الباقون «حزنا» بفتحها و في الشواذ قراءة الحسن و فضالة بن عبد الله فؤاد أم موسى فزعا و قراءة ابن عباس قراعا بالقاف و الراء و حكى قطرب عن بعضهم فرغا.

الحجة

الحزن و الحزن لغتان مثل البخل و البخل و العرب و العرب و العجم و العجم و أما قوله فزعا بالفاء و الزاي فمعناه قلقا يكاد يخرج من غلافه و أما قرعا فمعناه يرجع إلى معنى فارغ لأن رأس الأقرع يكون خاليا من الشعر و أما فرغا فمعناه هدرا و باطلا قال

{فإن تك أذواد أصبن و نسوة --- فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال}

و قوله «فارغا» معناه خاليا من الحزن لعلمها أنه لا يغرق.

الإعراب

مفعول خفت محذوف تقديره خفت عليه أحدا «قرة عين لي و لك» خبر مبتدإ محذوف أي هو قرة عين قال الزجاج و يجوز على بعد أن يكون «قرة عين» مبتدأ و يكون

خبره «لا تقتلوه» «و هم لا يشعرون» في موضع نصب على الحال و العامل فيه ما يدل على هذه القصة و تقديره قالوا ما قالوه غير شاعرين.

المعنى

ثم بين سبحانه كيف دبر في إهلاك فرعون و قومه منبها بذلك على كمال قدرته و حكمته فقال «و أوحينا إلى أم موسى» أي ألهمناها و قذفنا في قلبها و ليس بوحي نبوة عن قتادة و غيره و قيل أتاها جبرائيل (عليه السلام) بذلك عن مقاتل و قيل كان هذا الوحي رؤيا منام عبر عنها من يثق به من علماء بني إسرائيل عن الجبائي «أن أرضعيه» ما لم تخافي عليه الطلب «فإذا خفت عليه» في القتل الذي أمر به فرعون في أبناء بني إسرائيل «فألقيه في اليم» أي في البحر و هو النيل «و لا تخافي» عليه الضيعة «و لا تحزني» من فراقه «إنا رادوه إليك» سالما عن قريب «و جاعلوه من المرسلين» و الأنبياء و في هذه الآية أمران و نهيان و خبران و بشارتان و حكي أن بعضهم سمع بدوية تنشد أبياتا فقال لها ما أفصحك فقالت الفصاحة لله تعالى و ذكرت هذه الآية و ما فيها قال وهب بن منبه لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها عن جميع الناس فلم يطلع على حملها أحد من خلق الله و ذلك شيء ستره الله تعالى لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل فلما كانت السنة التي يولد فيها موسى بعث فرعون القوابل و تقدم إليهن أن يفتشن النساء تفتيشا لم يفتشنه قبل ذلك رحلت أم موسى بموسى فلم ينت بطنها و لم يتغير لونها و لم يظهر لبنها فكانت القوابل لا يعرضن لها فلما كانت الليلة التي ولد فيها موسى ولدته أمه و لا رقيب عليها و لا قابلة و لم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم فأوحى الله تعالى إليها «أن أرضعيه» الآية قال فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها لا يبكي و لا يتحرك فلما خافت عليه عملت له تابوتا مطبقا و مهدت له فيه ثم ألقته في البحر ليلا كما أمرها الله تعالى قال ابن عباس لما قربت ولادة أم موسى و كانت قابلة من النساء اللاتي و كلهن فرعون بحبالي بني إسرائيل مصافية لأم موسى فلما ضربها الطلق أرسلت إليها فجاءت فعالجتها فلما ولد موسى رأت نورا بين عينيه فارتعش كل مفصل منها و دخل حب موسى في قلبها ثم قالت يا هذه ما جئت إليك إلا و من ورائي قتل مولودك و لكن وجدت لابنك هذا حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه فاحفظي ابنك فإني أراه هو عدونا فلما خرجت من عندها القابلة بصرتها العيون فجاؤوا ليدخلوا على أم موسى فقالت أخته يا أماه هذا الحرس بالباب فلفت موسى في خرقة فوضعته في تنور مسجور فدخلوا فإذا التنور مسجور و رأوا أم موسى لم يتغير لها لون و لم يظهر لها لبن فخرجوا من عندها و انطلقت إلى الصبي و قد جعل الله النار عليه بردا

و سلاما قال ثم لما رأت إلحاح فرعون في الطلب خافت على ابنها فانطلقت إلى نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا فقال النجار ما تصنعين بهذا التابوت قالت إن لي ابنا أخبئه في التابوت و كرهت الكذب فلما اشترت التابوت و حملته انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى فلم يطق الكلام فرجع و أخذ في النجر فانطلق لسانه فرجع ثانيا فلما انتهى إليهم اعتقل لسانه هكذا ثلاث مرات فعلم أن ذلك أمر إلهي «فالتقطه آل فرعون» أي أصابوه و أخذوه من غير طلب «ليكون لهم عدوا و حزنا» أي ليكون لهم في عاقبة أمره كذلك لا أنهم أخذوه لهذا كما يقال لمن كسب مالا فأداه ذلك إلى الحتف و الهلاك إنما كسب فلان لحتفه و هو لم يطلب المال للحتف «إن فرعون و هامان و جنودهما كانوا خاطئين» أي عاصين ربهم في أفعالهم و كانت القصة في ذلك أن النيل جاء بالتابوت إلى موضع فيه فرعون و امرأته على شط النيل فأمر فرعون فأتي به و فتحت آسية بنت مزاحم بابه فلما نظرت إليه ألقى الله في قلبها محبة موسى و كانت آسية بنت مزاحم امرأة من بني إسرائيل استنكحها فرعون و هي من خيار النساء و من بنات الأنبياء و كانت أما للمؤمنين ترحمهم و تتصدق عليهم و يدخلون عليها فلما نظر فرعون إلى موسى غاظه ذلك و قال كيف أخطأ هذا الغلام الذبح قالت آسية و هي قاعدة إلى جنبه هذا الوليد أكبر من ابن سنة و إنك أمرت أن يذبح الولدان لهذه السنة فدعه يكن قرة عين لي و لك و ذلك قوله تعالى «و قالت امرأة فرعون قرة عين لي و لك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا» و إنما قالت ذلك لأنه لم يكن له ولد فأطمعته في ولد قال ابن عباس إن أصحاب فرعون لما علموا بموسى جاءوا ليقتلوه فمنعتهم و قالت لفرعون قرة عين لي و لك لا تقتلوه قال فرعون قرة عين لك و أما لي فلا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و الذي يحلف به لو أقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته لهداه الله به كما هداها و لكنه أبى للشقاء الذي كتبه الله عليه «و هم لا يشعرون» أي لا يشعرون أن هلاكهم على يديه و قيل لا يشعرون أن هذا هو المطلوب الذي يطلبونه «و أصبح فؤاد أم موسى فارغا» أي خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى أي صار فارغا له عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل فارغا من الحزن لعلمها أن ابنها ناج سكونا إلى ما وعدها الله تعالى به و قيل فارغا من الوحي الذي أوحي إليها بنسيانها فإنها نسيت ما وعدها الله تعالى به عن الحسن و ابن زيد «إن كادت لتبدي به» معناه أنها كادت تبدي بذكر موسى فتقول يا ابناه من شدة الغم و الوجد عن ابن عباس و قتادة و السدي و قيل معناه كادت تصيح على ابنها شفقة عليه من الغرق عن مقاتل و قيل معناه همت بأن تقول أنها أمه لما رأته عند دعاء فرعون إياها للإرضاع لشدة سرورها به عن جعفر بن حرب و قيل معناه أنها كادت تبدي بالوحي «لو لا أن ربطنا على قلبها» بالصبر و اليقين

و الربط على القلب إلهام و الصبر و تقويته عن الزجاج و قيل معناه لو لا أن قوينا قلبها بالعصمة و الوحي و جواب لو لا محذوف و التقدير لو لا أن ربطنا على قلبها لأظهرته «لتكون من المؤمنين» أي فعلنا ذلك لتكون من جملة المصدقين بوعدنا الواثقين بوحينا و قولنا «إنا رادوه إليك».