۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الشعراء، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

طسٓمٓ ١ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢ لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣ إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤ وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥ فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ طسم (1) تِلْك ءَايَت الْكِتَبِ الْمُبِينِ (2) لَعَلّك بَخِعٌ نّفْسك أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِن نّشأْ نُنزِّلْ عَلَيهِم مِّنَ السمَاءِ ءَايَةً فَظلّت أَعْنَقُهُمْ لهََا خَضِعِينَ (4) وَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرّحْمَنِ محْدَثٍ إِلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذّبُوا فَسيَأْتِيهِمْ أَنبَؤُا مَا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ (6) أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى الأَرْضِ كمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنّ فى ذَلِك لاَيَةً وَ مَا كانَ أَكْثرُهُم مّؤْمِنِينَ (8) وَ إِنّ رَبّك لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ (9)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير الأعشى و البرجمي و حفص «طسم» و يس و حم بالإمالة و الباقون بالفتح و التفخيم و ابن كثير أشد فتحا و تفخيما و كذلك عاصم ثم يعقوب و الآخرون لا يفتحون فتحا شديدا و قرأ أبو جعفر و حمزة بإظهار النون من سين عند الميم و الآخرون يدغمون.

الحجة

قال أبو علي تبيين النون هو الوجه لأن حروف الهجاء في تقدير الانفصال و الانقطاع مما بعدها فإذا كان كذلك وجب تبيين النون لأنها إنما تخفى إذا اتصلت بحرف من حروف الفم فإذا لم تتصل بها لم يكن شيء يوجب إخفاءها و وجه إخفائها مع هذه الحروف أن همزة الوصل قد وصلت و لم تقطع و همزة الوصل إنما تذهب في الدرج فلما سقطت همزة الوصل و هي لا تسقط إلا في الدرج مع هذه الحروف في ألف لام ميم الله كذلك لا يبين النون و يقدر فيها الاتصال بما قبلها و لا يقدر الانفصال.

الإعراب

«أن لا يكونوا» في محل نصب بأنه مفعول له و التقدير لأن لا يكونوا أو بأن

لا يكونوا «ظلت أعناقهم» في موضع جزم عطفا على تنزل «من ذكر» في محل رفع و من مزيدة و كم في موضع نصب بأنه مفعول أنبتنا و «أنبتنا» في موضع نصب على الحال و قد مضمرة و التقدير مثبتا.

المعنى

«طسم» قد بينا معاني هذه الحروف المقطعة في أول البقرة فلا معنى لإعادته و قال مجاهد و الضحاك إن «طسم» و طس من أسماء القرآن و قال ابن عباس في رواية الوالبي طسم قسم و هو من أسماء الله عز و جل و قال القرظي أقسم الله بطوله و سنائه و ملكه و روي عن ابن الحنفية عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزلت «طسم» قال الطاء طور سيناء و سين الإسكندرية و الميم مكة و قيل الطاء شجرة طوبى و السين سدرة المنتهى و الميم محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) «تلك آيات الكتاب المبين» أشار بتلك إلى ما ليس بحاضر لكنه متوقع فهو كالحاضر لحضور المعنى في النفس و التقدير تلك الآيات التي وعدتم بها هي آيات الكتاب أي القرآن و المبين الذي يبين الحق من الباطل «لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين» أي لعلك مهلك نفسك و قاتل نفسك بأن لا يكونوا مؤمنين و بأن يقيموا على الكفر إنما قال ذلك سبحانه تسلية لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) و تخفيفا عنه بعض ما كان يصيبه من الاغتمام لذلك «إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية» أي دلالة و علامة تلجئهم و تضطرهم إلى الإيمان «فظلت أعناقهم لها» أي لتلك الآية «خاضعين» منقادين و قيل في ذلك وجوه ( أحدها ) إن المراد فظل أصحاب الأعناق لها خاضعين فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه لدلالة الكلام عليه ( و ثانيها ) أنه جعل الفعل أولا للأعناق ثم جعل خاضعين للرجال لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون ( و ثالثها ) إن الخضوع مردود إلى المضمر الذي أضيف الأعناق إليه عن الأخفش و المبرد و أبي عبيدة و أنشدوا قول جرير:

{أرى مر السنين أخذن مني --- كما أخذ السرار من الهلال}

( و رابعها ) إن المراد بالأعناق الرؤساء و الجماعات يقال جاءني عنق من الناس أي جماعة ( و خامسها ) إنه لما وصف الأعناق بصفة ما يعقل نسب إليها ما يكون من العقلاء كما قال الشاعر:

{تمززتها و الديك يدعو صياحه --- إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا}

و روي نادى صياحه و ذكر أبو حمزة الثمالي في هذه الآية أنها صوت يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان و تخرج له العواتق من البيوت و قال ابن عباس نزلت فينا و في بني أمية قال سيكون لنا عليهم الدولة فتخضع لنا أعناقهم بعد صعوبتها و تلين «و ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين» أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار أنه لا يأتيهم ذكر من الرحمن محدث أي جديد يعني القرآن كما قال إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون و قال إن هو إلا ذكر إلا أعرضوا عن الذكر و لم يتدبروا فيه «فقد كذبوا فسيأتيهم» فيما بعد يعني يوم القيامة «أنباء ما كانوا به يستهزءؤن» و هي مفسرة في سورة الأنعام «أ و لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج» معناه من كل نوع معه قرينة «كريم» أي حسن و قيل نافع محمود مما يحتاج إليه و قيل من كل صنف يكرم على أهله و قيل كريم مما يأكل الناس و الأنعام عن مجاهد و قال الشعبي الناس نبات الأرض كما قال سبحانه و الله أنبتكم من الأرض نباتا فمن دخل الجنة فهو كريم و من دخل النار فهو لئيم «إن في ذلك لآية» أي لدلالة على وحدانيتنا و كمال قدرتنا «و ما كان أكثرهم مؤمنين» أي لا يصدقون بذلك و لا يعترفون به عنادا و تقليدا لأسلافهم و هربا من مشقة التكليف قال سيبويه كان هنا مزيدة و مجازه و ما أكثرهم مؤمنين «و إن ربك» يا محمد «لهو العزيز» أي القادر و الذي لا يعجز و الغالب الذي لا يغلب «الرحيم» أي المنعم على عباده بأنواع النعم.