۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القصص، آية ٢٨

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦ قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨ ۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٢٩ فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قَالَت إِحْدَاهُمَا يَأَبَتِ استَئْجِرْهُ إِنّ خَيرَ مَنِ استَئْجَرْت الْقَوِى الأَمِينُ (26) قَالَ إِنى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَك إِحْدَى ابْنَتىّ هَتَينِ عَلى أَن تَأْجُرَنى ثَمَنىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْت عَشراً فَمِنْ عِندِك وَ مَا أُرِيدُ أَنْ أَشقّ عَلَيْك ستَجِدُنى إِن شاءَ اللّهُ مِنَ الصلِحِينَ (27) قَالَ ذَلِك بَيْنى وَ بَيْنَك أَيّمَا الأَجَلَينِ قَضيْت فَلا عُدْوَنَ عَلىّ وَ اللّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكيلٌ (28) فَلَمّا قَضى مُوسى الأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ ءَانَس مِن جَانِبِ الطورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنى ءَانَست نَاراً لّعَلى ءَاتِيكُم مِّنْهَا بخَبرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النّارِ لَعَلّكُمْ تَصطلُونَ (29) فَلَمّا أَتَاهَا نُودِى مِن شطِى الْوَادِ الأَيْمَنِ فى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكةِ مِنَ الشجَرَةِ أَن يَمُوسى إِنى أَنَا اللّهُ رَب الْعَلَمِينَ (30)

القراءة

قرأ عاصم أو جذوة بفتح الجيم و قرأ حمزة و خلف جذوة بضم الجيم و الباقون جذوة بالكسر و في الشواذ قراءة الحسن أيما الأجلين بتخفيف الياء و سكونها.

الحجة

في الجذوة ثلاث لغات على حسب القراءات الثلاث و أما أيما فهي لغة قال الفرزدق:

{تنظرت نسرا و السماكين أيهما --- علي من الغيث استهلت مواطره}

اللغة

الجذوة القطعة الغليظة من الحطب فيها النار و جمعها جذى قال:

{باتت حواطب ليلى يلتمسن لها --- جزل الجذى غير خوار و لا ذعر}

و شاطىء الوادي جانبه و هو الشط و الجمع الشواطىء.

الإعراب

هاتين صفة لابنتي.

«ثماني حجج» ظرف زمان.

«ذلك بيني و بينك» ذلك مبتدأ و خبره بيني و بينك و معناه ما شرطت علي فلك و ما شرطت لي فلي كذلك الأمر بيننا عن الزجاج و أي في معنى الجزاء و هي منصوبة بقضيت و ما مزيدة مؤكدة و جوابه «فلا عدوان

علي».

«إن موسى» أن في موضع نصب و هي مخففة من الثقيلة تقديره نودي بأنه يا موسى و بأنه ألق عصاك.

المعنى

ثم ذكر سبحانه أمر موسى في مدين و انصرافه عنه فقال «قالت إحداهما» أي إحدى ابنتيه و اسمها صفورة و هي التي تزوج بها و اسم الأخرى ليا و قيل إن اسم الكبرى صفراء و اسم الصغرى صفيراء «يا أبت استأجره» أي اتخذه أجيرا «إن خير من استأجرت القوي الأمين» أي خير من استعملت من قوي على العمل و أداء الأمانة قال عمر بن الخطاب لما قالت المرأة هذا قال شعيب و ما علمك بأمانته و قوته قالت أما قوته فلأنه رفع الحجر الذي لا يرفعه كذا و كذا و أما أمانته فإنه قال لي امشي خلفي فأنا أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي عجزك و قيل القوي في نزعه الحجر من البئر و كان لا يستطيعه إلا النفر.

الأمين في غض طرفه عنهما حين سقى لهما فصدرتا و قد عرفتا قوته و أمانته فلما ذكرت المرأة من حاله ما ذكرت زاده ذلك رغبة فيه «قال إني أريد أن أنكحك» أي أزوجك «إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج» أي على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين «فإن أتممت عشرا فمن عندك» أي ذلك تفضل منك و ليس بواجب عليك و قيل معناه على أن تجعل جزائي و ثوابي إياك على أن أنكحك إحدى ابنتي أن تعمل لي ثماني سنين فزوجه ابنته بمهر و استأجره للرعي و لم يجعل ذلك مهرا و إنما شرط ذلك عليه و هذا على وفق مذهب أبي حنيفة و الأول أصح و أوفق لظاهر الآية «و ما أريد أن أشق عليك» في هذه الثمانية حجج و إن أكلفك خدمة سوى رعي الغنم و قيل و ما أشق عليك بأن آخذك بإتمام عشر سنين «ستجدني إن شاء الله من الصالحين» في حسن الصحبة و الوفاء بالعهد و إنما علق الصلاح بمشيئة الله لأن مراده إن شاء الله تبقيتي فمن الجائز أن يخترمه الله و لا يفعل الصلاح الديني الذي يريده و حكى يحيى بن سلام أنه جعل لموسى كل سخلة توضع على خلاف شية أمها فأوحى الله إلى موسى في المنام أن ألق عصاك في الماء ففعل فولدن كلهن على خلاف شيتهن و قيل أنه وعده أن يعطيه تلك السنة من نتاج غنمه كل أدرع و أنها نتجت كلها درعا و روى الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل أيتها التي قالت إن أبي يدعوك قال التي تزوج بها قيل فأي الأجلين قضى قال أوفاهما و أبعدهما عشر سنين قيل فدخل بها قبل أن يمضي الشرط أو بعد انقضائه قال قبل أن ينقضي قيل له فالرجل يتزوج المرأة و يشترط لأبيها إجارة شهرين أ يجوز ذلك قال إن موسى علم أنه

سيتم له شرطه قيل كيف قال علم أنه سيبقى حتى يفي «قال» موسى «ذلك بيني و بينك» أي ذلك الذي وصفت و شرطت علي فلك و ما شرطت لي من تزويج إحداهما فلي و تم الكلام ثم قال «أيما الأجلين» من الثماني و العشر «قضيت» أي أتممت و فرغت منه «فلا عدوان علي» أي لا ظلم علي بأن أكلف أكثر منها و أطالب بالزيادة عليهما «و الله على ما نقول وكيل» أي شهيد فيما بيني و بينك عن ابن عباس «فلما قضى موسى الأجل» أي أوفاهما روى الواحدي بالإسناد عن ابن عباس قال سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الأجلين قضى موسى قال أوفاهما و أبطأهما و بالإسناد عن أبي ذر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سألت أي الأجلين قضى موسى فقل خيرهما و أبرهما و إن سألت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما و هي التي جاءت فقالت يا أبت استأجره و قال وهب تزوج الكبرى منهما و في الكلام حذف و إيجاز و هو فلما قضى موسى الأجل و تسلم زوجته ثم توجه نحو الشام «و سار بأهله آنس من جانب الطور نارا» و قيل إنه لما زوجها منه أمر الشيخ أن يعطي موسى عصا يدفع السباع عن غنمه بها فأعطي العصا و قد ذكرنا حديث العصا في سورة الأعراف و قيل خرج آدم بالعصا من الجنة فأخذها جبرائيل بعد موت آدم (عليه السلام) و كانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه عن عكرمة و قيل لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى و كانت عصا الأنبياء عنده و روى عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كانت عصا موسى قضيب آس من الجنة أتاه به جبرائيل (عليه السلام) لما توجه تلقاء مدين و قال السدي كانت تلك العصا استودعها شعيبا ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت و أخذت العصا فأتته بها فلما رآها الشيخ قال لا أ أتيه بغيرها فألقتها و أرادت أن تأخذ غيرها فكانت لا تقع في يدها إلا هي فعلت ذلك مرارا فأعطاها موسى و قوله «و سار بأهله» قيل إنه مكث بعد انقضاء الأجل عند صهره عشرا أخرى فأقام عنده عشرين سنة ثم استأذنه في العود إلى مصر ليزور والديه و أخاه فأذن له فسار بأهله عن مجاهد و قيل إنه لما قضى العشر سار بأهله أي بامرأته و بأولاد الغنم التي كانت له و كانت قطيعا فأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام و امرأته في شهرها فسار في البرية غير عارف بالطريق فالجاه المسير إلى جانب الطور الأيمن في ليلة مظلمة شديدة البرد و أخذ امرأته الطلق و ضل الطريق و تفرقت ماشيته فأصابه المطر فبقي لا يدري أين يتوجه فبينا هو كذلك آنس من جانب الطور نارا و روى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لما قضى موسى الأجل و سار بأهله نحو بيت المقدس أخطأ الطريق ليلا فرأى نارا «قال لأهله امكثوا إني آنست نارا» و قد مر تفسيره «لعلي آتيكم منها بخبر» أي بخبر من الطريق الذي أريد

قصده و هل أنا على صوبه أو منحرف عنه و قيل بخير من النار هل هي لخبر نأنس به أو لشر نحذره «أو جذوة من النار» أي قطعة من النار و قيل بأصل شجرة فيها نار «لعلكم تصطلون» أي تستدفئون بها «فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن» أي نودي موسى من الجانب الأيمن للوادي «في البقعة المباركة» و هي البقعة التي قال الله تعالى فيها لموسى اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى و إنما كانت مباركة لأنها معدن الوحي و الرسالة و كلام الله تعالى و قيل مباركة لكثرة الأشجار و الأثمار و الخير و النعم بها و الأول أصح «من الشجرة» إنما سمع موسى النداء و الكلام من الشجرة لأن الله تعالى فعل الكلام فيها و جعل الشجرة محل الكلام لأن الكلام عرض يحتاج إلى محل و علم موسى بالمعجز أن ذلك كلامه تعالى و هذه أعلى منازل الأنبياء أعني أن يسمعوا كلام الله من غير واسطة و مبلغ و كان كلامه سبحانه «إن يا موسى إني أنا الله رب العالمين» أي أن المكلم لك هو الله مالك العالمين و خالق الخلائق أجمعين تعالى و تقدس عن أن يحل في محل أو يكون في مكان لأنه ليس بعرض و لا جسم.