۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الشعراء، آية ٢٠٧

التفسير يعرض الآيات ١٩٢ إلى ٢١٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥ وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦ أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧ وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨ فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩ كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١ فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢ فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣ أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤ أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦ مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧ وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨ ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩ وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١ إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ إِنّهُ لَتَنزِيلُ رَب الْعَلَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِك لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبىٍّ مّبِينٍ (195) وَ إِنّهُ لَفِى زُبُرِ الأَوّلِينَ (196) أَ وَ لَمْ يَكُن لهُّمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَؤُا بَنى إِسرءِيلَ (197) وَ لَوْ نَزّلْنَهُ عَلى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِك سلَكْنَهُ فى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتى يَرَوُا الْعَذَاب الأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نحْنُ مُنظرُونَ (203) أَ فَبِعَذَابِنَا يَستَعْجِلُونَ (204) أَ فَرَءَيْت إِن مّتّعْنَهُمْ سِنِينَ (205) ثُمّ جَاءَهُم مّا كانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنى عَنهُم مّا كانُوا يُمَتّعُونَ (207) وَ مَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا لهََا مُنذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَ مَا كنّا ظلِمِينَ (209) وَ مَا تَنزّلَت بِهِ الشيَطِينُ (210) وَ مَا يَنبَغِى لهَُمْ وَ مَا يَستَطِيعُونَ (211) إِنّهُمْ عَنِ السمْع لَمَعْزُولُونَ (212)

القراءة

قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو و حفص و زيد «نزل» بالتخفيف «الروح الأمين» بالرفع و الباقون نزل بالتشديد الروح الأمين بالنصب و قرأ ابن عامر أ و لم تكن بالتاء آية بالرفع و الباقون «لم يكن» بالياء «آية» بالنصب و في الشواذ قراءة الحسن الأعجميين و قراءته أيضا فتأتيهم بغتة بالتاء ما تنزلت به الشياطون.

الحجة

قال أبو علي حجة من قال نزل به بالتشديد قوله فإنه نزله على قلبك و تنزل الملائكة بالروح فإنه مطاوع نزل و قوله نزله روح القدس من ربك بالحق و من أسند الفعل إلى الروح فقال نزل به الروح الأمين فإنه ينزل بأمر الله تعالى فمعناه معنى المثقلة و الوجه في قراءة ابن عامر أ و لم تكن لهم آية إن في تكن ضمير القصة و الحديث لأن ما يقع تفسيرا للقصة و الحديث من الجملة إذا كان فيها اسم مؤنث جاز تأنيث المضمر على شريطة التفسير كقوله فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا و قوله فإنها لا تعمى الأبصار و كذلك «أن يعلمه

علماء بني إسرائيل» لما كان فيه مؤنث جاز أن يؤنث تكن فآية مرتفعة بأنها خبر المبتدأ الذي هو «أن يعلمه علماء بني إسرائيل» و لا يمتنع أن لا يضمر القصة و الحديث و لكن يرفع «أن يعلمه» بقوله تكن و إن كان في تكن علامة التأنيث لأن «أن يعلمه» في المعنى هو الآية فيحمل الكلام على المعنى كما حمل على المعنى في قوله فله عشر أمثالها فأنث لما كان المراد بالأمثال الحسنات و كذلك قراءة من قرأ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا و قال ابن جني في قراءة الحسن الأعجميين إنها تفسير للغرض في القراءة المجمع عليها و هي قوله بعض الأعجميين و ذلك أن ما كان من الصفات على أفعل و مؤنثه فعلى لا يجمع بالواو و النون و لا بالألف و التاء فكان قياسه أن لا يجوز فيه الأعجمون لأن مؤنثه عجمى لكن سببه أنه أريد به الأعجميون ثم حذف ياء النسب و جعل جمعه بالواو و النون دليلا عليها و أمارة لإرادتها كما جعلت صحة الواو في عواور أمارة لإرادة الياء في عواوير و قوله فتأتيهم بغتة بالتاء معناه فتأتيهم الساعة فأضمر الساعة لدلالة العذاب الواقع فيها عليها و لكثرة ما يرد في القرآن من ذكر إتيانها و أما قوله الشياطون فقد قال الفراء فيه غلط الشيخ يعني الحسن فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال إذا جاز أن يحتج بقول العجاج و رؤبة فهلا جاز أن يحتج بقول الحسن مع أنا نعلم أنه لم يقرأ به إلا و قد سمعه قال ابن جني هذا مما يعرض مثله للفصيح لتداخل الجمعين عليه و تشابهما عنده و نحو منه قولهم مسيل فيمن أخذه من السيل ثم قالوا في جمعه مسلان و أمسلة و في معين معنان و أمعنة مع أن الأقوى أن يكون معنان من العين فالشياطون غلط لكن يشبهه كما أن من همز مصائب كذلك عندهم و قال الزمخشري الوجه فيه أنه رأى آخره كآخر يبرين و فلسطين فتخير بين أن يجري الإعراب على النون و بين أن يجريه على ما قبله فيقول الشياطين و الشياطون كما تخيرت العرب بين أن تقول هذه يبرون و يبرين و فلسطون و فلسطين و حقه أن يشق من الشيطوطة و هي الهلاك كما قيل له الباطل

اللغة

الأعجم الذي يمتنع لسانه عن العربية و العجمي نقيض العربي و الأعجمي نقيض الفصيح.

الإعراب

«لا يؤمنون به» في موضع النصب على الحال و «بغتة» مصدر وضع موضع الحال.

«سنين» ظرف زمان لمتعناهم.

«ما أغنى» ما نافية و مفعول أغنى محذوف و تقديره ما أغنى عنهم تمتعهم شيئا.

«ذكرى» في محل النصب لأنه مفعول له.

«و ما ينبغي» فاعل ينبغي مستكن فيه عائد إلى مصدر تنزل تقديره و ما ينبغي لهم أن يتنزلوا به.

المعنى

ثم بين سبحانه أمر القرآن بعد أن قص أخبار الأنبياء (عليهم السلام) ليتصل بها

حديث نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «و إنه لتنزيل رب العالمين نزل به» أي نزل الله بالقرآن «الروح الأمين» يعني جبرائيل (عليه السلام) و هو أمين الله لا يغيره و لا يبدله و سماه روحا لأنه يحيي به الدين و قيل لأنه يحيي به الأرواح بما ينزل من البركات و قيل لأنه جسم روحاني «على قلبك» يا محمد و هذا على سبيل التوسع لأن الله تعالى يسمعه جبرائيل (عليه السلام) فيحفظه و ينزل به على الرسول و يقرأه عليه فيعيه و يحفظه بقلبه فكأنه نزل به على قلبه و قيل معناه لقنك الله حتى تلقنته و ثبته على قلبك و جعل قلبك وعاء له «لتكون من المنذرين» أي لتخوف به الناس و تنذرهم بآيات الله «بلسان عربي مبين» أي بلغة العرب مبين للناس ما بهم إليه الحاجة في دينهم و قيل أراد به لسان قريش ليفهموا ما فيه و لا يقولوا ما نفهم ما قال محمد عن مجاهد و قيل لسان جرهم و إنما جعله عربيا لأن المنزل عليه عربي و المخاطبون به عرب و لأنه تحدى بفصاحته فصحاء العرب و قد تضمنت هذه الآية تشريف هذه اللغة لأنه سماها مبينا و لذلك اختارها لأهل الجنة «و أنه» أي و إن ذكر القرآن و خبره «لفي زبر الأولين» أي في كتب الأولين على وجه البشارة به و بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لا بمعنى أن الله أنزله على غير محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و واحد الزبر زبور و قيل معناه أنه أنزل على سائر الأنبياء من الدعاء إلى التوحيد و العدل و الاعتراف بالبعث و أقاصيص الأمم مثل الذي نزل في القرآن «أ و لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل» معناه أ و لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل بمجيئه على ما تقدمت البشارة دلالة لهم على صحة نبوته لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم و كانت اليهود تبشر به و تستفتح على العرب به و كان ذلك سبب إسلام الأوس و الخزرج على ما مر بيانه و علماء بني إسرائيل عبد الله بن سلام و أصحابه عن ابن عباس و قيل هم خمسة عبد الله بن سلام و ابن يامين و ثعلبة و أسد و أسيد عن عطية «و لو نزلناه على بعض الأعجمين» ) أي و لو نزلنا القرآن على رجل ليس من العرب و على من لا يفصح «فقرأه عليهم» أي على العرب «ما كانوا به مؤمنين» أي لم يؤمنوا به و أنفوا من اتباعه لكنا أنزلناه بلسان العرب على أفصح رجل منهم من أشرف بيت ليتدبروا فيه و ليكون أدعى إلى اتباعه و تصديقه و قيل معناه لو نزلناه على أعجم من البهائم أو غيرها لما آمنوا به و إن كان فيه زيادة أعجوبة عن عبد الله بن مطيع و روي عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن هذه الآية و هو على بعير فأشار إليه و قال هذا من الأعجمين «كذلك سلكناه في قلوب المجرمين» أي كما أنزلنا القرآن عربيا مبينا أمررناه و أدخلناه و أوقناه في قلوب الكافرين بأن أمرنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قرأه عليهم و بينه لهم ثم بين أنهم مع ذلك «لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم» فيلجئهم إلى الإيمان به و هذا خبر عن الكفار الذين علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا «فيأتيهم» أي العذاب

الذي يتوقعونه و يستعجلونه «بغتة» أي فجاة «و هم لا يشعرون» بمجيئه «فيقولوا هل نحن منظرون» أي مؤخرون لنؤمن و لنصدق قال مقاتل لما أوعدهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعذاب استعجلوا العذاب تكذيبا له فقال الله «أ فبعذابنا يستعجلون» توبيخا لهم ثم قال «أ فرأيت أن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون» أي أ رأيت إن أنظرناهم و أخرناهم سنين و متعناهم بشيء من الدنيا ثم أتاهم العذاب لم يغن عنهم ما متعوا في تلك السنين من النعيم لازديادهم في الآثام و اكتسابهم من الأجرام و هو استفهام في معنى التقرير «و ما أهلكنا من قرية» أي و ما أهلكنا قرية «إلا لها منذرون» أي إلا بعد إقامة الحجج عليهم بتقديم الإنذار و إرسال الرسل «ذكرى» أي تذكيرا و موعظة لهم ليتعظوا و يصلحوا فإذا لم يصلحوا مع التخويف و التحذير و استحقوا عذاب الاستئصال بإصرارهم على الكفر و العناد أهلكناهم «و ما كنا ظالمين» أي و ما ظلمناهم بالإهلاك لأنا لا نظلم أحدا، نفى سبحانه عن نفسه الظلم و في هذا تكذيب لمن زعم أن كل ظلم و كفر في الدنيا هو من خلقه و إرادته و غاية الظلم أن يعاقب عباده على ما خلقه فيهم و أراده منهم تعالى الله عن ذلك و تقدس «و ما تنزلت به» أي بالقرآن «الشياطين» كما يزعمه بعض المشركين «و ما ينبغي لهم» إنزال ذلك أي الشياطين «و ما يستطيعون» ذلك و لا يقدرون عليه لأن الله تعالى يحرس المعجزة عن أن يموه بها المبطل فإنه إذا أراد أن يدل بها على صدق الصادق أخلصها بمثل هذه الحراسة حتى تصح الدلالة بها و معنى قول العرب ينبغي لك أن تفعل كذا أنه يطلب منك فعله في مقتضى العقل من البغية التي هي الطلب «إنهم عن السمع لمعزولون» أي مصروفون عن استماع القرآن أي عن المكان الذي يستمعون ذلك فيه ممنوعون عنه بالشهب الثاقبة و قيل معناه أن الشياطين عن سمع القرآن منحون عن قتادة فإن العزل تنحية الشيء عن موضع إلى خلافه و إزالته عن أمر إلى نقيضه قال مقاتل قالت قريش إنما تجيء بالقرآن الشياطين فتلقيه على لسان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأكذبهم لله تعالى بأن قال إنهم لا يقدرون بأن يأتوا بالقرآن من السماء قد حيل بينهم و بين السمع بالملائكة و الشهب.