۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القصص، آية ٢١

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤ فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فخَرَجَ مِنهَا خَائفاً يَترَقّب قَالَ رَب نجِّنى مِنَ الْقَوْمِ الظلِمِينَ (21) وَ لَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسى رَبى أَن يَهْدِيَنى سوَاءَ السبِيلِ (22) وَ لَمّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِّنَ النّاسِ يَسقُونَ وَ وَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطبُكُمَا قَالَتَا لا نَسقِى حَتى يُصدِرَ الرِّعَاءُ وَ أَبُونَا شيْخٌ كبِيرٌ (23) فَسقَى لَهُمَا ثُمّ تَوَلى إِلى الظلِّ فَقَالَ رَب إِنى لِمَا أَنزَلْت إِلىّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ (24) فجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشى عَلى استِحْيَاءٍ قَالَت إِنّ أَبى يَدْعُوك لِيَجْزِيَك أَجْرَ مَا سقَيْت لَنَا فَلَمّا جَاءَهُ وَ قَص عَلَيْهِ الْقَصص قَالَ لا تخَف نجَوْت مِنَ الْقَوْمِ الظلِمِينَ (25)

القراءة

قرأ أبو جعفر و أبو عمرو و ابن عامر حتى يصدر بفتح الياء و ضم الدال و قرأ الباقون «يصدر» بضم الياء و كسر الدال.

الحجة

من قرأ حتى يصدر الرعاء فمعناه حتى يرجعوا من سقيهم و في التنزيل يصدر الناس أشتاتا ليروا و من قرأ «حتى يصدر» أراد حتى يصدروا مواشيهم من وردهم فحذف المفعول كما قال الشاعر

{لا يعدلن أتاويون تضربهم --- نكباء صر بأصحاب المحلات}

أي أحدا.

اللغة

تلقاء الشيء حذاؤه و يقال فعل ذلك من تلقاء نفسه أي من حذاء داعي نفسه و سواء السبيل وسط الطريق قال الشاعر

{حتى أغيب في سواء الملحد و ذاد شاته أو إبله}

عن الشيء يذودها ذودا أي حبسها عنه بمنعه منه قال سويد بن كراع

{أبيت على باب القوافي كأنما --- أذود بها سربا من الوحش نزعا}

قال الفراء و لا يقال ذدت في الناس و إنما يقال في الإبل و الغنم و هذا ليس بشيء يدل عليه قول الكميت يصف بني هاشم

{سادة ذادة عن الخرد البيض --- إذا اليوم كان كالأيام}

و الخطب الأمر الذي فيه تفخيم و منه الخطبة و الخطبة و الخطاب كل ذلك فيه معنى العظم و ما خطبكما أي ما شأنكما قال الراجز

{يا عجبا ما خطبه و خطبي}

و الرعاء جمع راع و يجمع على الرعيان و الرعاة.

الإعراب

«تلقاء» ظرف مكان «لا نسقي» أي لا نسقي الغنم الماء فحذف مفعولاه لدلالة الكلام عليه و كذلك قوله «فسقى لهما» و اللام في قوله «لما أنزلت» يتعلق بفقير «تمشي» في موضع نصب على الحال من جاءت و قوله «على استحياء» في موضع الحال أيضا من «تمشي» أي تمشي مستحيية و يجوز أن يكون حالا بعد حال.

قالت «إن أبي يدعوك» الجملة يجوز أن يكون بدلا من قوله «فجاءته إحداهما» و يجوز أن تكون في موضع الحال بإضمار قد و العامل فيه جاءت أو تمشي.

المعنى

ثم بين سبحانه خروج موسى من مصر إلى مدين فقال «فخرج منها» أي من مدينة فرعون «خائفا» من أن يطلب فيقتل «يترقب» الطلب «قال رب نجني من القوم الظالمين» قال ابن عباس خرج موسى متوجها نحو مدين و ليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه قال رب نجني من فرعون و قومه و قيل أنه خرج بغير زاد و لا ماء و لا حذاء و لا ظهر و كان لا يأكل إلا من حشيش الصحراء حتى بلغ ماء مدين «و لما توجه تلقاء مدين» التوجه صرف الوجه إلى جهة من الجهات و قوله هذا المعنى يتوجه إلى كذا أي هو كالطالب له يصرف وجهه إليه قال الزجاج معناه و لما سلك في الطريق الذي يلقى مدين فيها و هي على مسيرة ثمانية أيام من مصر نحو ما بين البصرة إلى الكوفة و لم يكن له علم بالطريق و لذلك

«قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل» أي يرشدني قصد السبيل إلى مدين و قيل سواء السبيل وسطه المؤدي إلى النجاة لأن الأخذ يمينا و شمالا لا يباعد عن طريق الصواب و قيل أنه لم يقصد موضعا بعينه و لكنه أخذ في طريق مدين و قال عكرمة عرضت لموسى أربعة طرق فلم يدر أيتها يسلك و لذلك قال عند استواء الطرق له «عسى ربي أن يهديني سواء السبيل» فلما دعا ربه استجاب له و دله على الطريق المستقيم إلى مدين و قيل جاء ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين و قيل أنه خرج حافيا و لم يصر إلى مدين حتى وقع خف قدميه عن سعيد بن جبير «و لما ورد ماء مدين» و هو بئر كانت لهم «وجد عليه أمة من الناس يسقون» أي جماعة من الرعاة يسقون مواشيهم الماء من البئر «و وجد من دونهم امرأتين تذودان» أي تحبسان و تمنعان غنمهما من الورود إلى الماء عن السدي و قيل تذودان الناس عن مواشيهما عن قتادة و قيل تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس عن الحسن فترك ذكر الغنم اختصارا «قال» موسى لهما «ما خطبكما» أي ما شأنكما و ما لكما لا تسقيان مع الناس عن ابن إسحاق «قالتا لا نسقي» عند المزاحمة مع الناس «حتى يصدر الرعاء» مر معناه أي حتى ينصرف الناس فإنا لا نطيق السقي فننتظر فضول الماء فإذا انصرف الناس سقينا مواشينا من فضول الحوض عن ابن عباس و قتادة «و أبونا شيخ كبير» لا يقدر على أن يتولى السقي بنفسه من الكبر و لذلك احتجنا و نحن نساء أن نسقي الغنم و إنما قالتا ذلك تعريضا للطلب من موسى أن يعينهما على السقي و قيل إنما قالتا ذلك اعتذارا إلى موسى في الخروج بغير محرم «فسقى لهما» معناه فسقى موسى غنمها الماء لأجلهما و هو أنه زحم القوم عن الماء حتى أخرجهم عنه ثم سقى لهما عن ابن إسحاق و قيل رفع لأجلهما حجرا عن بئر كان لا يقدر على رفع ذلك الحجر عنها إلا عشرة رجال و سألهم أن يعطوه دلوا فناولوه دلوا و قالوا له انزح إن أمكنك و كان لا ينزحها إلا عشرة فنزحها وحدة و سقى أغنامهما و لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم «ثم تولى إلى الظل» أي ثم انصرف إلى ظل سمرة فجلس تحتها من شدة الحر و هو جائع «فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير» قال ابن عباس سأل نبي الله فلق خبز يقيم به صلبه و قال أمير المؤمنين عليه أفضل الصلوات و الله ما سأله إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض لقد كانت خضرة البقلة ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله و تشذب لحمه قال الأخفش يقال فقير إليه و فقير له قال ابن إسحاق فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا ترجعان فيها فأنكر شأنهما و سألهما فأخبرتاه الخبر فقال

لإحداهما علي به فرجعت الكبرى إلى موسى لتدعوه فذلك قوله «فجاءته إحداهما تمشي على استحياء» أي مستحيية معرضة عن عادة النساء الخفرات و قيل أراد باستحيائها أنها غطت وجهها بكم درعها عن عمر بن الخطاب و قيل هو بعدها من النداء عن الحسن قال فو الله ما كانت ولاجة و لا خراجة و لكنها كانت من الخفرات اللاتي لا يحسن المشي بين أيدي الرجال و الكلام معهم و قيل أراد أنها كانت تمشي عادلة عن الطريق «قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا» أي ليكافئك على سقيك لغنمنا و أكثر المفسرين على أن أباها شعيب (عليه السلام) و قال وهب و سعيد بن جبير هو يثرون ابن أخي شعيب و كان شعيب مات قبل ذلك بعد ما كف بصره و دفن بين المقام و زمزم و قيل يثروب و قيل هو اسم شعيب لأن شعيبا اسم عربي قال أبو حازم لما قالت «ليجزيك أجر ما سقيت لنا» كره ذلك موسى و أراد أن لا يتبعها و لم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان في أرض مسبعة و خوف فخرج معها و كانت الريح تضرب ثوبها فتصف لموسى عجزها فجعل موسى يعرض عنها مرة و يغض مرة فناداها يا أمة الله كوني خلفي و أرني السمت بقولك فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيئا فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى أعوذ بالله قال شعيب و لم ذاك أ لست بجائع قال بلى و لكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما و أنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملك الأرض ذهبا فقال له شعيب لا و الله يا شاب و لكنها عادتي و عادة آبائي نقري الضيف و نطعم الطعام قال فجعل موسى يأكل و ذلك قوله «فلما جاءه و قص عليه القصص» أي فلما جاء موسى شعيبا و قص عليه أمره أجمع من قتل القبطي و أنهم يطلبونه ليقتلوه «قال» له شعيب «لا تخف نجوت من القوم الظالمين» يعني فرعون و قومه فلا سلطان له بأرضنا و لسنا في مملكته.